إفريقيا تطلق خطة استجابة قارية بـ518 مليون دولار لمواجهة إيبولا
تفشي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومنع امتداده إقليميًا

كتب:محمد عمران
في مواجهة وباء الإيبولا الناجم عن سلالة بونديبوجيو في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تطلق إفريقيا استجابة قارية غير مسبوقة، وتعكس هذه الاستراتيجية، التي تبلغ تكلفتها 518 مليون دولار أمريكي بقيادة المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها ومنظمة الصحة العالمية، التقدم المحرز منذ الأزمة المدمرة التي وقعت بين عامي 2014 و2016، والتي كشفت عن هشاشة النظم الصحية الإفريقية.
إفريقيا تطلق خطة استجابة قارية بـ518 مليون دولار لمواجهة إيبولا
بعد مرور اثني عشر عامًا على أسوأ وباء إيبولا في التاريخ الحديث، تواجه إفريقيا مرة أخرى عودة ظهور الفيروس، لكن هذه المرة، تعتزم القارة إثبات أنها استوعبت دروس الماضي.
في 5 يونيو 2026، أطلقت المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) ومنظمة الصحة العالمية خطة قارية للتأهب والاستجابة تهدف إلى حشد 518 مليون دولار على مدى ستة أشهر، من يونيو إلى نوفمبر 2026، والهدف واضح احتواء تفشي المرض الناجم عن سلالة بونديبوجيو من فيروس إيبولا بسرعة، والذي يتركز حاليًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مع حماية البلدان المجاورة من الانتشار الإقليمي.
تفشي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومنع امتداده إقليميًا
يأتي هذا التحرك في ظل استمرار تفشي المرض بوتيرة متسارعة، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يعد هذا التفشي الحالي من بين أكبر حالات الإصابة بفيروس إيبولا المسجلة على الإطلاق، ولا تزال جمهورية الكونغو الديمقراطية مركز الأزمة، بينما تم الإبلاغ عن حالات إصابة في أوغندا أيضًا.
استجابة قارية منظمة
وبعيداً عن حجم التمويل، تكمن الجدة في النهج المتبع، تستند الخطة إلى مبدأ “الاستجابة الموحدة”، بهدف تنسيق جهود الحكومات والمنظمات الدولية والشركاء التقنيين والمجتمعات المحلية حول استراتيجية موحدة.
ستستخدم هذه الأموال لتعزيز المراقبة الوبائية، والقدرات المختبرية، وأنظمة الإنذار المبكر، والوقاية من العدوى ومكافحتها، والرعاية السريرية، والخدمات اللوجستية، وتنسيق حالات الطوارئ، وتتلقى عشر دول ذات أولوية بالفعل دعماً مُعززاً في مجال التأهب.
ينتشر فيروس إيبولا بسرعة. يجب على أفريقيا التحرك بشكل أسرع.
بالنسبة للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، سيكون التنسيق حاسما.
وقال خلال إطلاق الخطة القارية: “إن السبيل الوحيد لهزيمة هذا الوباء هو العمل بتعاون وثيق تحت قيادة البلدان المتضررة”.
أكد المدير العام لمركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا، جان كاسيا، على ضرورة التحرك العاجل قائلاً: “ينتشر فيروس إيبولا بسرعة. يجب على أفريقيا أن تتحرك بشكل أسرع”.
إفريقيا أكثر استعداداً مما كانت عليه في عام 2014
لا مفر من المقارنة مع أزمة 2014-2016. ففي ذلك الوقت، تسبب تفشي المرض – الذي أثر بشكل رئيسي على غينيا وليبيريا وسيراليون – في وفاة أكثر من 11 ألف شخص وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، وكشف عن قصور أنظمة الترصد والتنسيق الصحي.
كما أظهر غياب هيكل قاري أفريقي قادر على تنسيق استجابة واسعة النطاق، ومنذ ذلك الحين، شهد المشهد الصحي في إفريقيا تطوراً كبيراً.
يعد إنشاء المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها في عام 2017 أحد أهم الإنجازات، وتدير مؤسسة الاتحاد الإفريقي الآن مراكز إقليمية، وآليات مراقبة معززة، وقدرات تنسيقية لم تكن موجودة خلال أزمة الإيبولا السابقة.
كما وسعت الدول الإفريقية قدراتها التشخيصية، فقد ازداد عدد شبكات المختبرات، وأصبحت إجراءات الكشف أسرع، وآليات تبادل البيانات أكثر تنظيماً، وقد ساهمت الخبرة المكتسبة خلال جائحة كوفيد-19، فضلاً عن الاستجابة لتفشي جدري الماء والكوليرا والحصبة، في تعزيز أنظمة الاستجابة للطوارئ.
وتنعكس هذه القدرة المتنامية أيضاً في تعاون أكثر فعالية عبر الحدود، فالفحوصات الصحية على الحدود، وتبادل المعلومات بين الدول، وأنظمة تتبع المخالطين أصبحت الآن أكثر تكاملاً مما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
كشفت أزمة الإيبولا عام 2014 عن مواطن الضعف في إفريقيا، أما تفشي المرض عام 2026، فقد يسلط الضوء على التقدم المحرز.
تمثل سلالة بونديبوجيو تحديًا خاصًا فلا يوجد حاليًا لقاح أو علاج معتمد خصيصًا لهذا النوع من الفيروس، ورغم وجود العديد من البرامج البحثية الجارية، إلا أن السلطات الصحية لا تزال تعتمد على التدابير التقليدية للسيطرة على تفشي المرض الكشف السريع، والعزل، وتتبع المخالطين، والتوعية المجتمعية.
تزيد الأوضاع الأمنية في بعض المناطق المتضررة من تعقيد العمليات، ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، يصعب انعدام الأمن وتحركات السكان تتبع المخالطين والوصول إلى المجتمعات الأكثر عرضة للخطر.
ومن التحديات الرئيسية الأخرى ثقة الجمهور. ويؤكد مسؤولو الصحة أن الشائعات، وانعدام الثقة في السلطات، أو رفض التعاون، يمكن أن تبطئ جهود الاستجابة بشكل كبير.
اختبار للبنية التحتية الصحية في أفريقيا التي تم بناؤها على مدى العقد الماضي
وبعيداً عن حالة الطوارئ الحالية، فإن الاستجابة التي تقودها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا ومنظمة الصحة العالمية تمثل اختباراً للبنية الصحية الأفريقية التي تم بناؤها على مدى السنوات العشر الماضية.
لم يعد الطموح يقتصر على الاستجابة للأزمات فحسب، بل على منعها من التفاقم إلى كوارث إقليمية. ولذلك، تهدف الخطة البالغة قيمتها 518 مليون دولار ليس فقط إلى احتواء التفشي الحالي، بل أيضاً إلى تعزيز النظم الصحية في جميع أنحاء القارة بشكل مستدام لمواجهة التهديدات الصحية المستقبلية بشكل أفضل.
كشفت أزمة الإيبولا عام 2014 عن مواطن الضعف في إفريقيا، أما تفشي المرض عام 2026، فقد يبرز التقدم المحرز، فرغم استمرار التحديات الكبيرة، تتمتع القارة اليوم بمؤسسات أقوى، وقدرات تقنية محسنة، وتنسيق غير مسبوق، وهو تطور قد يحدث فرقًا في مكافحة أحد أخطر الأمراض في العالم.



