من نوليوود إلى كان.. كيف تبني إفريقيا قوتها السينمائية الناعمة؟
الأفلام الإفريقية توسع حضورها العالمي لبناء صناعة سينمائية قوية

كتب: محمد عمران
على مدار عقود، ارتبط حضور إفريقيا في كبرى المهرجانات السينمائية العالمية بأدوار محدودة وأقسام موازية، بينما ظلت صناعة السينما في القارة تواجه تحديات التمويل والتوزيع وضعف الوصول إلى الأسواق الدولية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا تدريجيًا في مكانة السينما الإفريقية، مع صعود جيل جديد من المخرجين وصناع الأفلام الذين نجحوا في تقديم روايات أكثر تنوعًا وارتباطًا بواقع المجتمعات الإفريقية المعاصرة.
وفي الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي 2026، يتجدد هذا الحضور من خلال مجموعة من الأعمال القادمة من إفريقيا والشتات الإفريقي، في مؤشر على اتساع مساحة التمثيل الإفريقي داخل أحد أهم المحافل السينمائية في العالم، ورغم غياب أي فيلم إفريقي عن المنافسة على السعفة الذهبية هذا العام، فإن القارة تواصل تعزيز حضورها في الأقسام الرئيسية للمهرجان، بما يعكس تحولًا أعمق لا يتعلق بالاعتراف الفني فقط، بل بمساعي بناء صناعة سينمائية قادرة على المنافسة عالميًا وتحويل الإبداع الثقافي إلى قوة اقتصادية متنامية.

ففي مهرجان كان ضمن قسم “نظرة ما”، تشارك المخرجة الرواندية ماري كليمنتين دوسابيجامبو بفيلم “بنيمانا”، إلى جانب المخرج الكونغولي رفيقي فريالا بفيلم “فتى الكونغو”، فيما تمثل المخرجة المغربية ليلى مراكشي الحضور العربي والإفريقي من خلال فيلم “الأكثر حلاوة”.
أما في قسم “كان بريميير”، فتشارك المخرجة الهايتية جيسيكا جينيوس بفيلم “ماري مادلين”، في مؤشر جديد على تنامي حضور الأصوات الأفرو-كاريبية داخل دوائر السينما العالمية، واتساع مساحة التنوع الثقافي في المهرجانات الكبرى.
حضور فني يعكس تحولات أوسع
لا يأتي هذا الحضور الإفريقي المتزايد بمعزل عن التحولات التي يشهدها المشهد السينمائي العالمي، فبحسب بيانات منظمة اليونسكو، تسهم الصناعات الثقافية والإبداعية بأكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتوفر ما يقرب من 50 مليون فرصة عمل حول العالم.

ورغم الإمكانات البشرية والديموغرافية الكبيرة التي تمتلكها القارة، لا تزال إفريقيا تعاني من ضعف التمثيل في دوائر تمويل الأفلام وتوزيعها عالميًا، ومع ذلك، يشير تقرير اليونسكو حول الصناعات الإبداعية لعام 2024 إلى تسارع الاستثمارات الموجهة إلى المحتوى الإفريقي، مدفوعة بنمو المنصات الرقمية، وتوسع الإنتاجات المشتركة الدولية، وظهور آليات تمويل إقليمية جديدة.
مهرجان كان.. بوابة إلى الأسواق العالمية
يواصل مهرجان مهرجان كان السينمائي لعب دور محوري في دعم صناعة السينما العالمية، إذ لا يقتصر تأثير المشاركة في المهرجان على البعد الفني فحسب، بل يمتد إلى الجوانب الاقتصادية والتجارية.
يمكن أن يغير الاختيار ضمن البرنامج الرسمي المسار المهني والتجاري للفيلم، من خلال تسهيل توزيعه دوليًا وجذب المستثمرين وشركات الإنتاج والمنصات الرقمية، كما يشكل سوق الأفلام المصاحب للمهرجان أحد أكبر أسواق الصناعة السمعية البصرية في العالم، حيث يجمع آلاف المهنيين والمتخصصين من أكثر من 120 دولة.
التحدي الحقيقي.. بناء صناعة مستدامة
بالنسبة للسينما الإفريقية، لم يعد الهدف يقتصر على تحقيق الاعتراف الفني أو حصد الجوائز، بل أصبح يتمثل في بناء صناعة قادرة على خلق قيمة اقتصادية مستدامة.
تواصل عدة دول إفريقية تطوير بيئات أكثر جاذبية للإنتاج السينمائي، فالمغرب يواصل تعزيز مكانته كوجهة للتصوير الدولي من خلال تطوير البنية التحتية وتقديم الحوافز الاستثمارية، بينما تحافظ جنوب إفريقيا على موقعها كأحد أهم المراكز التقنية والإنتاجية في القارة. أما نيجيريا، فبفضل صناعة نوليوود، تظل من بين أكبر منتجي الأفلام في العالم من حيث حجم الإنتاج السنوي.

وعلى الجانب الآخر، لا تزال السينما في العديد من الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية تواجه تحديات كبيرة، تشمل محدودية التمويل، وضعف شبكات العرض، وارتفاع تكاليف التوزيع، فضلاً عن الاعتماد المستمر على مصادر التمويل الأوروبية. ووفقًا لبيانات المنظمة الدولية للفرانكفونية، فإن أقل من 5% من الأفلام الإفريقية تحصل حاليًا على توزيع دولي منظم.
جيل جديد يعيد رسم الصورة
ورغم هذه التحديات، يبرز جيل جديد من المخرجين وصناع الأفلام الأفارقة الذين يعملون على إعادة تشكيل صورة القارة في السينما العالمية.
وتعكس الأعمال المشاركة في مهرجان كان 2026 تحولًا ملحوظًا في طبيعة السرد السينمائي الإفريقي، حيث تتجه نحو موضوعات أكثر ارتباطًا بالواقع الحضري والقضايا الاجتماعية والسياسية والتجارب الفردية، بعيدًا عن الصور النمطية التي طالما هيمنت على التصورات الغربية لإفريقيا.
كما يتزامن ذلك مع تزايد حركة التنقل والتعاون بين المبدعين الأفارقة ونظرائهم في أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط، ما أسهم في ظهور نماذج إنتاج وسرد أكثر تنوعًا وعالمية.
فرصة تاريخية في ظل تغير المشهد العالمي
وتستفيد السينما الإفريقية أيضًا من التحولات التي يشهدها المشهد السينمائي الدولي، فقد أشارت تقارير إعلامية عدة إلى تراجع الحضور التقليدي لاستوديوهات هوليوود الكبرى في نسخة 2026 من مهرجان كان، مقابل صعود ملحوظ للإنتاجات المستقلة وسينما المؤلفين من مختلف أنحاء العالم.
ويمنح هذا التحول مساحة أكبر للأفلام القادمة من دول الجنوب العالمي، بما في ذلك إفريقيا، للوصول إلى جمهور أوسع ولفت أنظار المستثمرين والموزعين الدوليين.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر أمام السينما الإفريقية هو تحويل هذا الزخم الثقافي إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، عبر بناء منظومة متكاملة تشمل التدريب والإنتاج والتوزيع والملكية الفكرية والمنصات الرقمية وتصدير المحتوى.

وفي المحصلة، تؤكد دورة 2026 من مهرجان كان أن إفريقيا لم تعد مجرد موضوع تُروى عنه القصص على الشاشة، بل أصبحت تدريجيًا طرفًا فاعلًا في صناعة السرد السينمائي العالمي، وشريكًا متناميًا في رسم ملامح مستقبل الثقافة والإبداع على المستوى الدولي.



