فيروس هانتا.. العبث بالبيئة يفاقم انتشاره بإفريقيا
سبب ظهور فيروس هانتا

كتب:محمد عمران
في ظل تصاعد المخاوف العلمية من انتشار الأمراض الحيوانية المنشأ في إفريقيا، يبرز دور القوارض، وعلى رأسها الفئران والجرذان، كعامل رئيسي يثير القلق بين الباحثين.
وتشير دراسات حديثة إلى أن تغير المناخ، إلى جانب ضعف أنظمة المراقبة الصحية في عدد من الدول الإفريقية، قد يساهمان في زيادة أعداد هذه القوارض، ما يرفع احتمالات انتقال فيروسات خطيرة مثل فيروس هانتا إلى الإنسان، ويضع تحديات جديدة أمام أنظمة الصحة العامة في القارة.
فيروس هانتا في إفريقيا.. لماذا يثير تغير المناخ والفئران وضعف المراقبة قلق العلماء؟
وكشف عدد من العلماء العاملين في مجال الأمراض المعدية الناشئة أن هناك أنواعا عديدة من فيروسات هانتا، إلا أن نوعاً واحداً فقط يعرف بقدرته على الانتقال من شخص لآخر، وهو فيروس هانتا الأنديز في أمريكا الجنوبية، والذي ارتبط مؤخراً بوفاة عدد من ركاب السفينة السياحية.

ويمكن الحد من انتقال العدوى بين البشر من خلال المراقبة الدقيقة للمخالطين وعزل المصابين، مما يقلل من خطر انتشار الفيروس، خاصة أن العدوى تتطلب عادةً اتصالاً مباشراً.
ويشير العلماء إلى أن العديد من المناطق الريفية قد تعاني من ضعف في خدمات التشخيص نتيجة نقص الموارد، وهو ما قد يؤدي إلى إغفال حالات متفرقة ويسمح بانتشار الفيروس دون اكتشافه في الوقت المناسب، كما أن هذا التأخر ينعكس سلباً على سرعة تطبيق إجراءات المكافحة الفعّالة.
كيف تتحول الفئران إلى ناقل خطر للأمراض في إفريقيا؟
كما تعاني أنظمة المراقبة من محدودية في الدقة والشمول، ما قد يؤدي إلى عدم رصد الإصابات سواء في الحياة البرية أو بين البشر، في حين أن تغير المناخ والتغيرات المتسارعة في استخدام الأراضي قد يسهمان في زيادة خطر انتقال فيروس هانتا من الحيوانات إلى الإنسان، نتيجة ارتفاع أعداد القوارض واقترابها المتزايد من التجمعات السكنية، الأمر الذي يرفع احتمالات تفشي الأمراض الحيوانية المنشأ بشكل أكبر في المستقبل.
على سبيل المثال كشفت دراسات النمذجة في الأمريكتين عن مناطق واسعة تنتشر فيها الأمراض الحيوانية المنشأ (حيث يحمل مجتمع حيواني مرضًا معينًا بشكل دائم)، ويعود ذلك إلى ميل العديد من أنواع القوارض للعيش في بيئات متنوعة تتواجد فيها أيضًا أعداد كبيرة من البشر.
وشدد العلماء على أنه يجب على الحكومات الإفريقية رصد الحياة البرية، لكي تتمكن من رصد متى وأين يُحتمل أن تنتقل الفيروسات الحيوانية، مثل هذا الفيروس، إلى البشر حيث سيساعد ذلك في منع تفشي فيروس هانتا على نطاق واسع، والذي قد يكون مميتًا.
اكتشف العلماء العديد من فيروسات هانتا، بما في ذلك فيروس سانغاسو في غينيا ، في أنواع الثدييات الصغيرة، مثل القوارض.
ومؤخراً، تم العثور على فيروسات هانتا في الذباب والخفافيش أيضاً، وليس فقط في الجرذان والفئران كما كان يُعتقد سابقاً.

ومن بين المشكلات الحالية التي تواجه إفريقيا قلة الأبحاث التي أجريت حول بيئة فيروسات هانتا والحيوانات التي تعد عوائل لها.
كما أن التسلسلات الجينية المتاحة قليلة جدًا، ما يُعيق قدرة العلماء على تحليل التفاعلات بين الفيروسات وعوائلها، والمخاطر المحتملة التي تُشكّلها على البشر.
وأشارت التقارير والأبحاث أنه إلى جانب محدودية رصد المرض، تعاني إفريقيا من فجوة في مراقبة فيروس هانتا.
ويجب سد هذه الفجوة لأن عدوى فيروس هانتا والمرض قد يكونان أكثر انتشاراً مما تفترضه العديد من الأنظمة الصحية.

وانتشر فيروس هانتا بشكل كبير في الولايات المتحدة بين عامي 1993 و1995 بسبب ظاهرة النينيو التي جلبت أمطارًا غزيرة وشتاءً دافئًا، مما أدى إلى وفرة في البذور التي تتغذى عليها القوارض.
وقد أدى هذا التحسن في التغذية إلى زيادة هائلة في أعدادها كما رُبطت حالات تفشي المرض في أماكن أخرى بظواهر مناخية مماثلة.
زيادة أعداد القوارض تعني ازدياد بحثها عن الطعام والمأوى بالقرب من البشر، ويؤدي ازدياد التنافس على الموارد إلى سلوك عدواني بين الحيوانات، كما أن العض ينقل الفيروس، ونظرًا لتوقع ازدياد تواتر وشدة ظاهرة النينيو في المستقبل، فمن المرجح أن تؤثر فيروسات هانتا على الدول الإفريقية بشكل متزايد.
في إفريقيا، من المرجح أن يلعب تغيير استخدام الأراضي دورًا متزايد الأهمية في بيئة فيروس هانتا وظهوره، كما كان الحال مع حمى لاسا (فيروس آخر ينتشر عن طريق القوارض) في نيجيريا وغينيا، وتؤدي إزالة الغابات والتوسع الزراعي وأنشطة التعدين وبناء الطرق والنمو الحضري إلى تغيير العوامل الطبيعية في العديد من مناطق القارة.
ويمكن لهذه التغيرات البيئية أن تجبر مجموعات القوارض والذباب والخفافيش على الانتقال إلى المزارع والقرى والمناطق شبه الحضرية ومصادر المياه التي يستخدمها الناس، وعندما يتوسع البشر إلى مواطن لم تكن مضطربة من قبل بحثاً عن الأرض أو الغذاء أو الفرص الاقتصادية، فإن هذا يخلق أيضاً فرصة جديدة (تُعرف باسم الواجهة البيئية) حيث يمكن أن تنتشر فيروسات هانتا وغيرها من مسببات الأمراض الحيوانية المنشأ بسهولة أكبر بين مستودعات الحياة البرية والبشر.
ما الذي يجب فعله بعد ذلك؟
عندما يتلامس البشر والحيوانات البرية عن قرب، يمكن لفيروسات مثل فيروسات الأنديز أن تنتقل من الحيوانات وتبدأ بالانتقال بين البشر،و يمكن لفيروسات هانتا أن تسبب أمراضًا خطيرة للبشر، ومن المرجح أن يكون انتشارها أوسع بكثير مما هو معروف حاليًا.

وأكد العلماء أنه هناك حاجة إلى دراسات فيروسية وبيئية لمستودعات فيروس هانتا في الحياة البرية، ومراقبة العدوى المحتملة والمرض لدى البشر في المناطق الموبوءة، ويتطلب ذلك أدوات تشخيصية متخصصة، بالإضافة إلى عينات من القوارض في المناطق التي أخل فيها البشر بموائلها، والتي شهدت منذ ذلك الحين حالات مرضية مصحوبة بارتفاع حاد في درجة الحرارة.
وشددوا على تعزيز المراقبة لتحديد نقاط التماس عالية الخطورة، ومناطق انتقال العدوى الناشئة، ومحركات انتقال العدوى أمر ضروري للتنبؤ بفيروسات هانتا الإفريقية المسببة للأمراض المحتملة قبل حدوث تفشيات أكبر.



