حاتم الروبي يكتب: التعاون العربي الإفريقي.. شراكة الشعوب ورهان الشباب على مستقبل واحد
حين نتحدث عن التعاون العربي الإفريقي فإننا لا نتحدث عن علاقة دبلوماسية عابرة أو عن خطاب مناسبات. نحن نتحدث عن امتداد جغرافي واحد، وعن تاريخ متداخل، وعن مستقبل لا يمكن لأي من المنطقتين أن يبنيه بمفرده. التحديات المشتركة في الأمن الغذائي، والمناخ، والطاقة، والهجرة، والشباب، تفرض منطقاً واحداً وهو الحوار أولاً، ثم الثقة، ثم العمل المشترك.
من هذا المنطلق كان اهتمام مؤسسة سفراء العمل التطوعي للتنمية المستدامة بتعزيز أواصر التعاون بين الشباب العربي الإفريقي، وتنظيم المخيم العربي الإفريقي الأول لتجاوز الشعارات وتحويل قيم التعاون إلى تجربة عملية ركز هذا المخيم على صناعة السينما وكتابة السيناريو.
وتدريب الشباب على أدوات السرد البصري في محمية وادي الريان بمحافظة الفيوم المصرية لأن السينما لغة تتجاوز الحدود وتنقل ثقافات الدول عبر الحدود وقد خرج المشاركون بأفكار لأفلام قصيرة تعكس قضايا الهوية، والمرأة، والبيئة، والهجرة، في محاولة لرواية القارة والمنطقة من منظور أبنائها لا من عدسة الآخر.
ثم جاء تنظيم المخيم الثاني في إطار المبادرة الرئاسية المصرية “اتحضر للأخضر”، وربط الشباب مباشرة بقضايا المناخ والتشجير والاقتصاد الدائري ولم تكن محاضرات نظرية، بل ورش عمل ميدانية وابتكار حلول محلية قابلة للتطبيق في قرى ومدن المشاركين بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي والبيئة وبرنامج الأمم المتحدة للمتطوعين، والنتيجة لم تكن شهادات تقديرية فقط، بل شبكة علاقات، وشراكات صغيرة بدأت تتشكل بين شباب الدول المشاركة ومنها تشاد وجيبوتي والصومال وفلسطين والعراق والأردن ومصر وليبيا والسودان هذه هي بداية السلام الحقيقي أن يتعارف الناس، ثم يثقوا، ثم يعملوا معاً.
هذا الحراك الشبابي لا ينمو في فراغ. هو يرتكز على رؤى كبرى تمنحنا إطاراً وزخماً ومنها أجندة أفريقيا 2063 التي تضع هدف أفريقيا الموحدة والمزدهرة والسلمية في قلب أولوياتها، وتؤكد على دور الشباب والمرأة كمحرك للتحول وأيضا المبادرة العربية 2045 التي تهد لتجديد العمل العربي المشترك، والانتقال من التنسيق إلى التكامل في الاقتصاد والثقافة والتنمية البشرية.
ومثل هذه الجهود تأتي على ضوء الاتفاقات العربية الأفريقية القائمة، من القمم الدورية إلى آليات التمويل، لتوفر أرضية مؤسسية قوية وتكاتف الجميع من أجل تفعيلها على الأرض عبر مشاريع ملموسة.
وقد شهدت السنوات الأخيرة زخماً عملياً في الشراكة العربية الأفريقية يستحق التوقف عنده أود الاشارة اليها في شكل محطات هامة ومنها
التزم الصندوق السعودي للتنمية بتقديم أكثر من 41 مليار دولار لأفريقيا، تشمل 10 مليارات دولار لتمويل الصادرات و5 مليارات دولار تمويلاً إنمائياً مباشراً. ووقّع الصندوق 14 اتفاقية تنموية في دول أفريقية بقيمة تتجاوز ملياري ريال، تركز على البنية التحتية، والطاقة، والزراعة.
كما وقّعت مجموعة البنك الإسلامي للتنمية مذكرة تفاهم في القاهرة لتعزيز تدفقات التجارة والاستثمار بين الدول العربية والأفريقية، عبر تبادل المعلومات، وتقاسم المخاطر، وبناء القدرات.
وفي الجزائر، أعلن وزير المالية عن التزام بلاده بتخصيص مليار دولار لتمويل مشاريع تنموية في أفريقيا، إلى جانب مشاريع كبرى مثل الطريق العابر للصحراء، وأنبوب الغاز نيجيريا–الجزائر، وشبكة السك الحديدية الممتدة نحو دول الجوار.
كما تم إطلاق برنامج جسور التجارة العربية الافريقية برنامجاً للأمن الغذائي بقيمة 1.5 مليار دولار لتعزيز الإنتاج الزراعي وتحسين سبل العيش عبر المنطقة العربية والأفريقية. كما تم الاتفاق على دعم برنامج الحدائق الزراعية الصناعية الأفريقية المشتركة بهدف رفع الإنتاجية وتوطين التكنولوجيا الزراعية.
وعلى الصعيد البيئي والمناخي كان COP27 الذي استضافته مدينة السلام شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية محطة فاصلة أظهرت شراكات جديدة لتوسيع حلول إدارة النفايات والمياه، وخفض الانبعاثات بأكثر من 400 ألف طن CO2.
وفي COP28 الذي استضافته دولة الإمارات العربية المتحدة تم الدفع نحو “انتقال طاقة عادل وشامل” لإفريقيا، يربط أهداف المناخ بأجندة التصنيع الأخضر وتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية.
وعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي تعهدت المؤسسة الأفريقية لإعادة التأمين بتخصيص 2% من صافي أرباحها لدعم مبادرات تنموية في القارة، بما فيها تمويل مخاطر الكوارث وأنشأ صندوق التضامن الأفريقي خطوط ائتمان بقيمة 560 مليون دولار لدعم الإسكان وتمكين المرأة والشباب في غرب أفريقيا.
كل هذه الجهود الحكومية والمؤسسية نأمل لها الاستدامة وتسليط الضوء عليها عربيا وأفريقيا لتصل إلى الواقعية الملموسة
ومن منطلق المسؤلية المجتمعية طلقنا في مؤسستنا سفراء العمل التطوعي للتنمية المستدامة مجلة “سفراء” كمنصة للشباب العربي والأفريقي للقراءة والكتابة والنشر.
ننشر فيها تحقيقات وآراء حول تحديات وحلول قضايا التنمية المستدامة وكيف يترجمها الشاب في مجتمعه إلى مبادرات
وحول ملف اللجوء والنزوح برؤية إنسانية بعيداً عن النزاعات والخلافات السياسية وايضاً رؤية الشباب بشأن تمكين المرأة ودورها في الاقتصاد والمجتمع والعمل التطوعي كرافعة داعمة لجهود الحكومات، وليس بديلاً عنها.
ونامل ونسعى أن تكون تتيح هذه المبادرات مساحة يتدرب فيها الشاب العربي والأفريقي على التعبير عن اراءهم وافكارهم ، ويتعلم فيها أن صوته جزء من السياسة العامة،
واختم بمقولة التفاؤل ليس ترفاً فهو قرار مبني على معطيات. عندما نرى تمويلاً عربياً يتجه لأفريقيا، ومشاريع بنية تحتية تربط الشمال بالجنوب، وشباباً يجلسون معاً ليكتبوا مستقبلا أكثر اشراقاً فنحن على الطريق الصحيح الذي نأمل أن نرى العالم يهتم به،
والتحدي هو الاستمرار في تحويل الجهود المشتركة إلى مشاريع، والمشاريع إلى فرص، والفرص إلى ثقة متبادلة. وأن نتذكر دائماً أن التعاون العربي الأفريقي ليس ملفاً في الادراج ، بل هو حياة يومية لشعوب تشترك في الماء والسماء والمصير.
من موقعي كرئيس مجلس أمناء مؤسسة سفراء، أؤمن أن رهاننا على الشباب هو الرهان الصحيح. لأنهم سيحملون أجندة 2063 والمبادرة العربية 2045 ليس كوثائق، بل كخريطة طريق يطمحون إلى تحقيقها بايديهم .
بقلم: حاتم الروبي
رئيس مجلس أمناء مؤسسة سفراء العمل التطوعي للتنمية المستدامة



