نباتات نادرة أُنقذوها من المهربين بجنوب إفريقيا.. الآن تواجه مصيرًا أصعب
نباتات نادرة بجنوب إفريقيا
كتب: أيمن رجب
تحولت البيوت الزجاجية في حديقة كيرستنبوش الوطنية النباتية بجنوب إفريقيا إلى وجهة أخيرة لمئات الآلاف من النباتات النادرة المصادرة من الصيادين غير الشرعيين، في مشهد يثير تساؤلات متزايدة حول مصير هذه النباتات بعد إنقاذها من التهريب.
فخلف المروج الخضراء والمناظر الطبيعية الخلابة على سفوح جبل الشيطان، تحتضن البيوت الزجاجية التابعة للحديقة أعداداً هائلة من النباتات العصارية النادرة التي انتُزعت من بيئاتها الطبيعية الهشة وأُدخلت في تجارة دولية غير مشروعة تغذيها شبكات التهريب وهواة الجمع والطلب المتزايد عبر الإنترنت.

وتشير تقديرات موثوقة إلى أن عدد النباتات المصادرة الموجودة في كيرستنبوش قد يصل إلى 500 ألف نبتة، رغم عدم وجود إحصاء دقيق حتى الآن. ويؤكد مختصون أن هذا الرقم لا يمثل سوى جزء محدود من النباتات النادرة والثمينة التي تُقتلع سنوياً من بيئات جنوب إفريقيا الطبيعية قبل تهريبها إلى الأسواق الخارجية.
قضية قضائية تثير الجدل
في الوقت نفسه، يواجه خبير بستنة مخضرم يمتلك معرفة واسعة بهذه الأنواع النباتية النادرة، وكان يُستعان به باستمرار لتحديد النباتات المصادرة، قضية قضائية معقدة إلى جانب اثنين من ضباط الشرطة المختصين بمكافحة الصيد الجائر.
ورغم أن المحكمة لم تصدر أي حكم حتى الآن، فإن استبعاد شخصيات لعبت أدواراً محورية في جهود مكافحة الصيد الجائر وحماية النباتات العصارية أثار مخاوف واسعة داخل الأوساط البيئية، التي تتساءل عما إذا كانت هذه التطورات قد تؤثر على جهود الحفاظ على التنوع النباتي.

من جمال الحديقة إلى أزمة البيوت الزجاجية
بدأت القصة عندما لفت منشور للمتخصص في النباتات جيمس ديكون الانتباه إلى أوضاع حديقة كيرستنبوش. وارتبط ديكون بالحديقة لمدة 19 عاماً، تنقل خلالها بين العمل التطوعي والدراسة والتدريب والمساهمة في جمع النباتات.
وخلال جولة داخل الحديقة، اصطحب ديكون الزوار بعيداً عن المساحات الخضراء والمشاهد السياحية المعتادة إلى البيوت الزجاجية، حيث تتجلى التحديات الحقيقية التي تواجه جهود الحفاظ على النباتات.
ورافقته خلال الجولة عالمة النباتات زوي بولسن، حيث تحدث الاثنان عن النباتات باعتبارها سجلات حية تحمل تاريخاً بيئياً فريداً، يتضمن مواقع نموها الأصلية وخصائصها وإمكانية الاستفادة منها في برامج الحفظ المستقبلية.
أنواع مهددة بالاختفاء
توقف ديكون أمام نبات “إريكا تورجيدا”، وهو نوع انقرض في البرية. وأوضح أن فقدان النباتات المزروعة المتبقية منه قد يعني اختفاء النوع بالكامل باستثناء بعض العينات المزروعة في مواقع محدودة مثل رونديبوش كومون.

وقال إن هذه النباتات تمثل آخر ما تبقى من بعض الكائنات الحية في العالم، وتحتاج إلى رعاية مستمرة وإعادة زراعة وإكثار، إلا أنها تُترك حالياً لتشيخ دون عناية كافية.
كما أشار ديكون وبولسن إلى مظاهر تدهور واضحة داخل بعض المجموعات النباتية، من بينها انتشار الأعشاب الضارة، وجفاف التربة، وبهتان بطاقات التعريف، وضيق الأوعية الزراعية بالنسبة للنباتات القديمة، وهي عوامل قد تؤدي إلى فقدان معلومات مهمة أو موت النباتات بشكل نهائي.
أزمة النباتات المصادرة
ومع الانتقال إلى الأقسام المخصصة للنباتات العصارية، بدا حجم الأزمة أكثر وضوحاً. فقد امتلأت البيوت الزجاجية بصوانٍ وأوعية تضم نباتات مصادرة، معظمها من أنواع كونوفيتوم والعصاريات الأخرى التي تنمو في البيئات الجافة.
وبينما تحمل بعض النباتات أرقام قضايا لدى الشرطة، بدت أخرى في حالة جفاف أو تعفن، فيما افتقرت بعض العينات إلى بيانات موثقة عن مصدرها الأصلي.
ويرى ديكون أن الوضع الحالي لا يمثل حلاً حقيقياً للأزمة، بل مجرد عملية تخزين طويلة الأمد قد تنتهي بموت النباتات بدلاً من إنقاذها.
وتكمن المشكلة في أن إعادة النباتات المصادرة إلى بيئاتها الطبيعية ليست دائماً خياراً متاحاً، خصوصاً عندما يكون موقعها الأصلي مجهولاً، إذ قد يؤدي إرجاعها إلى مناطق غير مناسبة إلى الإضرار بالتنوع الوراثي للمجموعات النباتية المحلية.

كما أن بعض النباتات تُستخدم كأدلة في القضايا الجنائية، بينما تحتاج أخرى إلى عمليات تصنيف وتوثيق ورعاية متخصصة تتطلب وقتاً وموارد بشرية ومساحات إضافية.
أزمة تمتد من البرية إلى الحديقة
ويرى المختصون أن المصادرة قد تتحول إلى إخفاق ثانٍ في جهود الحفاظ على البيئة إذا لم تتوافر الإمكانات اللازمة للتعامل مع النباتات بعد إنقاذها.
ففي المرحلة الأولى تُنتزع النباتات من بيئاتها الطبيعية، ثم تُنقل بعد المصادرة إلى مؤسسات تجد نفسها عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة منها.
ويشير ديكون إلى أن النباتات العصارية المستهدفة غالباً ما تنمو ببطء شديد وفي مناطق محدودة للغاية، وقد يختفي بعضها نهائياً من موطنه الأصلي بمجرد اقتلاع أفراده من الطبيعة.
كما يؤكد أن العديد من الأشخاص الذين ينخرطون في عمليات جمع النباتات غير القانونية ينتمون إلى فئات اجتماعية واقتصادية ضعيفة، بينما تبقى الأرباح الحقيقية في أيدي الشبكات الإجرامية والمشترين الدوليين.
اتهامات وتحقيقات مستمرة
وفي تطور موازٍ، يمثل آدم هارور، كبير مهندسي البستنة السابق في كيرستنبوش، أمام محكمة سبرينغبوك إلى جانب النقيب كاريل كوتزي دو تويت والضابط ليونارد ويليام لاندرو.
ووفقاً لتقارير إعلامية استندت إلى النيابة العامة، يواجه هارور تهماً تتعلق بالفساد والاحتيال والاحتيال الإلكتروني، بينما يواجه دو تويت ولاندرو تهماً تشمل الاحتيال والسرقة وعرقلة سير العدالة ومخالفة قانون السياحة والفساد.
وتتعلق الاتهامات الموجهة إلى هارور بفواتير يُزعم تقديمها مقابل أعمال طب شرعي متخصصة لصالح وحدة سرقة الماشية والأنواع المهددة بالانقراض التابعة لشرطة جنوب إفريقيا، فيما ترتبط الاتهامات الأخرى بآليات توثيق النباتات والمعروضات المصادرة.
ولا تزال القضية قيد النظر أمام القضاء، ولم تصدر أي أحكام بالإدانة حتى الآن.
تساؤلات حول مستقبل جهود الحماية
ورغم خطورة الاتهامات المطروحة، فإن استبعاد شخصيات تمتلك خبرات متخصصة في مجال مكافحة الصيد الجائر للنباتات العصارية يثير مخاوف بشأن تأثير ذلك على قدرات الحماية والحفظ في المستقبل.

ويؤكد مراقبون أن جنوب إفريقيا تحتاج إلى تعزيز الخبرات والقدرات المؤسسية لمواجهة شبكات الاتجار بالنباتات النادرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المؤسسات البيئية.
وفي البيوت الزجاجية بكيرستنبوش، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد قضية صيد جائر، إذ تتداخل فيها تحديات الحفظ والتوثيق والموارد البشرية والقدرات المؤسسية.
ويختصر ديكون المشهد بقوله إن أزمة الصيد الجائر لا تدمر فقط المجموعات النباتية البرية، بل تستنزف أيضاً الموارد والمساحات المخصصة للحفاظ على النباتات الحية وإكثارها داخل الحديقة، ما يجعلها تمثل “فشلاً ثانياً في مجال الحفاظ على البيئة”.



