كتب: أيمن رجب
يُخلّد التاريخ أسماء الأبطال ويحتفي دائمًا بالمنتخبات التي ترفع الكأس، لكن في المقابل تبقى هناك قصص استثنائية لفرق عظيمة صنعت مجد كرة القدم دون أن تنجح في تحقيق اللقب الأكبر في اللعبة.
ومع اقتراب كأس العالم لكرة القدم 2026، يتجدد التذكير بأن الجائزة الأهم في كرة القدم لا تذهب دائمًا إلى أكثر المنتخبات موهبة أو إبداعًا.
التاريخ يكتب أسماء الفائزين الذين يحتفلون بالكأس ويجوبون به مدنهم، لكن بعض أعظم الحكايات الكروية لم تُكتب باسم المنتصرين، بل لمنتخبات أعادت تشكيل كرة القدم نفسها دون أن تتوج بلقب العالم.

ومع بقاء يومين فقط على انطلاق المونديال، تبرز دولتان بشكل واضح باعتبارهما أعظم منتخبين لم ينجحا في الفوز بكأس العالم: هولندا والمجر.
كلا المنتخبين قدّم ثورة كروية حقيقية، وأنجب أساطير، ووقف على أعتاب التتويج أكثر من مرة، خصوصًا هولندا التي تكررت معها الفرصة في أكثر من مناسبة.
لكن في النهاية، لم ينجح أي منهما في الوصول إلى القمة الكبرى لكرة القدم.
هولندا: أعظم ثورة كروية بلا كأس عالم
من الصعب العثور على دولة أثرت في كرة القدم بعمق مثل هولندا، إذ لم يقتصر تأثيرها على البطولات، بل امتد لتغيير طريقة لعب كرة القدم نفسها.

قدّم الهولنديون للعالم مفهوم “الكرة الشاملة”، وهو أسلوب تكتيكي ثوري يعتمد على الحركة المستمرة، وتبديل المراكز، والمهارة العالية. وقد ألهم هذا النهج أجيالًا من المدربين مثل بيب غوارديولا ومارسيلو بيلسا.
وكان يوهان كرويف في قلب هذه الثورة. حيث قاد المنتخب الهولندي واحدًا من أعظم الفرق التي شاركت في كأس العالم 1974 في ألمانيا الغربية. وقدّمت هولندا أداءً مبهرًا بأسلوب سابق لعصره بسنوات طويلة.
وصل المنتخب إلى المباراة النهائية باعتباره المرشح الأقوى للفوز على ألمانيا الغربية، بل وتقدم في النتيجة قبل أن يلمس أي لاعب ألماني الكرة، بعد ركلة جزاء جاءت من هجمة منظمة منذ بداية المباراة.
لكن كرة القدم كانت قاسية، حيث نجحت ألمانيا الغربية في العودة والفوز 2-1، ليضيع اللقب من هولندا. وبعد أربع سنوات، عاد المنتخب الهولندي إلى النهائي في الأرجنتين عام 1978، لكن النتيجة تكررت، وخسر مرة أخرى أمام أصحاب الأرض بعد الوقت الإضافي.
جاءت الفرصة الثالثة في جنوب أفريقيا عام 2010، بقيادة جيل يضم ويسلي شنايدر، وآريين روبن، وروبن فان بيرسي، ومارك فان بوميل. ونجح المنتخب في الوصول إلى النهائي أمام إسبانيا.
ظل الحلم قائمًا حتى الدقيقة 116، قبل أن يسجل أندريس إنييستا الهدف الحاسم الذي منح إسبانيا اللقب. وبذلك خسرت هولندا النهائي الثالث لها.

ثلاث نهائيات، وثلاث خسائر. ولم يسبق لأي منتخب أن وصل إلى نهائي كأس العالم أكثر من ذلك دون أن يتوج بالبطولة.
لا تعود مأساة هولندا إلى نقص الموهبة، بل إلى أن أجيالها الذهبية اصطدمت بخصوم في قمة مستواهم في اللحظات الحاسمة.
ورغم ذلك، يبقى تأثير هولندا على كرة القدم أحد أعظم الإرثات في تاريخ اللعبة، حتى وإن ظل لقب كأس العالم غائبًا.
المجر: أعظم فريق لم يُكمل قصته
إذا كانت هولندا تمثل أعظم ثورة غير مكتملة، فإن المجر قد تكون أعظم سلالة كروية لم تكتمل على الإطلاق.
قبل ظهور البرازيل و”الجوغا بونيتو”، كانت المجر هي القوة المسيطرة في كرة القدم العالمية، فقد كان “المجريون الأقوياء” في أوائل خمسينيات القرن الماضي فريقًا شبه لا يُهزم.
بقيادة فيرينك بوشكاش وساندور كوتشيس وناندور هيديكوتي، قدمت المجر كرة قدم هجومية مذهلة أثرت لاحقًا في تطور اللعبة عالميًا.
وخاض المنتخب 32 مباراة دون هزيمة، وتوج بالميدالية الذهبية الأولمبية، وكان أول فريق أجنبي يهزم إنجلترا على ملعبها، بعدما انتصر 6-3 في ويمبلي، ثم 7-1 في بودابست.

وقبيل كأس العالم 1954 في سويسرا، كان يُنظر إلى المجر باعتبارها المنتخب الأقوى دون منازع. وقد عززت ذلك داخل البطولة بفوز ساحق 9-0 على كوريا الجنوبية، ثم 8-3 على ألمانيا الغربية، وأقصت البرازيل في 27 يونيو 1954 في “معركة برن”.
ثم فازت على أوروغواي في نصف النهائي، وسجلت 27 هدفًا في 5 مباريات، لتبدو في طريقها نحو اللقب.
لكن النهائي حمل صدمة كبرى، إذ تقدمت المجر بهدفين، قبل أن تخسر 3-2 أمام ألمانيا الغربية في واحدة من أشهر مباريات التاريخ، المعروفة باسم “معجزة بيرن”.
ويعتبر كثير من المؤرخين أن هذا المنتخب هو الأعظم الذي لم يفز بكأس العالم.
لاحقًا، أدت الاضطرابات السياسية إلى تفكك هذا الجيل الذهبي، ولم تتمكن المجر من العودة إلى تلك المستويات مرة أخرى، لتبقى تلك الفترة واحدة من أكبر قصص “ماذا لو” في تاريخ كرة القدم.
عظمة تتجاوز البطولات
ورغم أن كأس العالم يُعتبر المعيار الأكبر لقياس النجاح في كرة القدم، فإن التاريخ لا يُكتب دائمًا بالألقاب فقط.
فقد أعطت هولندا كرة القدم فلسفة جديدة غيرت أسلوب اللعب عالميًا، بينما ساهمت المجر في تأسيس ملامح كرة القدم الحديثة قبل عقود من تطورها.
لم يفز أي من المنتخبين بكأس العالم، لكن تأثيرهما على اللعبة كان أعمق وأبقى من كثير من الأبطال.
ومع انطلاق البطولة، تبقى قصصهما تذكيرًا بأن العظمة لا تُقاس دائمًا بالكؤوس، وأن بعض المنتخبات التي لم تفز، قد تكون هي التي جعلت العالم يعشق كرة القدم أكثر من غيرها.



