التحليلات والتقاريرسلايدر

د. محمد عز الدين في حواره مع “زوم أفريكا”: مستقبل العالم يُصنع في إفريقيا.. ومصر والسودان يملكان أوراقًا استراتيجية للضغط على إثيوبيا

القارة الإفريقية تشهد تنافسًا واسعًا بين قوى دولية وإقليمية

– الدول الإفريقية استفاقت وتتخلص من الاستعمار تدريجيًا

– فرنسا خرجت من عدة دول إفريقية والنفوذ الأمريكي يتقلص

– القارة الإفريقية تشهد تنافسًا واسعًا بين قوى دولية وإقليمية

– تركيا عززت من نفوذها بالمشاريع التنموية داخل القارة الإفريقية

– الأزمات الحدودية أهم تحديات الأمن القومي المصري خاصة ما يحدث في ليبيا والسودان

– المفاوضات التقليدية مع إثيوبيا بشأن السد أصبحت لا تجدي نفعًا

– الحفاظ على حقوق مصر المائية يرتبط بتعزيز التعاون مع دول حوض النيل

حوار: محمد عمران

في وقت تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية، وتتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ داخل القارة، إذ تفرض إفريقيا نفسها لاعبًا رئيسيًا في معادلات السياسة والاقتصاد والأمن العالمي، وبين تحديات الإرهاب، وأزمات المياه، والصراعات الإقليمية، والفرص الاستثمارية الواعدة، تتزايد التساؤلات حول مستقبل القارة، ومكانة مصر داخل محيطها الإفريقي، وكيفية استعادة دورها التاريخي وتعزيز نفوذها خلال المرحلة المقبلة.

د. محمد عز الدين في حواره لـ”زوم أفريكا”: مستقبل العالم يُصنع في إفريقيا.. ومصر والسودان يملكان أوراقًا استراتيجية للضغط على إثيوبيا

 

وفي حوار خاص مع “زوم أفريكا نيوز”، يكشف الدكتور محمد عز الدين، رئيس مؤسسة النيل للدراسات الإفريقية والاستراتيجية، رؤيته للمشهد الإفريقي في ظل المتغيرات الدولية، ويتحدث عن أسباب احتدام الصراع على القارة، ومستقبل أزمة السد الإثيوبي، وانعكاسات الأوضاع في السودان وليبيا ومنطقة الساحل على الأمن القومي المصري، كما يطرح خريطة طريق لتعزيز الحضور المصري في إفريقيا، مؤكدًا أن الأمن المائي، والتكامل الاقتصادي، والقوة الناعمة تمثل الركائز الأساسية لبناء شراكة مصرية إفريقية أكثر تأثيرًا واستدامة.

إلى نص الحوار

في البداية.. كيف تقرأ المشهد الإفريقي في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة؟

المشهد الإفريقي اليوم تغير بصورة كبيرة، ولم تعد القارة مجرد ساحة تتحكم فيها القوى الكبرى كما كان يحدث في الماضي، ولم تعد إفريقيا لعبة في يد القوى العظمى، بل أصبح هناك انفجار حقيقي في الوعي داخل العديد من الدول الإفريقية، ورغبة متزايدة في التخلص من إرث الاستعمار القديم والوصاية السياسية والاقتصادية التي استمرت لعقود.

هذا المشهد الجديد يعكس تمردًا إفريقيًا على الوصاية التقليدية، سواء كانت وصاية استعمارية مباشرة أو غير مباشرة، فما زالت بعض الدول تعاني من تأثير المستعمر القديم، لكننا نشهد في المقابل سعيًا حقيقيًا للتخلص من هذه الهيمنة وبناء علاقات أكثر توازنًا مع القوى الدولية.

وفي الوقت نفسه أصبحت الدول الإفريقية أكثر حذرًا في التعامل مع القوى الجديدة، سواء الشرقية أو الغربية، فهي تتحسس خطواتها وتسعى إلى تحقيق مصالحها دون الوقوع في تبعية جديدة، ومع ذلك، لا تزال القارة بحاجة إلى مزيد من التنسيق، إذ لم تصل بعد إلى مرحلة اتخاذ قرار إفريقي موحد في القضايا الكبرى، رغم وجود مؤشرات إيجابية، خاصة في غرب إفريقيا، حيث بدأت عدة دول تتخذ مواقف جماعية في بعض الملفات.

كما أن ما شهدته بعض دول غرب إفريقيا من انقلابات، وما أعقبها من إنهاء أو تقليص الوجود الفرنسي، لم يكن حدثًا منفصلًا، بل أصبح نموذجًا انتقلت آثاره إلى دول أخرى، وهو ما يؤكد أن المشهد الإفريقي يشهد تغيرات متسارعة ستؤثر في مستقبل القارة خلال السنوات المقبلة.

لماذا أصبحت إفريقيا محورًا للتنافس بين القوى الكبرى؟ ومن اللاعب الأكثر نفوذًا داخل القارة اليوم؟

لا يمكن القول إن هناك دولة واحدة أصبحت اللاعب الأكثر نفوذًا داخل إفريقيا، لأن القارة تشهد تنافسًا واسعًا بين قوى دولية وإقليمية عديدة، ولكل طرف أدواته وأهدافه، لكن قبل الحديث عن اللاعبين، يجب أن نسأل أولًا: لماذا هذا التنافس الكبير على إفريقيا؟ الإجابة ببساطة أن إفريقيا تمثل الخزان الأخير للموارد الطبيعية في العالم، فهي تضم احتياطيات ضخمة من المعادن والطاقة والأراضي الزراعية، ولم تعد فقط سلة غذاء للعالم، بل أيضًا المصدر الرئيسي للمواد الخام التي تعتمد عليها الصناعات العالمية، لذلك تسعى كل قوة دولية إلى توسيع نفوذها داخل القارة وتأمين مصالحها فيها، الصين، على سبيل المثال، دخلت إلى إفريقيا من بوابة التنمية، واستثمرت بقوة في مشروعات البنية التحتية والطرق والموانئ والسكك الحديدية، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، وهو ما منحها حضورًا واسعًا داخل القارة، أما روسيا، فقد ركزت بصورة أكبر على التعاون الأمني والعسكري، سواء من خلال التدريب أو تقديم الدعم الأمني أو التعاون العسكري، وهو ما منحها نفوذًا في عدد من الدول الإفريقية، إلى جانب حصولها على امتيازات تتعلق بالموارد الطبيعية، في المقابل، تراجع النفوذ الغربي، لأن كثيرًا من الدول الغربية أصرت على التعامل مع إفريقيا بعقلية المستعمر القديم، واستمرت في فرض الشروط وربط المساعدات باعتبارات سياسية، دون تقديم نموذج تنموي حقيقي يخدم الشعوب الإفريقية.

ولذلك شهدنا خروج فرنسا من عدة دول، كما تقلص النفوذ الأمريكي أيضًا، لأن طريقة التعامل مع القارة لم تتغير بالشكل الذي كانت تنتظره الدول الإفريقية، وفي الوقت ذاته برزت قوى إقليمية أخرى، مثل تركيا، التي دخلت عبر مشروعات تنموية واستثمارية، خاصة في الصومال وعدد من الدول الإفريقية، كما عززت بعض الدول العربية وجودها من خلال الاستثمار والزراعة ومشروعات التنمية، لهذا أرى أن التنافس على إفريقيا لن يتوقف، بل سيزداد خلال السنوات المقبلة، لأن القارة أصبحت تمثل مستقبل الموارد العالمية، ومن ينجح في بناء شراكات حقيقية معها سيكون أكثر قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.

هل استعادت مصر مكانتها الطبيعية داخل إفريقيا؟ وما أبرز الملفات التي يجب أن تمنحها أولوية خلال المرحلة المقبلة؟

اعتقد أن مصر استعادت جزءًا كبيرًا من مكانتها ونفوذها داخل إفريقيا، خاصة خلال الفترة من عام 2014 وحتى عام 2020، والتي يمكن اعتبارها من أفضل مراحل الحضور المصري في القارة، سواء على المستوى السياسي أو الدبلوماسي أو في إطار العلاقات الثنائية مع العديد من الدول الإفريقية، لكن الحفاظ على هذا النفوذ لا يتحقق بمجرد وجود علاقات رسمية أو مشاركات في القمم الإفريقية، وإنما يحتاج إلى حضور دائم وممارسة مستمرة للعلاقة مع الدول الإفريقية.

فالعلاقات الدولية لا تُبنى بالمناسبات، وإنما بالوجود المتواصل والتعاون المستمر في مختلف المجالات، ورغم أن مصر حاضرة بقوة في الملفات السياسية والرسمية الكبرى داخل القارة، فإنها ما زالت بحاجة إلى تعزيز وجودها في الملفات الإنسانية والتنموية، لأن هذه الملفات هي الأقرب إلى المواطن الإفريقي، وهي التي تترك أثرًا حقيقيًا على الأرض، ومن وجهة نظري، يجب أن تكون الأولوية خلال المرحلة المقبلة للتوسع الاقتصادي والاستثماري داخل إفريقيا، لأن العالم اليوم تحكمه المصالح المشتركة، ومصر تمتلك خبرات كبيرة يمكن أن تقدمها للدول الإفريقية، إلا أنها ما زالت تتحرك بحذر شديد، وهو ما يقلل من حجم الاستفادة المتبادلة.

أرى ضرورة تشجيع القطاعين العام والخاص على التوسع داخل القارة، وزيادة حجم الاستثمارات المصرية، وتعزيز وجود الشركات المصرية في الأسواق الإفريقية، إلى جانب تنفيذ مشروعات للبنية التحتية، ونقل الخبرات، وتوفير المنتجات المصرية، بحيث يشعر المواطن الإفريقي بالحضور المصري في حياته اليومية، كما يجب أن تتوسع مصر في برامج تدريب وتأهيل الكوادر والشباب داخل الدول الإفريقية، من خلال إرسال الخبراء وتنفيذ المبادرات في أماكن وجودهم، بدلًا من الاقتصار على استضافة المتدربين داخل مصر فقط، وأرى أيضًا أن التحرك المصري يجب أن يكون أكثر تركيزًا، بحيث يتم اختيار عدد محدد من الدول في شرق إفريقيا ووسطها وغربها لبناء نماذج ناجحة للتعاون، ثم التوسع تدريجيًا، لأن النفوذ لا يبقى دائمًا إلا إذا كان مدعومًا بحضور مستمر وعلاقات متجددة.

ما أخطر التحديات التي تهدد الأمن القومي المصري من الجبهة الإفريقية؟

التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري من الجبهة الإفريقية عديدة ومتداخلة، لكن في مقدمتها تأتي الأزمات الحدودية، خاصة ما يحدث في ليبيا والسودان، باعتبارهما يمثلان العمق الإستراتيجي المباشر لمصر.

كما يشكل تمدد التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا تهديدًا كبيرًا، خاصة مع إمكانية انتقال هذه الجماعات من الغرب إلى الشمال أو الشرق، فضلًا عن استمرار نشاط بعض التنظيمات الإرهابية في منطقة القرن الإفريقي، وعلى رأسها الصومال، ويضاف إلى ذلك ما يشهده البحر الأحمر من تصاعد في التنافس الدولي والصراع على النفوذ، إلى جانب التهديدات الأمنية التي أصبحت تمتد إلى السواحل الشرقية لإفريقيا، وهو ما يجعل أمن البحر الأحمر جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

ومن التحديات المهمة أيضًا التدخلات الخارجية في ملفات حوض النيل، ومحاولات بعض القوى الدولية توظيف عدد من الدول الإفريقية في ملفات المياه، بما يخلق ضغوطًا مستمرة على مصر ويؤثر في مصالحها الإستراتيجية، ولا يمكن إغفال تداعيات الأزمات الممتدة في السودان وجنوب السودان، وما تفرضه من تحديات مرتبطة باللاجئين والاستقرار الإقليمي، وهي ملفات تمثل ضغوطًا مباشرة على الدولة المصرية، ورغم خطورة هذه التحديات، فإنني أؤمن بأن مصر تمتلك القدرة على تحويلها إلى فرص، إذا جرى التعامل معها من خلال رؤية إستراتيجية شاملة تقوم على تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية، وبناء شراكات حقيقية تحقق الأمن والاستقرار والتنمية لجميع الأطراف.

إلى أين تتجه أزمة السد الإثيوبي.. وهل لا تزال فرص التوصل إلى تسوية قائمة؟

في تقديري، فإن فرص التوصل إلى تسوية بالآليات التقليدية أصبحت محدودة للغاية، لأن إثيوبيا انتهجت منذ سنوات سياسة فرض الأمر الواقع، ونجحت في تحقيق ما أرادته عبر هذا النهج، وهو ما شجعها على الاستمرار فيه.

ولذلك لا أعتقد أن أسلوب التفاوض الذي اتُّبع خلال السنوات الماضية يمكن أن يؤدي إلى نتائج مختلفة، لكن هذا لا يعني أن جميع الفرص انتهت، فما زالت هناك أدوات عديدة يمكن لمصر أن تستخدمها لإعادة التوازن إلى هذا الملف.

فالفرصة الحقيقية تكمن في امتلاك أوراق قوة سياسية واقتصادية وتنموية، إلى جانب توظيف أدوات التعاون الدولي بصورة أكثر فاعلية، بما يدفع إثيوبيا إلى الدخول في مفاوضات جادة تقوم على احترام حقوق جميع الأطراف، كما أن دولتي المصب، مصر والسودان، تمتلكان العديد من أوراق الضغط التي لم يتم استغلالها بالشكل الكافي حتى الآن، وإذا جرى استخدامها بصورة مدروسة، فمن الممكن أن تسهم في تغيير مسار المفاوضات وتحقيق نتائج أفضل، ومن المهم أيضًا تعزيز التعاون مع دول حوض النيل، والعمل على بناء شراكات تحقق المصالح المشتركة، بما يضمن احترام الحقوق التاريخية لدولتي المصب، ويحول دون استمرار سياسة فرض الأمر الواقع، وأرى أن المرحلة المقبلة تتطلب البحث عن آليات جديدة وأكثر تأثيرًا لإدارة هذا الملف، دون اللجوء إلى الخيارات العسكرية، فهناك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية يمكن أن تحقق نتائج أفضل إذا أحسنت مصر استخدامها ضمن رؤية متكاملة لإدارة ملف المياه.

كيف تنعكس التطورات في السودان وليبيا ومنطقة الساحل والقرن الإفريقي على الأمن القومي المصري واستقرار المنطقة؟

ما تشهده السودان وليبيا ومنطقة الساحل والقرن الإفريقي ليس مجرد أزمات منفصلة، وإنما يمثل في مجمله حزامًا من التحديات يحيط بمصر ويؤثر بصورة مباشرة على أمنها القومي، ومن وجهة نظري، فإن هذه التطورات ليست وليدة الصدفة، بل تعكس حالة من عدم الاستقرار الإقليمي تفرض ضغوطًا متزايدة على مصر من مختلف الاتجاهات، سواء من خلال تدفقات اللاجئين، أو الهجرة غير الشرعية، أو الإرهاب، أو الجريمة المنظمة، أو التهديدات الأمنية الممتدة عبر الحدود، وبالتالي، فإن استمرار الأوضاع الحالية في هذه المناطق يعني زيادة الضغوط على الدولة المصرية، لأن استقرار الدول المحيطة يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري.

ورغم هذه التحديات، نجحت مصر في إدارة عدد من الملفات الإقليمية بحكمة، خاصة فيما يتعلق بالأزمة السودانية والملف الليبي، وهو ما ساعد على الحد من تداعياتهما بصورة كبيرة، لكن المرحلة المقبلة تتطلب دورًا مصريًا أكثر فاعلية، لأن الاكتفاء بمتابعة التطورات لم يعد كافيًا، بل يجب أن يكون لمصر حضور مؤثر في دعم استقرار السودان وليبيا، والمساهمة في تعزيز القوى الوطنية القادرة على الحفاظ على مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار، وأرى أن استقرار هاتين الدولتين يمثل مصلحة مصرية مباشرة، بل إنه من أهم أولويات الأمن القومي المصري، لأن وجود دولتين مستقرّتين على الحدود الغربية والجنوبية سيحد من كثير من التهديدات التي تواجه مصر، ويعزز استقرار المنطقة بأكملها.

لماذا تمتلك إفريقيا كل هذه الثروات الطبيعية، بينما لا تزال تعاني العديد من دولها أزمات اقتصادية وصراعات داخلية؟

تمتلك إفريقيا ثروات طبيعية هائلة، لكن للأسف الشديد فإن كثيرًا من دول القارة عانت لعقود طويلة من سوء الإدارة ووجود نخب فاسدة أدارت الملفات الاقتصادية والأمنية بطريقة أضرت بمصالح شعوبها، وأبرمت اتفاقيات طويلة الأجل مع شركات عابرة للقارات، استفادت من الموارد الإفريقية دون أن تحقق تنمية حقيقية للدول أو للمواطنين، هذه العقود، التي أُبرمت في كثير من الأحيان بشروط غير عادلة، ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم، وأصبحت سببًا رئيسيًا في الأزمات الاقتصادية التي تعانيها العديد من الدول الإفريقية.

وكلما حاولت دولة التخلص من هذه المنظومة، سواء بالتخلص من النخب الفاسدة أو مراجعة الاتفاقيات القديمة، واجهت ضغوطًا خارجية ومحاولات لزعزعة الأمن والاستقرار وإثارة الاضطرابات الداخلية، حتى يبقى الوضع كما هو، ولهذا نجد أن كثيرًا من الدول الإفريقية لا تستطيع الاستفادة الكاملة من ثرواتها، رغم أنها تمتلك إمكانات هائلة يمكن أن تجعلها من أكثر مناطق العالم نموًا.

ومن وجهة نظري، فإن الطريق الحقيقي للاستفادة من مقدرات إفريقيا يبدأ بالتخلص من الوصاية القديمة، ومراجعة العقود غير العادلة، وبناء أنظمة حكم رشيدة تعتمد على الشفافية، إلى جانب إطلاق صحوة شعبية وشبابية تجعل المواطن الإفريقي أكثر إدراكًا لقيمة موارده، بحيث تقوم العلاقات مع العالم على مبدأ المصالح المتبادلة وتحقيق المنفعة للجميع، وليس على استنزاف الموارد لصالح النخب أو الشركات الأجنبية.

كيف تقيّم أداء الاتحاد الإفريقي في إدارة أزمات القارة؟ وما الإصلاحات التي يحتاجها ليصبح أكثر تأثيرًا؟

بصراحة، أرى أن أداء الاتحاد الإفريقي ما زال أداءً روتينيًا، ولم ينجح حتى الآن في أن يكون لاعبًا مؤثرًا في إدارة الأزمات الكبرى التي شهدتها القارة. فمعظم قراراته تظل في إطار التوصيات، ولا تمتلك صفة الإلزام بالنسبة للدول الأعضاء، وهو ما يقلل كثيرًا من فاعلية دوره، ولذلك فإن الاتحاد، حتى الآن، لم يتمكن من فرض حلول حقيقية لعدد كبير من النزاعات والأزمات، لأن توصياته تبقى في كثير من الأحيان حبرًا على ورق، ولا يتم تنفيذها على أرض الواقع، ويرجع ذلك إلى طبيعة ميثاق الاتحاد الإفريقي، الذي يجعل قراراته غير ملزمة للدول، باعتبار أن إلزام أي دولة قد يُفسر باعتباره تدخلًا في شؤونها الداخلية.

ومن وجهة نظري، فإن هذا المبدأ يحتاج إلى مراجعة، بحيث تصبح القرارات الصادرة بإجماع الدول الأعضاء ملزمة للجميع، على غرار ما يحدث في بعض المنظمات الدولية، كما أن الاتحاد الإفريقي لن يتمكن من أداء دوره بصورة كاملة طالما ظل متأثرًا بنفوذ الدول المانحة، سواء كانت من داخل القارة أو من خارجها، لأن التمويل يؤثر في كثير من الأحيان على آليات اتخاذ القرار، ولهذا أرى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تعزيز التمويل الذاتي للاتحاد، بحيث تعتمد الدول الإفريقية على إمكاناتها في تمويل مؤسساتها، وهو ما يمنح الاتحاد استقلالية أكبر، ويجعله أكثر قدرة على إدارة الأزمات الإفريقية بعيدًا عن أي ضغوط خارجية، وبما يحقق مصالح شعوب القارة أولًا.

ما فرص مصر لتعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري داخل إفريقيا؟ وكيف يمكن استثمارها بالشكل الأمثل؟

أرى أن الفرص المتاحة أمام مصر لتعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري داخل إفريقيا كبيرة جدًا، فالموقع الجغرافي لمصر يؤهلها لأن تكون بوابة رئيسية للتجارة والاستثمار داخل القارة، كما أن الخبرات التي اكتسبتها خلال السنوات الأخيرة في مجالات عديدة تمنحها فرصة حقيقية للعب دور اقتصادي مؤثر، لكن في المقابل، ما زال رأس المال المصري يتحرك بحذر داخل الأسواق الإفريقية، وهو ما يقلل من حجم الاستفادة من الفرص المتاحة.

لذلك نحن بحاجة إلى تحفيز رجال الأعمال والقطاع الخاص المصري على التوسع داخل القارة، باعتبار أن إفريقيا ليست عبئًا، وإنما تمثل سوقًا واعدة وفرصة استثمارية ضخمة، ومن الضروري أن تتوسع الشركات المصرية في مجالات الزراعة والدواء والبنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية، لأن هذه القطاعات تشهد طلبًا متزايدًا داخل العديد من الدول الإفريقية، كما أنها مجالات تمتلك فيها مصر خبرات كبيرة، وأقصد هنا بالمساهمة أن تكون استثمارات وشراكات اقتصادية تحقق المنفعة للطرفين، وليس مجرد منح أو مساعدات، لأن التعاون الاقتصادي هو الضامن الحقيقي لاستمرار العلاقات بين الدول.

كما أن مصر حققت نجاحات كبيرة في تطوير البنية التحتية والطرق والكباري والموانئ والسكك الحديدية، وهذه الخبرات يمكن نقلها إلى الدول الإفريقية من خلال مشروعات مشتركة تحقق عائدًا اقتصاديًا لجميع الأطراف، وفي الوقت نفسه، فإن نجاح هذه الرؤية يتطلب تحسين الخدمات البنكية والمالية بين مصر والدول الإفريقية، وتسهيل عمليات التحويلات البنكية، إلى جانب تطوير الخدمات اللوجستية، لأن الاستثمار لا يمكن أن ينمو دون وجود منظومة مالية ومصرفية قادرة على دعمه، وأعتقد أن موقع مصر الجغرافي، وخبراتها المتراكمة، يمنحانها فرصة حقيقية لبناء شبكة اقتصادية قوية داخل إفريقيا إذا جرى التحرك بصورة أسرع وأكثر فاعلية خلال المرحلة المقبلة.

كيف يمكن مواجهة تمدد الإرهاب والجريمة المنظمة والانقلابات العسكرية في عدد من الدول الإفريقية؟

مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة لا يمكن أن تتم بجهود دولة واحدة، وإنما تحتاج إلى تعاون إفريقي شامل يقوم على التنسيق الأمني والعسكري بين الدول، لأن هذه التهديدات أصبحت عابرة للحدود وتؤثر في أمن القارة بأكملها، ومن وجهة نظري، فإن البداية يجب أن تكون من دعم بناء الجيوش الوطنية في الدول الإفريقية، وتعزيز قدراتها، إلى جانب توسيع التعاون بين القوات المسلحة وأجهزة الشرطة والأجهزة الأمنية المختلفة، بما يسمح بتبادل المعلومات والخبرات والتعامل السريع مع التهديدات.

كما أرى أهمية إنشاء قوة إفريقية للتدخل السريع تكون مهمتها الأساسية مكافحة الإرهاب، ويمكن أن تعمل تحت مظلة الاتحاد الإفريقي، أو من خلال تجمعات إقليمية في شرق وغرب ووسط وجنوب القارة، بحيث تمتلك كل منطقة آلية سريعة للتعامل مع أي تهديد إرهابي قبل توسعه، أما فيما يتعلق بالانقلابات العسكرية، فلا يمكن النظر إليها من زاوية واحدة، لأن لكل حالة ظروفها الخاصة، فبعضها جاء نتيجة رفض النخب القديمة أو التخلص من آثار الاستعمار، بينما ارتبط بعضها الآخر بتدخلات خارجية أو بصراعات داخلية، ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الحلول الأمنية، بل تتطلب أيضًا الاستثمار في التعليم، والتنمية، ورفع وعي الشباب، وتعزيز الثقافة الوطنية، حتى تصبح الشعوب أكثر قدرة على حماية مؤسساتها، والتمييز بين ما يخدم مصالحها وما يضر باستقرارها.

وفي النهاية، أؤمن بأن التعاون الأمني الحقيقي بين الدول الإفريقية، إلى جانب بناء مؤسسات وطنية قوية، يمثل الضمان الأكبر لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والحفاظ على استقرار القارة.

 

كيف ترى مستقبل العلاقات المصرية الإفريقية خلال السنوات العشر المقبلة؟ وما أبرز الفرص والتحديات؟

اعتقد أن السنوات العشر المقبلة تحمل فرصًا كبيرة أمام مصر لتعزيز حضورها داخل إفريقيا، لكن تحقيق هذه الفرص يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير والتخطيط، فنحن كثيرًا ما نتعامل مع إفريقيا باعتبارها كتلة واحدة، بينما الواقع يفرض النظر إلى كل إقليم وفق خصوصيته واحتياجاته، ومن وجهة نظري، يجب تقسيم التحرك المصري داخل القارة إلى أقاليم جغرافية واضحة؛ شرق إفريقيا، وغربها، ووسطها، وجنوبها، وشمالها، بحيث يتم تحديد أولويات العمل في كل منطقة، بدلًا من توزيع الجهود على القارة بأكملها في وقت واحد، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تشتت الموارد وعدم تحقيق نتائج ملموسة، وأرى أن الأولوية خلال السنوات المقبلة ينبغي أن تتركز على شرق إفريقيا ودول حوض النيل، إلى جانب شمال إفريقيا، مع إمكانية التوسع تدريجيًا في بعض دول جنوب الصحراء، قبل الانتقال إلى بقية الأقاليم.

فالنجاح في عدد محدود من الدول سيكون أفضل بكثير من الانتشار الواسع دون تأثير حقيقي، كما أن مصر تمتلك تجارب ناجحة يمكن البناء عليها، خاصة في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والطرق، والموانئ، والزراعة، وهي قطاعات تحتاج إليها العديد من الدول الإفريقية.

ولذلك ينبغي نقل هذه الخبرات عبر مشروعات تعاون واستثمار حقيقية، يشعر المواطن الإفريقي بنتائجها بصورة مباشرة، وأؤكد أن تحقيق هذا الهدف لا يعتمد على الأمنيات، وإنما على سرعة التنفيذ وحسن استغلال الفرص.

فالتحرك السريع والمدروس هو الذي يصنع النفوذ الحقيقي، ويحول النجاحات المحلية التي حققتها مصر إلى أدوات لتعزيز حضورها داخل القارة، وأتمنى أن تكون السنوات العشر المقبلة سنوات استثمار حقيقي وجني ثمار للعلاقات المصرية الإفريقية، من خلال مشروعات تنموية واقتصادية تحقق المنفعة المتبادلة، وتؤسس لشراكة طويلة الأمد بين مصر وأشقائها في إفريقيا.

أخيرًا.. إذا طلب منك وضع خريطة طريق لمستقبل الدور المصري في إفريقيا، فما أهم الأولويات التي يجب العمل عليها؟

ملف الأمن المائي في مقدمة الأولويات، لأن الحفاظ على حقوق مصر المائية يرتبط بشكل مباشر بتعزيز التعاون مع دول حوض النيل، وبناء شراكات قوية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بما يضمن الحفاظ على حقوق جميع الأطراف.

ويأتي بعد ذلك ملف التعاون الاقتصادي والاستثماري، من خلال بناء اقتصاديات مشتركة بين مصر والدول الإفريقية، والتركيز على القطاعات التي تمتلك فيها مصر خبرات كبيرة، مثل البنية التحتية، والصحة، والدواء، والزراعة، والطاقة، بما يحقق التنمية ويخلق مصالح متبادلة تعزز استقرار العلاقات.

أما المحور الثالث، فهو تعزيز القوة الناعمة المصرية، لأنها تمثل الضامن الحقيقي لاستدامة الحضور المصري داخل القارة، ويشمل ذلك التوسع في مجالات التعليم، والثقافة، والصحة، والدبلوماسية الشعبية، والتواصل بين الشعوب، لأن بناء الثقة بين الشعوب لا يقل أهمية عن الاتفاقيات السياسية أو الاقتصادية.

وأرى أن هذه المحاور الثلاثة مترابطة؛ فالأمن المائي يحتاج إلى تعاون سياسي واقتصادي، والتعاون الاقتصادي يحتاج إلى قبول شعبي وثقة متبادلة، وهذه الثقة لا تتحقق إلا من خلال القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية، ولذلك فإنني أعتبر أن الأمن المائي، والتكامل الاقتصادي، وتعزيز القوة الناعمة هي الركائز الأساسية التي ينبغي أن تقوم عليها الإستراتيجية المصرية في إفريقيا خلال المرحلة المقبلة، إذا كانت مصر تسعى إلى بناء نفوذ مستدام وشراكة حقيقية مع دول القارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى