أخبار أفريقياأخبار العالمبيزنس أفريقياسلايدر

زيارة رئيسة تنزانيا إلى روسيا ترسم ملامح مستقبل اقتصاد دودوما

تعاون البلدين يمثل توافقاً مثالياً للمصالح الاقتصادية المتبادلة

كتب- زياد عبدالفتاح ووكالات:

تتجه أنظار التنزانيين بقوة نحو روسيا هذا الأسبوع، تزامنًا مع زيارة سامية سولوهو حسن، رئيسة تنزانيا التاريخية التي تستغرق 3 أيام إلى موسكو التي تعد القوة الاقتصادية الشرقية.

ووفق صحيفة ديلي نيوز تنزانيا، فإنه بدلاً من أن تكون هذه المهمة مجرد مشاركة دبلوماسية روتينية، فإنها تمثل خطوة متعمدة لتعميق العلاقات مع الاقتصادات الأكثر ازدهارًا في الشرق والجنوب العالميين، والاستفادة من آفاق جديدة لرأس المال والتجارة والتكنولوجيا.

وتشمل الزيارة اجتماعاً ثنائياً رفيع المستوى مع الرئيس فلاديمير بوتين والمشاركة في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي المرموق، وتسلط الضوء على تحول قاري أوسع حيث تعمل إفريقيا بنشاط على توسيع تحالفاتها الاقتصادية التقليدية لتأمين آفاق نمو جديدة واستراتيجية للغاية.

بالنسبة لمحللي التجارة الدولية، يُمثل التعاون توافقاً مثالياً للمصالح الاقتصادية المتبادلة، حيث تُعد روسيا تاسع أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، ورابع أكبر اقتصاد من حيث الناتج المحلي الإجمالي المعدل وفقاً لتعادل القوة الشرائية، مما يجعلها واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في العالم خارج الهند والصين في السنوات الأخيرة.

بينما تسعى تنزانيا بقوة إلى إقامة شراكات قوية لترسيخ أهدافها المتعلقة بالتصنيع كثيف رأس المال وإضافة القيمة، فإن هذا الاقتصاد المختلط الصناعي يمثل حليفاً استراتيجياً مثالياً.

نقلة نوعية مرتقبة في التعاون الاقتصادي

زيارة سولوهو إلى روسيا تعيد رسم ملامح مستقبل اقتصاد تنزانيا
رئيسا روسيا وتنزانيا

وتُعدّ الزيارة ذات أهمية تاريخية بالغة، كونها أول زيارة لرئيس دولة تنزاني إلى روسيا منذ زيارة مواليمو جوليوس نيريري التاريخية عام 1969، وهي مُهيأة لإحداث نقلة نوعية في قواعد التعاون الاقتصادي بين البلدين في مجالات التجارة والطاقة والتعدين والبنية التحتية والتكنولوجيا، ويُعدّ توقيت الزيارة بالغ الأهمية.

وبينما تعمل تنزانيا بنشاط على صياغة مخططها التنموي طويل الأجل، رؤية 2050، فإن تركيز الدولة ينصب على جذب الاستثمارات الاستراتيجية القادرة على تسريع التصنيع، وترسيخ القيمة المضافة المحلية، وتطوير قطاع الطاقة، وتحديث البنية التحتية الوطنية الحيوية.

روسيا تنتهج توسيع علاقاتها في إفريقيا

وفي الوقت نفسه، تعمل روسيا بشكل منهجي على توسيع علاقاتها الاقتصادية في جميع أنحاء إفريقيا، وتبحث عن شراكات جديدة ديناميكية وفرص سوقية غير مستغلة.

التعاون الاقتصادي لم يبلغ كامل إمكاناته

يعزز التعاون علاقة راسخة تاريخياً، مع التركيز بقوة على التوسع المستقبلي الطموح، وبينما تتمتع دار السلام وموسكو بعلاقات ودية منذ الحقبة السوفيتية – تركز تقليدياً على التعليم العالي والتدريب التقني وحسن النية السياسية المتبادلة – فإن التعاون الاقتصادي الثنائي لم يبلغ بعد كامل إمكاناته.

يهدف وجود الرئيسة سامية في موسكو إلى تحويل التضامن التاريخي الراسخ إلى شراكة اقتصادية حديثة ومثمرة للغاية.

ويبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي حالياً حوالي 307.5 مليون دولار أمريكي (ما يعادل 807 مليارات شلن تقريباً) سنوياً، وهو رقم لا يزال متواضعاً بالنظر إلى حجم الاقتصادين والفرص المتاحة.

تهدف زيارة الرئيسة سامية إلى تحويل علاقة دبلوماسية طويلة الأمد إلى شراكة اقتصادية أقوى قادرة على تحقيق مكاسب تنموية ملموسة.

توقع بإبرام عدة اتفاقيات

من المتوقع إبرام عدة اتفاقيات في مجالات التعليم العالي، والعلوم والتكنولوجيا، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والنقل، وتشجيع الاستثمار، إلا أن المعيار الحقيقي للنجاح لن يكون عدد مذكرات التفاهم الموقعة، بل مدى ترجمتها إلى استثمارات مستدامة، ونقل للتكنولوجيا، ونشاط اقتصادي مثمر.

تنزانيا تسعى لاستغلال احتياطياتها من الغاز

من المتوقع على نطاق واسع أن يوفر التعاون في قطاع الطاقة أكبر إمكانات اقتصادية، إذ لا تزال روسيا رائدة عالميًا في تطوير النفط والغاز، والبنية التحتية للطاقة، والتكنولوجيا النووية، والهندسة الصناعية، بينما تسعى تنزانيا إلى استغلال احتياطياتها من الغاز الطبيعي التي تتجاوز 57 تريليون قدم مكعب، وتوسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء الموثوقة.

من شأن تعزيز التعاون أن يدعم الاستثمارات في معالجة الغاز، والبتروكيماويات، وإنتاج الأسمدة، وتوليد الطاقة، وغيرها من مشاريع الطاقة الاستراتيجية التي تُعدّ أساسية لبرنامج التصنيع في تنزانيا. ولا تزال الطاقة الموثوقة وبأسعار معقولة تُشكّل الركيزة الأساسية للنمو الصناعي، مما يجعل خبرة روسيا في تطوير مشاريع الطاقة واسعة النطاق ذات أهمية خاصة لطموحات تنزانيا طويلة الأجل.

التعدين قطاع ذا إمكانات كبيرة

ويُعدّ التعدين قطاعًا آخر ذا إمكانات كبيرة، حيث تمتلك تنزانيا رواسب وفيرة من الذهب والجرافيت والفحم والعناصر الأرضية النادرة (المعروفة أيضًا بالمعادن الحيوية أو التكنولوجية) والنيكل واليورانيوم وغيرها من الموارد الاستراتيجية. ومع ذلك، لطالما تمثّل التحدي الذي يواجه البلاد في الانتقال من تصدير المعادن الخام إلى إضافة القيمة والتصنيع الصناعي.

ويمكن لخبرة روسيا العميقة في استخراج المعادن ومعالجتها والتعدين الصناعي أن تدعم تطوير مرافق التكرير ومصانع المعالجة والاستكشاف الجيولوجي والتدريب التقني المتخصص، ومن شأن هذا التعاون، إذا ما تم تنظيمه بشكل مناسب، أن يساعد تنزانيا على تحقيق قيمة أكبر من مواردها الطبيعية وتعزيز قدراتها الصناعية المحلية، متجاوزةً بذلك مجرد تصدير المواد الخام.

فرص كبرى في الزراعة

ويُتيح قطاع الزراعة، الذي يُعدّ أكبر قطاع مُشغّل في تنزانيا وأحد ركائز اقتصادها، فرصًا كبيرة للتعاون. وتُعتبر روسيا من أكبر منتجي الحبوب في العالم، إذ تمتلك اقتصادًا صناعيًا مختلطًا، وقد رسّخت مكانتها كمُصدّر رئيسي للقمح والأسمدة والآلات الزراعية وتقنيات تصنيع الأغذية.

في غضون ذلك، لا تزال تنزانيا مستورداً رئيسياً للمدخلات الزراعية. ويمكن أن يشجع توسيع التعاون على الاستثمار في صناعة الأسمدة، والميكنة الزراعية، وأنظمة الري، والبنية التحتية للتخزين، والصناعات الزراعية التحويلية.

عقب انعقاد منتدى الأعمال والاستثمار التنزاني الروسي الأخير في أروشا، أعرب البلدان عن نيتهما تعزيز الاستثمارات المشتركة، لا سيما في مجال تصنيع المنتجات الزراعية التنزانية ذات القيمة المضافة. ومن شأن تحسين الإنتاجية الزراعية أن يعود بفوائد جمة على الأمن الغذائي، ودخل سكان الريف، وعائدات التصدير، والحد من الفقر.

صادرات تنزانيا إلى روسيا مؤهلة للارتفاع

من المتوقع أن تُعزز الزيارة صادرات تنزانيا إلى روسيا، والتي تهيمن عليها حاليًا المحاصيل النقدية التقليدية مثل التبغ والبن والشاي، مع خلق فرص جديدة لمنتجات أخرى مثل المحاصيل البستانية والجلود والمعادن. كما ستُمثل البنية التحتية وشبكة النقل محورًا رئيسيًا للزيارة.

ومن الجدير بالذكر أن إحدى النتائج الملموسة التي تم الإعلان عنها بالفعل هي إطلاق رحلات جوية مباشرة لشركة الخطوط الجوية التنزانية (ATCL) بين تنزانيا وموسكو في وقت لاحق من هذا العام. ويهدف هذا الاتفاق إلى تقليل العوائق اللوجستية وتسهيل التجارة والسياحة وتبادل الأعمال.

تُعدّ الاتصالات عنصراً بالغ الأهمية في الدبلوماسية الاقتصادية، إذ تُعزز التجارة من خلال تسهيل السفر، وتزيد من التفاعلات التجارية، وترفع كفاءة الخدمات اللوجستية، وتُتيح فرصاً استثمارية أوسع. وبعيداً عن قطاع الطيران، سبق أن ناقشت تنزانيا وروسيا التعاون في مجالي النقل والخدمات اللوجستية.

قد يُسهم تعزيز الربط في مساعدة تنزانيا على تحقيق هدفها في أن تصبح مركزًا لوجستيًا إقليميًا، وبوابةً لشرق ووسط أفريقيا، وإنشاء طريق تجاري استراتيجي يربط الأسواق الإقليمية. السياحة وكأس الأمم الأفريقية 2027: مع اقتراب موعد بطولة كأس الأمم الأفريقية (أفكون 2027)، من المتوقع أن تستفيد السياحة بشكل كبير.

روسيا سوق سياحي مهم لتنزانيا

قد تصبح روسيا سوقًا سياحيًا مهمًا لتنزانيا. فالمسافرون الروس غالبًا ما يقيمون لفترات أطول، ويُبدون اهتمامًا كبيرًا بالسياحة الطبيعية، ويتجهون بشكل متزايد نحو الوجهات الشاطئية، كما أنهم أكثر اهتمامًا باستكشاف تجارب السفر الأفريقية.

يمكن أن يؤدي الربط الجوي المباشر إلى زيادة كبيرة في عدد السياح الوافدين إلى زنجبار، وسيرينجيتي، ونجورونجورو، وكليمنجارو، وغيرها من الوجهات.

لا تزال السياحة تُشكّل مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية في تنزانيا. ومن شأن زيادة عدد الزوار من روسيا أن تُساهم في تنويع السوق السياحي ليشمل مناطق أخرى غير السياح الأوروبيين والأمريكيين الشماليين المعتادين، مما يُعزز القدرة على مواجهة الاضطرابات العالمية.

العلوم والتكنولوجيا وتنمية رأس المال البشري: قد تُسفر الاتفاقيات المُخطط لها في مجالات التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا عن فوائد طويلة الأجل، وإن كانت أقل وضوحًا على المدى القريب، إلا أنها قد تُحدث تحولًا جذريًا. تمتلك روسيا خبرة واسعة في الهندسة والرياضيات والطب والفضاء والعلوم النووية والتقنيات الصناعية.

بإمكان تنزانيا تعزيز رأس مالها البشري من خلال المنح الدراسية، والتعاون البحثي، والتدريب التقني، والشراكات الأكاديمية. ويتطلب تحقيق التصنيع المستدام استثماراً كبيراً في المهارات التقنية والقدرات العلمية، إذ لم ينجح أي بلد دون هذا التركيز.

إن تنمية رأس المال البشري تُحقق عادةً فوائد اقتصادية طويلة الأجل أعلى من مجرد بناء البنية التحتية المادية. تنبيه استراتيجي: التنفيذ هو الأساس. على الرغم من الفرص الكبيرة المتاحة، ينبغي لتنزانيا أن تُقيم هذه العلاقة بنهج استراتيجي.

لا ينبغي أن يقتصر الهدف على زيادة إجمالي عدد الاتفاقيات الموقعة فحسب، بل يجب أن يهدف إلى تأمين استثمارات مجدية، وتيسير نقل التكنولوجيا، وتعزيز فرص المحتوى المحلي، ودعم تنمية المهارات، وزيادة القيمة المضافة. وقد أبرمت العديد من الدول النامية اتفاقيات ثنائية عديدة، إلا أن هذه الاتفاقيات لم تُسفر إلا عن تغيير اقتصادي محدود.

يعتمد تحقيق النجاح على التنفيذ الفعال، وتنسيق المؤسسات، والإعداد الدقيق للمشاريع، والمتابعة المستمرة للاستثمارات. كما يتعين على تنزانيا ضمان تركيز جهود التعاون بشكل أساسي على الأهداف الاقتصادية، وتوافقها مع أولويات التنمية في البلاد.

تتجاوز الزيارة التاريخية للرئيسة سامية إلى روسيا مجرد الدبلوماسية الرمزية، فهي تُجسّد التزام تنزانيا بتعزيز العلاقات الاقتصادية وترسيخ مكانتها كوجهة رئيسية للاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والتعاون الصناعي. وتتركز أفضل الفرص في قطاعات الطاقة والتعدين والزراعة والبنية التحتية والسياحة والتعليم والتكنولوجيا.

إذا تم تنفيذ الاتفاقيات والشراكات الناتجة عن الزيارة بنجاح، فإنها قد تعزز جهود التصنيع في تنزانيا، وتعزز أمن الطاقة، وتخلق فرص عمل، وتزيد الإنتاجية، وتوسع فرص التصدير.

في نهاية المطاف، سيُقاس نجاح الزيارة بمدى ما إذا كان التنزانيون سيشهدون بناء مصانع جديدة، وزيادة في الاستثمارات، وتدفق المزيد من السياح، ونموًا اقتصاديًا أقوى في المستقبل. وبإدارة فعّالة، يُمكن لهذه الشراكة أن تُصبح عنصرًا أساسيًا ومُغيّرًا لقواعد اللعبة في خطة التنمية الاقتصادية لتنزانيا، وأن تلعب دورًا حيويًا في تحقيق هدفها المتمثل في الوصول إلى مصاف الدول الصناعية ذات الدخل المتوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى