هل تصبح الضرائب الرقمية سلاح إفريقيا لاستعادة عائداتها؟
غينيا تفرض رسوما جديدة على الخدمات الرقمية الأجنبية

كتب- محمد عمران
لم تعد المعركة بين الحكومات وشركات التكنولوجيا العالمية تدور فقط حول البيانات أو النفوذ الرقمي، بل امتدت إلى ساحة جديدة تتمثل في الضرائب، فمع النمو المتسارع للاقتصاد الرقمي واتساع نفوذ المنصات العالمية داخل الأسواق الإفريقية، تتجه دول القارة بشكل متزايد إلى فرض أطر ضريبية جديدة تستهدف الإيرادات التي تحققها هذه الشركات داخل حدودها.
هل تصبح الضرائب الرقمية سلاح إفريقيا لاستعادة عائداتها؟
وفي هذا السياق، انضمت غينيا إلى قائمة متنامية من الدول الإفريقية التي تسعى إلى تنظيم الاقتصاد الرقمي وتعزيز سيادتها التكنولوجية، عبر فرض رسوم على الخدمات الرقمية الأجنبية وتوجيه عائداتها نحو تمويل البنية التحتية الرقمية والابتكار والأمن السيبراني، في خطوة تعكس تحولا أوسع في علاقة إفريقيا بعمالقة التكنولوجيا العالميين.
في ليلة 21 مايو 2026، بث التلفزيون الوطني الغيني مرسوماً وقّعه الرئيس الانتقالي الجنرال مامادي دومبويا، تضمن إجراءات دقيقة لإعادة تشكيل السياسة الرقمية في البلاد، فقد أنشأ المرسوم رسمياً رسوم الامتثال الرقمي (RCN)، التي تستهدف الخدمات الرقمية الأجنبية المستهلكة داخل أراضي جمهورية غينيا، كما أعلن عن تأسيس كيانين جديدين نصة التحليل والتنظيم الرقمي (PARN) وصندوق السيادة الرقمية (FSN).
ويأتي هذا الإطار التنظيمي بنطاق واسع ومقصود، إذ يشمل خدمات الترفيه مثل بث الصوت والفيديو والألعاب والمحتوى التفاعلي، إضافة إلى الإعلانات الرقمية الموجهة، والبنية التحتية السحابية وخدمات البرمجيات كخدمة (SaaS)، ومنصات توزيع التطبيقات، والتجارة الإلكترونية. وبذلك، تمتد قائمة الجهات المستهدفة لتشمل عمالقة التكنولوجيا العالميين مثل جوجل وميتا ونتفليكس وأمازون ومايكروسوفت وسبوتيفاي، الذين يستحوذون على جزء كبير من الاستهلاك الرقمي في غينيا دون تمثيل ضريبي متناسب.
ومن خلال إعادة توجيه هذه الإيرادات نحو التنمية التكنولوجية الوطنية، تسعى السلطات الغينية إلى تحويل الضريبة إلى أداة للسياسة الصناعية الرقمية، وليس مجرد مورد مالي.
ويتخذ هيكل التعريفة نهجاً تصاعدياً، إذ تتراوح ضريبة خدمات الاتصالات (RCN) بين 1.5% و7% حسب نوع الخدمة. كما تتيح فترة انتقالية تمتد 12 شهراً تطبيق نسبة موحدة تتراوح بين 1% و3%. ويتضمن المرسوم أيضاً استثناءات تشمل الخدمات التعليمية وغير الربحية، إضافة إلى الشركات التي يقل دخلها السنوي في غينيا عن 250 مليون فرنك غيني، بهدف حماية المشروعات الصغيرة والمؤسسات الاجتماعية من الأعباء الضريبية.
ولا يقتصر هذا الإجراء على كونه سياسة ضريبية تقليدية، بل يعكس تحولاً مؤسسياً أوسع يهدف إلى تعزيز السيادة الرقمية للبلاد، وتحسين مراقبة التدفقات الرقمية، وتعبئة موارد جديدة لتمويل البنية التحتية التكنولوجية والأمن السيبراني والتدريب والابتكار. ويُعد صندوق السيادة الرقمية حجر الزاوية في هذا النظام، إذ يوجه الإيرادات نحو دعم التنمية التكنولوجية الوطنية، محولاً الضريبة إلى أداة من أدوات السياسة الصناعية الرقمية.
كينيا كنموذج مرجعي
لا تنطلق غينيا من فراغ، بل تنضم إلى مسار إفريقي بدأ قبل سنوات، وتُعد كينيا أبرز نماذجه وأكثرها تطوراً، ففي عام 2021، فرضت نيروبي ضريبة الخدمات الرقمية بنسبة 1.5% على إيرادات المنصات الرقمية الأجنبية التي تعمل دون وجود مادي محلي، وقد أثبتت التجربة فعاليتها، إذ جمعت هيئة الإيرادات الكينية 10.8 مليار شلن كيني من الاقتصاد الرقمي خلال السنة المالية 2023–2024، مع تسجيل أكثر من 350 دافع ضرائب ملتزمين بالضريبة، وفي السنة المالية 2022–2023، بلغت الحصيلة 5.3 مليار شلن كيني (نحو 37.5 مليون دولار)، محققة نمواً بنسبة 207.9% مقارنة بالعام السابق.
لكن كينيا واصلت تطوير نموذجها؛ ففي ديسمبر 2024، ألغت ضريبة الخدمات الرقمية البالغة 1.5% واستبدلتها بضريبة الوجود الاقتصادي الكبير، التي تُفرض بنسبة 30% على 20% من الأرباح المفترضة الناتجة عن المبيعات الرقمية، ويعتمد هذا النهج على ربط الضريبة بالجدوى الاقتصادية للمنصات بدلاً من حجم المبيعات، بما يتماشى مع الاتجاهات الدولية التي تقودها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وتشير النتائج الأولية إلى تحسن ملحوظ، إذ جمعت كينيا حتى أغسطس 2025 نحو 2.3 مليار شلن كيني من 454 مزود خدمة رقمي أجنبي، بينها 300 مليون شلن من ضريبة الخدمات الرقمية الخاصة منذ إطلاقها. كما ألغت اعتباراً من يوليو 2025 الحد الأدنى للإلزام الضريبي، بحيث أصبحت أي إيرادات محلية كافية لفرض الضريبة.
ويعكس المسار الكيني تطوراً تدريجياً في الضرائب الرقمية الإفريقية، من نماذج تجريبية بسيطة إلى أنظمة أكثر دقة وتوافقاً مع المعايير الدولية وطموحاً في تحقيق الإيرادات.
قارة من التجارب المتباينة
لا تقتصر هذه التحولات على غينيا وكينيا، إذ تشهد القارة الإفريقية موجة أوسع من الإصلاحات الضريبية الرقمية، تشمل نيجيريا والسنغال وجنوب أفريقيا والكاميرون وغيرها. فقد أدخلت نيجيريا آليات لفرض ضرائب على المنصات الرقمية ضمن إصلاحاتها الأخيرة، بينما تدرس السنغال توسيع نطاق ضريبة القيمة المضافة الرقمية. وتطبق جنوب أفريقيا ضريبة القيمة المضافة على الخدمات الإلكترونية الأجنبية منذ عام 2014، لتكون من أوائل الدول في القارة في هذا المجال.
ومع ذلك، تكشف التجربة الإفريقية أيضاً عن تحديات واضحة. فقد اضطرت أوغندا، بعد فرضها ضريبة على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2018، إلى تعديلها لاحقاً بسبب تأثيرها على الشمول الرقمي، ما يبرز صعوبة الموازنة بين زيادة الإيرادات وضمان الوصول الرقمي في الاقتصادات منخفضة الدخل.
ويضاف إلى ذلك تحدٍ تقني معقد، يتمثل في تتبع التدفقات المالية العابرة للحدود التي تديرها شركات لا تمتلك وجوداً مادياً. وتعتمد الدول على أدوات مثل عناوين IP ووسائل الدفع المحلية وأرقام الهواتف، وهي وسائل تظل محدودة أمام تعقيد البنى الضريبية للشركات الرقمية متعددة الجنسيات.

خلل هيكلي في الاقتصاد الرقمي العالمي
وراء هذه السياسات تكمن فجوة اقتصادية واضحة. ففي عام 2024، لم تحصل إفريقيا سوى على 3% من الاستثمارات العالمية في مراكز البيانات، وسجلت 18 مشروعاً فقط في مجال التكنولوجيا المالية، مقابل 206 مشاريع في الدول الآسيوية النامية، ويعكس ذلك تركّز القيمة الرقمية العالمية في عدد محدود من الشركات الكبرى، معظمها في الولايات المتحدة والصين، بينما تُستهلك خدماتها على نطاق واسع في القارة الإفريقية دون عائد متناسب.
وتعاني البنية التحتية الرقمية في إفريقيا من نقص استثماري حاد، إذ تحتاج القارة إلى نحو 61 مليار دولار سنوياً لربط الدول النامية بالإنترنت بشكل فعّال، بينما لم يُخصص سوى 15 مليار دولار في عام 2024. في هذا السياق، تبرز الضرائب الرقمية كأداة محتملة لتمويل التنمية الرقمية ذاتياً وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.

ويؤكد مسؤولو الأمم المتحدة هذا التوجه، حيث يشدد كلافر جاتيتي على أن إفريقيا يجب ألا تظل مجرد سوق للمنصات العالمية، بل طرفاً مستفيداً من القيمة المضافة، بينما تدعو ريبيكا غرينسبان إلى توزيع أكثر عدالة لعائدات الاقتصاد الرقمي العالمي.
بين الإطار العالمي والحلول الوطنية
في ظل إصلاح ضريبي دولي تقوده منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، عبر اتفاق “الركيزتين” الذي وقعته أكثر من 135 دولة عام 2021، ويهدف هذا الإطار إلى إعادة توزيع جزء من الأرباح على الدول التي تُمارس فيها الأنشطة الاقتصادية فعلياً، مع فرض حد أدنى عالمي للضريبة بنسبة 15% على الشركات متعددة الجنسيات.
لكن بطء التنفيذ دفع عدداً من الدول الإفريقية إلى تبني مسارات وطنية مستقلة. وقد عدّلت كينيا نظامها بما يتماشى جزئياً مع هذا الإطار، بينما تتجه غينيا نحو مقاربة أكثر سيادية واستقلالية في إدارة التدفقات الضريبية وتوليد الإيرادات المحلية.
وتعكس هذه التباينات وجود رؤيتين مختلفتين الأولى تسعى إلى الاندماج في النظام الضريبي العالمي، والثانية تميل إلى تعزيز السيادة الوطنية في مواجهة بطء الإصلاحات الدولية.
لم يعد السؤال المطروح ما إذا كانت الدول الإفريقية ستشارك في فرض الضرائب على الاقتصاد الرقمي، بل بأي شكل وبأي حصة من القيمة التي تولدها هذه السوق الرقمية الضخمة، وبين المسارات الوطنية والإطار الدولي الناشئ، تتبلور ملامح صراع جديد حول السيادة الرقمية في القرن الحادي والعشرين، حيث تسعى الدول الإفريقية إلى تثبيت موقعها في معادلة اقتصادية عالمية لا تزال في طور التشكل.



