سرديات الشعوب الأفريقيةسلايدرمجتمع ومنوعات

سردية الشعوب الأفريقية: الأقزام “معركة البقاء والاعتراف”

إعداد: د. علياء عامر: خبير ديموجرافي متخصص في دراسات الجندر وممثل دول شمال أفريقيا للاتحاد الأفريقي للدراسات السكانية

في الوقت الذي يتحدث فيه العالم بنبرة متسارعة عن التنمية المستدامة والعدالة المناخية، تقبع في عمق الغابات الماطرة لحوض الكونغو واحدة من أقدم السير الإنسانية المنسية. إنها سردية شعوب “الأقزام” — أو كما يفضلون تسمية أنفسهم بأسمائهم الأصلية مثل “الأكا”، “البامبوتي”، و”الباتوا”. هؤلاء ليسوا مجرد جماعات تعيش على هامش القارة الأفريقية، بل هم الحراس الأوائل لأكثر النظم البيئية تعقيداً على وجه الأرض، وأصحاب حضارة شفاهية تملك من الذكاء البيئي ما قد يفتقده إنسان القرن الحادي والعشرين.

هذه المجموعة أو السلالة قليلة العدد، ولكن لها خصالاً وصفات تلفت النظر، وتسترعي الاهتمام، وأول ما تجب ملاحظته ما أشرنا إليه في المقدمة من أن سلالة الأقزام ليست مقصورة على القارة الأفريقية، بل يمتد انتشارها شرقاً إلى المحيط الهادئ، منتشرة بهذه الصورة أوسع الانتشار ولكن بأقل الأعداد. والعلماء يفرقون بين المجموعة الأفريقية والآسيوية بأن يسموها في أفريقيا “نيجريلو” (Negrillo) مستخدمين صيغة التصغير باللغة الإيطالية.

وأما المجموعة الآسيوية فيدعونها “نيجريتو” (Negrito) مستخدمين صيغة التصغير في اللغة الإسبانية. وفي كلا الحالين معنى العبارة الزنجي الصغير، وقلة عددهم حيثما وُجدوا يرجع إلى اشتغالهم بالصيد والجمع والتقاط الغذاء، مع العجز عن العمل المنتج. فيحتاجون إلى وطن عظيم واسع، حتى يجدوا فيه الغذاء لأنفسهم وللحيوانات التي يصيدونها. وكانت هذه الحال ممكنة في العهود الإنسانية القديمة، وبعد ذلك تزاحم السكان، واحتلوا الأقطار واشتغلوا بالرعي وبالزراعة، فلم يكن بد من أن يكتفي الأقزام بأجزاء محدودة من أوطانهم وأن يزاحمهم فيها أناس اقتصادهم أكثر تعقيداً وأكثر إنتاجاً. ولهذا لا نجد الأقزام يعيشون وحدهم في إقليم واحد فما عدا جزر الأندمان في وسط المحيط الهندي. وهذه أيضاً أفسدها الحكم الاستعماري بأن جعلها منفى لبعض الجماعات من المجرمين.

فالأقزام في إفريقية يحترفون الصيد والقنص والجمع. ولا شك أن أوطانهم فيما مضى كانت أعظم اتساعاً مما هي اليوم، وكانت في الغالب تشمل منطقة بحر الغزال والبحيرات الكبرى، والغابات والأدغال المنتشرة في حوض الكونغو، إلى بلاد الكاميرون وسواحل غانا. وأكبر الظن أنهم كانوا يمرحون في هذه المساحات كلها قبل انتشار الزنوج فيها. أما اليوم فإنهم يعتصمون بأشد الغابات كثافة في أواسط إفريقية، في حوض الكونغو، وغابات إيتوري ونحوها. لا يكادون يتجاوزون الدائرة الرابعة شمال وجنوب خط الاستواء.

ويرجع استيطان الأقزام في إفريقية إلى زمن قديم جداً، ونحن نعرف على كل حال أنهم كانوا معروفين لأهل مصر في عهد بناة الأهرام، فقد كان حكام مصر يرسلون بعثات نحو الجنوب فيحملون سلعاً وذخائر إفريقية. وأحياناً كانوا يعودون ومعهم أحد الأقزام، فقد كان الجالس على عرش الفراعنة يرى أن القزم المرح الذي يجيد الرقص واللعب وإثارة الضحك بحركاته، هو أثمن شيء يأتي من الجنوب، وقد خلف المصريون القدماء فيما تركوه من نقوش وكتابات رسوماً لغير واحد من هؤلاء الأقزام.

ومن المؤكد أن البعثات المصرية في ذلك الوقت لم تكن تذهب إلى غابات الكونغو، بل كانت تجد بغيتها في جهات أقرب بكثير من الأوطان الحالية.

والأقزام قصار القامة جداً بحيث لا يتجاوز ارتفاع الواحد ١٣٥ سنتيمتراً – إذا لم يختلط النسب بسلالة أخرى. والأذرع طويلة جداً بالنسبة للأرجل، ولون البشرة محمر داكن غالباً أو أسمر باصفرار، والجسم يغطيه شعر خفيف مثل الزغب؛ والنسبة الرأسية إما متوسطة أو عريضة قليلاً (٧٩ إلى ٨١). وهذا من أهم خصائصهم، ونظراً لأنهم يعيشون وسط جماعات منخفضة نسبة الرأس فيهم، فإننا إذا صادفنا ارتفاعاً في النسبة الرأسية في أي جماعة إفريقية، فإن هذا في الغالب يكون نتيجة اختلاط بالأقزام. والأنف عريض جداً، بين الفطس، والعيون كبيرة وفيها بروز. والوجه قصير، والفك بارز، والشفاه غليظة. أما شعر الرأس فهو بالطبع من الطراز المفلفل جداً.

والأقزام يعيشون في جماعات صغيرة متباعدة، وهذا ما تفرضه حرفة الصيد والجمع. وتقيم كل جماعة أكواخها الصغيرة في مكان منعزل من الغابة.

وهم يصيدون بالقسي والسهام المسمومة، ويستطيعون التغلب حتى على الحيوانات الكبيرة… ولا ندري ماذا كان شعور هؤلاء الأقزام، حينما بدأ ينزل في أوطانهم الجماعات العديدة من البانتو. لكنهم اليوم على كل حال يعيشون في وفاق ووئام مع من يحيط بهم من البانتو. وأصبحوا يتكلمون بلغاتهم ويبادلونهم السلع فيعطونهم من نتاج الصيد ويأخذون منتجات زراعية مثل الموز والذرة.

ومن أمثلة الاختلاط ما رُوِي عن الأقزام البامبوتي في غابات إيتوري، من أنهم يشتركون في حفلات الختان مع جيرانهم من البانتو. فحين يجيء الوقت لإجراء هذه العملية في جهة من الجهات يشترك الأبناء من الأقزام وجيرانهم، ويمارسون الطقوس اللازمة لهذه المرحلة الخطيرة في حياة الغلمان الذين يصبحون بعدها أعضاء في المجتمع، وينتقلون من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب.

أما العقيدة الدينية فلعل فيما يسود الأقزام من عقائد، مما يشتمل على عناصر أصلية خاصة بهم إلى جانب ما اقتبسوه أو تأثروا به من معتقدات جيرانهم من البانتو. وليس يبدو أن عبادة السلف المنتشرة بين جميع البانتو، لها مكان خطير في ديانة الأقزام. وأهم ركن في ديانتهم تمجيد قوة ينسبونها إلى السماء. وبعضهم يراها متصلة بمخلق الكون. وأحياناً يسمون هذا الكائن السماوي رب العواصف والبرق والرعد والمطر. وبعض الجماعات تذكر له اسماً خاصاً. والبعض يدعوه الجد. ويقدمون إليه بعض القرابين مثل جزء من قلب الفريسة عندما تُذبح، أو قسط من عسل.

ومجموعة “إيفي” Efe التي تعيش في غابات “إيتوري” تدعو هذا الكائن باسم “توري”. ويقولون عنه إنه خلق كل شيء، وإليه يؤول كل شيء، وقبل انطلاقهم للصيد يبتهلون إليه: «هبنا الطعام يا توري!» وهم يرون أن “توري” هو الذي تعود إليه الموتى، وهو الذي يقتل بصواعقه الأشرار. هذا وليس للأقزام قبائل، وإن كانت لهم عشائر صغيرة، ومع ذلك فإن بعض مجموعاتهم تتسمى باسم واحد مثل “الأكا” Akka في غابات الكونغو، و”البامبوتى” و”الإيفي” في غابات “إيتوري”، و”الباتوا” في أوغندا.

تلك إذن السلالات الثلاث: البوشمن والهوتنتوت والأقزام، القليلة العدد، السائر بعضها إلى الانقراض، ولكنها تمثل – على قلة عدد أفرادها – ظاهرة خطيرة في القارة الإفريقية. وهي ظاهرة تعمير القارة على مدى الآلاف وعشرات الآلاف من السنين، ويشهد بقدم هذه السلالات أوطانها المنعزلة، التي اضطرت أن تلجأ إليها حين بدأت موجات المغيرين والمهاجرين تزحف من الشمال والشرق، فاعتصم البوشمن وأقرباؤهم بالطرف النهائي للقارة، واعتصم الأقزام بالغابات الشديدة الكثافة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى