تصريحات رئيس نيجيريا تشعل غضب تحالف الساحل
اتهامات متبادلة حول الجماعات المسلحة والتهديدات العابرة للحدود

كتب: محمد عمران
تصاعد التوتر الدبلوماسي بين نيجيريا ودول تحالف دول الساحل «AES»، بعد اعتراض بوركينا فاسو ومالي والنيجر على تصريحات للرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، ربط فيها بين تدهور الوضع الأمني داخل بلاده وتصاعد الهجمات وعمليات الخطف وبين الأوضاع الأمنية في دول الساحل المجاورة.
تصريحات تينوبو تشعل غضب تحالف الساحل.. بوركينا فاسو ترفض تحميل دول الجوار مسؤولية تدهور أمن نيجيريا
وأعربت دول التحالف عن استيائها من تصريحات تينوبو، معتبرة أن هذا الطرح يقدم تفسيرًا مبسطًا لأزمة أمنية معقدة، ويتجاهل ما تبذله جيوش وشعوب بوركينا فاسو ومالي والنيجر من جهود وتضحيات في مواجهة الجماعات المسلحة، مؤكدة في الوقت نفسه أن دول المنطقة تواجه تهديدًا مشتركًا يتطلب تعاونًا إقليميًا بدلًا من تبادل الاتهامات.
وجاء الموقف الرسمي للتحالف خلال اجتماع عقده وزير خارجية بوركينا فاسو كاراموكو جان ماري تراوري مع القائم بالأعمال في السفارة النيجيرية لدى واغادوغو، بحضور ممثلين دبلوماسيين عن مالي والنيجر، فيما نقلت وزارة الخارجية النيجرية الموقف، مؤكدة دعم نيامي للنهج الدبلوماسي المشترك بين دول التحالف.

وتعود الأزمة إلى تصريحات أدلى بها الرئيس النيجيري في 30 يوليو 2026 خلال اجتماع مع زعماء قبائل في العاصمة أبوجا، قال خلالها إن بعض المسلحين المتورطين في الهجمات داخل نيجيريا ليسوا نيجيريين، وربط بين تدهور الأوضاع الأمنية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وبين تفاقم المشكلات الأمنية التي تواجهها بلاده.
وقال تينوبو، في تصريحاته، إن مشكلة انعدام الأمن في دول الساحل الثلاث «تؤدي إلى تفاقم» الصعوبات الأمنية التي تواجه نيجيريا، في إشارة إلى الهجمات وعمليات الخطف التي تشهدها مناطق مختلفة من البلاد.
ورد وزير خارجية بوركينا فاسو على هذه التصريحات بوصفها «متسرعة» و«مبسطة» و«مفاجئة»، معتبرًا أنها لا تقدم صورة دقيقة عن طبيعة الأزمة الأمنية في المنطقة، كما أنها تتجاهل التضحيات التي قدمتها قوات الدفاع والأمن وشعوب الدول الثلاث خلال سنوات المواجهة مع الجماعات المسلحة.
وقال تراوري إن دول التحالف كانت تفضل طرحًا أكثر دقة للوضع الأمني بدلًا من تحميل الدول المجاورة مسؤولية أزمة معقدة، محذرًا من أن مثل هذه التصريحات قد تزيد سوء الفهم والإحباط بين شعوب تجمعها روابط تاريخية وجغرافية.
وفيما يتعلق بالنيجر تحديدًا، رفض الوزير البوركيني الإيحاء بأن تدهور الوضع الأمني في دول الساحل هو سبب رئيسي لتصاعد تهديد بوكو حرام داخل نيجيريا، مشيرًا إلى أن الجيش النيجري كان يواجه الجماعة المسلحة قبل ظهور موجة التدهور الأمني الواسعة التي ضربت دول الساحل الأخرى.

كما أشار تراوري إلى أن دول التحالف تجنبت بدورها توجيه اتهامات علنية إلى نيجيريا بشأن بعض التهديدات العابرة للحدود، رغم وجود روابط معروفة بين جماعة بوكو حرام وجماعات مسلحة تنشط في منطقة الساحل.
وشدد وزير خارجية بوركينا فاسو على أن بوركينا فاسو ومالي والنيجر ونيجيريا «تواجه العدو نفسه»، معتبرًا أن التعامل مع الجماعات المسلحة باعتبارها تهديدًا مشتركًا يتطلب تنسيقًا بين دول المنطقة، وليس تبادل المسؤولية عن تدهور الأوضاع الأمنية.
وفي هذا السياق، أشار تراوري إلى أن التقدم الذي تحققه القوات التابعة للتحالف في عمليات مكافحة الجماعات المسلحة يمكن أن ينعكس على أمن المنطقة بأكملها، مؤكدًا أن تعزيز القدرات العسكرية لدول الساحل لا يستهدف نيجيريا، وإنما يندرج ضمن مواجهة تهديدات عابرة للحدود.
ودعت سلطات تحالف دول الساحل المسؤولين النيجيريين إلى إعطاء الأولوية للرسائل التي تقوم على التضامن والتعاون الإقليمي، بدل التصريحات التي قد تؤدي إلى زيادة التوتر وسوء الفهم بين الدول المتجاورة.
وأكد تراوري أن دول التحالف لا تعتبر نفسها مسؤولة عن الأوضاع التي تواجهها، قائلًا إن شعوب المنطقة «تدفع الثمن»، بينما تكمن التهديدات الحقيقية في الجماعات المسلحة التي تنشط عبر الحدود، داعيًا إلى مواجهة جماعية للعدو المشترك.
ورغم حدة الانتقادات، شدد وزير الخارجية البوركيني على أن موقف تحالف دول الساحل لا يستهدف الدخول في مواجهة دبلوماسية مع أبوجا، وإنما يهدف إلى الحفاظ على حوار «صريح ومحترم وبناء» مع الحكومة النيجيرية.

وفي المقابل، أبدى القائم بالأعمال النيجيري لدى بوركينا فاسو استعداده لنقل مضمون الرسالة إلى السلطات في أبوجا، مؤكدًا أنه أخذ الموقف البوركيني ودول التحالف بعناية، كما أقر بالجهود التي تبذلها دول الساحل في مكافحة الإرهاب، وأشاد تحديدًا بدور النيجر في منع هجمات كان من الممكن أن تستهدف الأراضي النيجيرية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تواجه فيه دول تحالف الساحل ونيجيريا تهديدات أمنية عابرة للحدود، فيما تسعى الأطراف إلى الحفاظ على آليات التعاون الأمني رغم الخلافات السياسية بشأن طريقة إدارة أزمة الساحل، ما يجعل استمرار التنسيق بين الجانبين عاملًا حاسمًا في مواجهة الجماعات المسلحة التي تستفيد من الحدود الممتدة وصعوبة السيطرة على المناطق النائية.
وتكشف الأزمة الأخيرة عن تعقيد المشهد الأمني في غرب إفريقيا؛ فالجماعات المسلحة لا تتحرك وفق الحدود السياسية للدول، بينما تواجه الحكومات تحديًا يتمثل في منع انتقال الهجمات والمقاتلين بين مناطق الساحل وشمال نيجيريا، وهو ما يجعل التعاون بين أبوجا ودول التحالف ضرورة أمنية رغم الخلافات السياسية والدبلوماسية.


