اقتصاد السودان يعود عقود للوراء.. تضاعف معدلات الفقر وتوقعات صادمة للمستقبل
مؤتمر المانحين بالعاصمة الألمانية برلين
يواجه السودان “تآكلاً ممنهجاً” لمستقبله مع دخول الحرب عامها الرابع، حيث كشفت تقارير الأمم المتحدة عن قفزة هائلة في معدلات الفقر، محذرة من تراجع المؤشرات الاقتصادية والمعيشية إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ ستينيات القرن الماضي.
كارثة إنسانية
وأكد “لوكا ريندا”، الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن معدلات الفقر في السودان تضاعفت فعلياً منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023. فبعد أن كانت النسبة تستقر عند 38% قبل الحرب، تشير التقديرات الحالية إلى أن 70% من السكان باتوا يعيشون تحت خط الفقر، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية عالمياً.
وتزداد قتامة المشهد في مناطق النزاع الملتهبة مثل دارفور وكردفان، حيث تصل النسبة إلى 75%، بينما يعيش واحد من كل أربعة سودانيين في فقر مدقع، بدخل يقل عن دولارين يومياً، وهو ما يعكس حجم الانهيار في القدرة الشرائية وسبل العيش.
إعادة الإعمار في الخرطوم
رغم استمرار المعارك الضارية في ولايتي كردفان والنيل الأزرق، تشهد العاصمة الخرطوم حالة من الهدوء النسبي منذ سيطرة الجيش عليها العام الماضي. وقد بدأت بوادر العودة للحياة في مناطق الطبقة الوسطى والأسواق، مع عودة نحو 1.2 مليون نازح إلى ديارهم.

إلا أن هذا الاستقرار النسبي في المركز يصطدم بتصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة في الأقاليم، والتي تسببت في مقتل نحو 700 مدني خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري فقط، مما يعزز مخاطر انعدام الاستقرار الإقليمي واستمرار موجات النزوح التي تجاوزت 11 مليون شخص.
خسائر بمليارات الدولارات
وفقاً لتقرير حديث صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع معهد الدراسات الأمنية، فقد السودان ما يقدر بـ 6.4 مليارات دولار من ناتجه المحلي الإجمالي في عام 2023 وحده. وحذر التقرير من أن استمرار النزاع حتى عام 2030 قد يدفع بـ 34 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر المدقع.
وأشار التقرير إلى أن متوسط الدخل في البلاد تراجع إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 1992، بينما تجاوزت معدلات الفقر المدقع ما كانت عليه في الثمانينيات، وهو ما وصفه المسؤولون الأمميون بأنه ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو ضياع لفرص جيل كامل من السودانيين.
ملايين الأطفال خارج مقاعد الدراسة
تلقي الحرب بظلال ثقيلة على مستقبل الطفولة في السودان، فقد ولد نحو 5.6 ملايين طفل في ظروف مأساوية داخل ملاجئ تفتقر لأدنى المقومات الطبية والكهرباء منذ بدء الصراع. وتعرض النظام التعليمي لشلل شبه كامل، حيث حُرم 17 مليون طفل من الدراسة لمدة عامين، ولم يتمكن سوى جزء يسير منهم من العودة لمقاعد العلم.

وعلى الصعيد الصحي والغذائي، أُغلقت 40% من “التكايا” (المطابخ العامة) بسبب نقص التمويل، في وقت يعاني فيه 21 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع إعلان المجاعة رسمياً في مناطق محددة، وسط فجوة تمويلية هائلة لم تغطِ سوى 16% من الميزانية المطلوبة للإغاثة.
مؤتمر برلين
تتجه الأنظار إلى العاصمة الألمانية برلين، التي تستضيف مؤتمراً للمانحين يهدف إلى حشد الدعم الإنساني وكسر الجمود الدبلوماسي. ويأتي هذا التحرك بعد إخفاقات متتالية لجهود “الرباعية الدولية” ومؤتمرات سابقة في لندن وباريس، في وقت يتزايد فيه عدد المفقودين وتتمزق فيه الروابط الأسرية نتيجة انهيار شبكات الاتصال والنزوح المستمر.



