الكاتبة ألكسندرا كينياس Alexandra Kinias: تسلقت كليمنجارو في الستين لأثبت أن العمر مجرد رقم.. وسيدات مصر سلطت الضوء على أكثر من 20 ألف قصة نجاح| حوار
ألكسندرا كينياس Alexandra Kinias ترسم مسارًا استثنائيًا

حوار: محمد رجب
من هندسة الميكانيكا إلى كتابة السيناريو، ومن تدريب اللياقة البدنية إلى تسلق أعلى قمة في إفريقيا، رسمت الكاتبة والناشطة في مجال تمكين المرأة ألكسندرا كينياس Alexandra Kinias مسارًا استثنائيً يجمع بين الشغف والتحدي والإصرار.
ففي عيد ميلادها الستين، حققت حلمًا راودها منذ الصغر بتسلق جبل كليمنجارو في تنزانيا، لتبعث برسالة واضحة مفادها أن العمر لا يجب أن يكون عائقًا أمام تحقيق الأحلام.
وفي هذا الحوار مع “زوم أفريكا نيوز”، تتحدث ألكسندرا كينياس Alexandra Kinias عن رحلتها المتنوعة بين الهندسة والكتابة والسفر، وتجربتها الملهمة في تسلق كليمنجارو، والدروس النفسية والإنسانية التي خرجت بها من هذه المغامرة.
كما تكشف كواليس تأسيس مبادرة “سيدات مصر” (Women of Egypt)، التي نجحت خلال نحو عقد من الزمن في تسليط الضوء على أكثر من 20 ألف قصة نجاح لسيدات مصريات، وساهمت في تغيير الصورة النمطية عن المرأة المصرية محليًا وعالميًا، إلى جانب رؤيتها لمستقبل تمكين المرأة من خلال السفر والمغامرة واكتشاف الذات.
إلي نص الحوار:
تنقلتِ بين هندسة الميكانيكا، تدريب اللياقة البدنية، كتابة السيناريو، وعالم السفر؛ كيف تلخصين هذا المزيج، وأي من هذه المجالات تشعرين أنه يعبر عن هويتك الحقيقية اليوم؟
أنا أرى أن جميع هذه المجالات كانت مترابطة في حياتي بشكل أو بآخر. فكل ما تعلمته كان مدفوعًا إما بالرغبة في الفهم والمعرفة، أو بالفضول وحب التجربة والتعلم الذاتي. وكل تجربة منها أضافت لي شيئًا جديدًا وأسهمت في تشكيل شخصيتي كما هي اليوم.

درستُ هندسة الميكانيكا كتخصص أكاديمي ومسار مهني، وتعلمت منها تنظيم التفكير، ومنهجية التحليل، والتعامل مع المشكلات بطريقة منطقية تشبه حل المسائل الهندسية.
أما دراستي لعلوم اللياقة البدنية وحصولي على شهادة تدريب دولية، فكانت بدافع الاهتمام بصحتي ولياقتي البدنية ونظامي الغذائي أولًا، ورغبتي في تطبيق ما أتعلمه على نفسي قبل أن أقدمه للآخرين كمدربة.
كما أن حبي للأفلام والقصص دفعني إلى تعلم كتابة السيناريو، لأنني كنت أملك فضولًا لمعرفة كيف تُكتب الأفلام. ومع الوقت والدراسة المستمرة، تطور هذا الاهتمام من كتابة السيناريو إلى تأليف الروايات وكتابة المقالات.
ومن خلال اهتمامي بالكتابة عن قضايا المرأة، نما لدي شغف أكبر بدعم النساء وتمكينهن، ومن هنا بدأ ارتباطي الحقيقي بهذا المجال. وأصبحت ناشطة في مجال حقوق المرأة، ولدي العديد من الكتابات التي تتناول قضاياها المختلفة. وكان ذلك هو الدافع وراء إطلاق مبادرة “سيدات مصر” عام 2016 لدعم المرأة، حتى أصبح تمكين المرأة أحد أهم اهتماماتي ورسائلي.
أما حبي للسفر والمغامرات، فقد دفعني إلى الحصول على شهادات معتمدة للعمل كمستشارة سفر (Travel Advisor)، ليس فقط من أجل السفر، بل أيضًا لمشاركة هذا الشغف مع الآخرين، وتشجيع النساء على اكتشاف العالم وخوض تجارب جديدة تثري حياتهن.
كل خطوة في حياتي كان لها هدف، حتى وإن لم يكن واضحًا في بدايتها. لكن عندما أنظر إلى الرحلة كاملة اليوم، أجد أن كل تجربة وكل قرار كانا جزءًا من تكوين الشخصية التي أصبحت عليها الآن.
لذلك، لا أعتقد أن هويتي الحقيقية تكمن في مجال واحد فقط، بل في مجموع كل هذه التجارب. فكل ما تعلمته وعشته يمثل قطعة من لوحة كبيرة، وعندما تجتمع هذه القطع معًا، تُشكل الصورة الكاملة لما أنا عليه اليوم.
لكِ جولات مميزة في القارة السمراء؛ ما الذي جذبكِ لاستكشاف أفريقيا تحديداً، وكيف غيرت هذه الجولات نظرتك للطبيعة والثقافات المختلفة؟
للأسف، لم تتح لي فرصة السفر إلى العديد من الدول الإفريقية حتى الآن، وكانت تجربتي الوحيدة في القارة هي السفر إلى تنزانيا من أجل تسلق جبل كليمنجارو.
ومع ذلك، أرى أن أفريقيا قارة ساحرة وغنية بالتنوع الطبيعي والثقافي والإنساني، وأتمنى أن تتاح لي الفرصة مستقبلًا لاستكشاف المزيد من دولها والتعرف عن قرب على شعوبها وثقافاتها وتجاربها المختلفة.
خلال جولاتك الإفريقية والتقائك بالسكان المحليين، هل لمستِ نقاط تشابه بين تحديات وطموحات المرأة في عمق أفريقيا والمرأة في مصر؟
لم تسنح لي الفرصة للتعرف بشكل كافٍ على أوجه التشابه بين التحديات التي تواجه المرأة في تنزانيا ونظيرتها في مصر، لكن خلال زيارتي كانت هناك العديد من المواقف التي لفتت انتباهي وأعطتني انطباعًا إيجابيًا عن حضور المرأة ودورها في المجتمع التنزاني.

كانت مفاجأة كبيرة لنا أن نكتشف أن صاحبة شركة السياحة التي نظّمت رحلتنا كانت سيدة، وكانت تتولى بنفسها إدارة جميع الشؤون الإدارية للشركة. كما لاحظنا وجود سيدات يعملن كمرشدات وقائدات لرحلات تسلق جبل كليمنجارو، وهو أمر لم أكن أتوقعه نظرًا لما تتطلبه هذه المهمة من جهد بدني وتحمل كبيرين.
كذلك لفت انتباهي وجود عدد كبير من النساء العاملات في شرطة المرور وتنظيم حركة السير على الطرق، وهو ما يعكس حضورًا واضحًا للمرأة في مجالات مختلفة من الحياة العامة.
أما أكثر ما أثار إعجابي في تنزانيا، فهو أن رئيسة الدولة سيدة. فقد كانت في الأصل نائبة للرئيس، ثم تولت قيادة البلاد بعد وفاة الرئيس خلال جائحة كورونا. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تمكنت لاحقًا من الفوز بالانتخابات عندما انتهت الفترة الرئاسية الانتقالية.
والأجمل من ذلك أن كثيرًا من المواطنين الذين تحدثنا معهم كانوا يصفونها بأنها تهتم بشؤون الناس وتتعامل معهم بروح الأم، وهو ما جعلها تحظى بمحبة واسعة ودعم شعبي كبير. ومن الواضح أن هذا الشعور كان أحد الأسباب الرئيسية التي ساهمت في فوزها بالانتخابات واستمرارها في قيادة البلاد.
قرار تسلق كليمنجارو: من قلب هذه الجولات الأفريقية، جاء قرارك الأبرز بتسلق جبل “كليمنجارو” (أعلى قمة في أفريقيا)؛ ما الذي دفعكِ لاتخاذ هذا القرار الصعب وفي هذا التوقيت تحديداً؟
أنا أحب السفر والمشي والهايكنج والرياضة بشكل عام.
وأؤمن بأن لكل واحد منا جبلًا عليه أن يتسلقه، وبالنسبة لي كان كليمنجارو هو جبلي. وفكرة “الجبل” هنا لا تقتصر على الجبل بمعناه الحرفي، بل هي رمز لأي تحدٍ نواجهه في حياتنا ونسعى إلى تجاوزه.

منذ صغري وأنا أحلم بتسلق كليمنجارو، لكن مشاغل الحياة ومسؤولياتها جعلت هذا الحلم يتأجل عامًا بعد عام. ومع مرور السنوات، وعندما اقتربت من سن الستين، شعرت أن الوقت قد حان لتحقيق هذا الحلم الذي رافقني طويلًا.
كنت أريد أن أتسلق كليمنجارو في عيد ميلادي الستين تحديدًا، لأنني أردت أن أكسر الصورة النمطية المرتبطة بالعمر. كنت أريد أن أوجه رسالة لكل امرأة بأن العمر مجرد رقم، وأن الإنسان قادر على تحقيق أحلامه وخوض تجارب جديدة في أي مرحلة من حياته.
في الحقيقة، بدأ الأمر كتحدٍ شخصي واحتفال بمحطة مهمة في حياتي. ففكرة صعود كليمنجارو وأنا في الستين من عمري لم تكن مجرد بند في قائمة الأحلام، بل كانت أيضًا مواجهة لذلك الصوت الداخلي الذي يحاول أحيانًا أن يقنعنا بأن الوقت قد فات أو أن العمر لم يعد يسمح بالمغامرة أو تحقيق الطموحات.
أردت أن أتحدى هذا الصوت، من أجل نفسي أولًا، ومن أجل كل امرأة قد تسمعه أيضًا. لأن العمر لا ينبغي أن يكون العامل الذي يحدد ما نستطيع فعله أو ما نعجز عنه. كنت أبحث عن تجربة جريئة تخرجني من منطقة الراحة، وكان هذا الجبل بالفعل هو التحدي الذي حقق ذلك.
أعتقد أن الإنسان لا يكتشف قوته الحقيقية إلا عندما يضع نفسه في مواقف تختبر قدراته النفسية والجسدية. وكنت أريد أن أثبت لنفسي، قبل أي شخص آخر، أن روح المغامرة لا ترتبط بسن معينة، وأن الشغف بالحياة يمكن أن يظل حاضرًا مهما تقدم بنا العمر.
وربما كان لدي دافع آخر بسيط ومحبب إلى قلبي؛ فأنا أريد أن يتذكرني حفيدي دائمًا باعتباري “الجدة الكول” التي لم تتوقف عن الحلم، ولم تتردد في خوض المغامرات وتحقيق ما تؤمن به.
بالانتقال من قمم الجبال إلى قمم النجاح النسائي؛ أسستِ صفحة ومنصة “سيدات مصر”ما هي الشرارة الأولى التي ألهمتكِ لإطلاق هذا المشروع الرقمي الضخم؟
“سيدات مصر” (Women of Egypt) هي مؤسسة اجتماعية تهدف إلى دعم وتمكين المرأة المصرية من خلال تسليط الضوء على قصص نجاح النساء، وإبراز القضايا والتحديات التي تعيق تقدمهن وتطورهن، إلى جانب مناقشة قضايا عدم المساواة بين النساء والرجال، والعمل على إحداث تغييرات إيجابية في المجتمع على المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والمهنية.

أُطلقت مبادرة “سيدات مصر” عام 2016، بالتزامن مع أداء 89 نائبة مصرية اليمين الدستورية في مجلس النواب الجديد. وقد شكّل هذا الحدث محطة مهمة في تاريخ مشاركة المرأة المصرية في الحياة السياسية، حيث بلغت نسبة تمثيل النساء في البرلمان المنتخب عام 2015 نحو 14.9%، وهي أعلى نسبة تمثيل نسائي في البرلمان المصري آنذاك.
ومع دخول هذا العدد الكبير من النائبات إلى البرلمان، بدا واضحًا أن مرحلة جديدة بدأت بالنسبة لوضع المرأة المصرية ودورها في الحياة العامة. وجاء ذلك بعد سنوات شهدت العديد من التحديات التي أثرت على مكتسبات المرأة، خاصة خلال الفترة التي أعقبت ثورة عام 2011.
ففي تلك المرحلة، طُرحت بعض المقترحات التي أثارت مخاوف واسعة بشأن حقوق المرأة، من بينها الدعوات إلى إلغاء قانون الخُلع، والتراجع عن القوانين التي تجرّم ختان الإناث، بالإضافة إلى مقترحات تتعلق بخفض الحد الأدنى لسن زواج الفتيات. إلا أن هذه المقترحات لم تدخل حيز التنفيذ، بعدما تم حل البرلمان قبل إقرارها.
ومع التحولات التي شهدتها مصر بعد عام 2013، عادت قضايا المرأة وحقوقها لتحظى باهتمام ودعم أكبر. ومن هنا جاءت فكرة تأسيس “سيدات مصر”، انطلاقًا من الإيمان بأهمية استمرار العمل على دعم المرأة المصرية، وتسليط الضوء على قضاياها، وتعزيز مشاركتها في مختلف المجالات.
ومن المهم التأكيد على أن المؤسسة مسجلة وتعمل تحت اسم “سيدات مصر” (Women of Egypt)، ولا توجد أي صلة بينها وبين أي صفحات أو منصات أو مبادرات أخرى تحمل أسماء مشابهة مثل “نساء مصر” أو “سيدات من مصر” أو “ستاتك يا مصر” أو غيرها من المسميات المتداولة. فـ”سيدات مصر” هي كيان مستقل له هويته ورسالته وأهدافه الخاصة منذ تأسيسه عام 2016.
وصفتِ تجربة صعود كليمنجارو بأنها الأكثر اختباراً لقوتك البدنية والنفسية؛ ما هي اللحظة التي شعرتِ فيها بالخوف أو التعب الشديد، وكيف تغلبتِ عليها لمواصلة الصعود؟
في الحقيقة، لم أشعر بالخوف إطلاقًا في أي لحظة من الرحلة. فجبل كليمنجارو يُعد مكانًا آمنًا إلى حد كبير، لكن ما يمكنني قوله بثقة هو أنها كانت تجربة شديدة الإرهاق على المستويين الجسدي والنفسي.

وأدركت بعد خوض التجربة أن تسلق كليمنجارو يحتاج إلى أكثر من مجرد اللياقة البدنية؛ فالقوة الذهنية اللازمة لمواجهة هذا التحدي لا تقل أهمية أبدًا عن القوة الجسدية، وربما تتفوق عليها أحيانًا.
كانت ليلة الوصول إلى القمة هي الأصعب على الإطلاق. غادرنا المخيم في الساعة الثالثة والنصف صباحًا، ولم نصل إلى القمة إلا في الواحدة ظهرًا، وفقًا للتوقيت المُثبت في شهادة إتمام التسلق التي حصلنا عليها. وهذا يعني أننا كنا نسير لما يقرب من عشر ساعات متواصلة وسط رياح عكسية قوية كانت تضرب وجوهنا طوال الطريق.
استغرقت المغامرة ثمانية أيام كاملة؛ سبعة أيام للوصول إلى القمة ويومًا ونصف اليوم للنزول. وخلال تلك الأيام، كنت أشعر بشيء من الرهبة، ليس خوفًا من الجبل، وإنما لأنني كنت الأكبر سنًا والأقل لياقة بدنية بين أفراد المجموعة، التي ضمت عدّائين محترفين لماراثونات ومتسلقي جبال ذوي خبرة. لذلك كنت أشعر دائمًا أن عليّ بذل جهد مضاعف للحفاظ على وتيرتي والاستمرار.
وفي الليلة الأخيرة لم يكن القلق وحده هو المسيطر علينا جميعًا، بل الإرهاق أيضًا. فكلما ارتفعنا إلى أعلى ازداد التعب بسبب نقص الأكسجين. حتى الحديث كان مرهقًا، لأن كل كلمة كانت تستهلك قدرًا إضافيًا من الطاقة والأكسجين، وكلاهما كانا في حالة نقص مستمر. ومع الارتفاع كانت الرياح تصبح أكثر قوة وبرودة.
تسلق كليمنجارو ليس تحديًا جسديًا فقط، بل تحدٍ نفسي بالدرجة نفسها. فأنت تقضي أيامًا طويلة خارج منطقة الراحة تمامًا؛ تعيش حالة من الإرهاق المستمر، وظروف نظافة صعبة، وفقدانًا للشهية، وعدم الاستحمام لأكثر من أسبوع، إلى جانب البرد القارس وقلة النوم ونقص الأكسجين. وفي كثير من الأحيان كانت كل خطوة تبدو وكأنها مجهود ماراثون كامل، وبعد كل عشر خطوات تقريبًا كنت أشعر بأن أنفاسي تنقطع وأحتاج إلى التوقف قليلًا لاستعادة طاقتي.
كما أنك تظل لأيام طويلة في حركة مستمرة عبر مناطق مناخية مختلفة، وتواجه ظروفًا جوية قاسية ومتغيرة باستمرار. ومهما تدرب الإنسان مسبقًا، لا يوجد تدريب يمكنه أن يهيئه بالكامل لتجربة مرض المرتفعات وتأثيراته الجسدية والنفسية.
أعترف أن تسلق كليمنجارو كان أصعب بكثير مما توقعت، لكنه في الوقت نفسه كان أكثر تحديًا وإلهامًا مما تخيلت. ومع ذلك، لم تكن فكرة الاستسلام مطروحة بالنسبة لي من الأساس.
في ليلة الصعود الأخيرة كان الطقس شديد القسوة. كانت الرؤية شبه معدومة بسبب كثافة السحب، والرياح عنيفة لدرجة أنها كانت تدفعنا بقوة أثناء السير، كما واجهنا عاصفة ثلجية في الطريق. وكنا محظوظين لأننا تمكنا من الوصول إلى القمة قبل اشتداد العاصفة التي تسببت في إغلاق القمة في اليوم التالي، ومنعت العديد من المتسلقين من الوصول إليها.
ورغم كل هذه الظروف، لم يخطر ببالي للحظة واحدة أن أتراجع. وحتى عندما كنت أعتبر نفسي أضعف فرد في المجموعة من حيث اللياقة البدنية، كنت أشعر بإصرار داخلي قوي على الاستمرار. وأدركت خلال تلك الرحلة أن الإنسان لا يعرف حقًا حجم قوته إلا عندما يواجه اختبارًا حقيقيًا. والحقيقة أنني فوجئت بقوتي أنا شخصيًا.
واجهت التحدي بشكل مباشر، دون تردد أو تراجع. فقد جئت إلى كليمنجارو وأنا أملك هدفًا واحدًا فقط: الوصول إلى القمة. ومهما بلغ الإرهاق أو اشتد التعب، لم أفكر في الاستسلام ولو للحظة واحدة.
كنت أمشي ببطء، وأتنفس بصعوبة، وكانت هناك دائمًا مسافة تفصلني عن بقية أفراد المجموعة الذين كانوا أسرع مني وأكثر قدرة على الحركة. ومع ذلك، كان لدي يقين كامل بأنني سأصل في النهاية، خطوة بعد خطوة، مهما طال الطريق ومهما كانت صعوبته.
لقد تخيلت نفسي واقفة على القمة مئات المرات قبل أن أصل إليها بالفعل، وكأنني عشت تلك اللحظة في ذهني قبل أن تتحقق على أرض الواقع. وربما كان هذا التصور المسبق جزءًا من القوة التي دفعتني للاستمرار. صحيح أن سرعة زملائي ومستوى لياقتهم كانا يثيران لدي بعض الرهبة أحيانًا، لكنني رفضت أن أسمح لهذا الشعور بأن يحبطني أو يشتت تركيزي.
وأعتقد أن هذا كان أحد أهم دروس الرحلة: أن الاستعداد النفسي والإيمان بالهدف قد يكونان في بعض الأحيان أقوى من أي استعداد بدني.
لحظة الوصول للقمة: كيف كان شعوركِ في اللحظة التي وطأت فيها أقدامك “قمة أفريقيا” ورفعتِ علم مصر برفقة صديقاتك؟
كانت لحظة الوصول إلى القمة من أكثر اللحظات التي شعرت فيها بالفخر طوال حياتي. كنت سعيدة للغاية، وشعرت براحة كبيرة لأنني تمكنت من إنجاز هذه المهمة الصعبة والوصول إلى هدفي بسلام.
بالنسبة لي، لم يكن الأمر مجرد صعود إلى أعلى قمة في أفريقيا، بل كان انتصارًا شخصيًا على كل الأفكار النمطية المرتبطة بالتقدم في العمر. شعرت أنني أثبت لنفسي أولًا أن الأحلام لا ترتبط بسن معينة، وأن الإنسان قادر على تحقيق ما يريد طالما امتلك الإرادة والإصرار.

كانت مشاعرنا على القمة لا توصف. احتضننا بعضنا البعض من شدة الفرح، وتبادلنا التهاني والقبلات، وبكينا من التأثر بعد أيام طويلة من التعب والمجهود. غنّينا، واحتفلنا، والتقطنا الصور التذكارية، وكان من أكثر اللحظات التي أعتز بها رفع علم مصر على أعلى قمة في أفريقيا.
كانت لحظة فخر كبيرة، ولحظة انتصار حقيقية، وستبقى واحدة من أجمل الذكريات وأكثرها تأثيرًا في قلبي ما حييت.
والحقيقة أننا كنا وحدنا تقريبًا على القمة في تلك اللحظات، وكنا نتمنى البقاء لفترة أطول والاستمتاع بالمشهد أكثر، لكن الرياح كانت شديدة القوة والبرودة، ولم تسمح لنا بالبقاء طويلًا، فاضطررنا إلى بدء رحلة النزول بعد وقت قصير.
ورغم قِصر الوقت الذي أمضيناه هناك، فإن تلك الدقائق القليلة كانت كافية لتبقى محفورة في الذاكرة إلى الأبد.
لقد ذكرتِ سابقاً أن تسلق الجبل علمكِ دروساً ملهمة وتجربة فريدة مع الـ (ADHD)؛ كيف ساعدتكِ هذه المغامرة في فهم وتطوير قوتكِ الداخلية؟
هناك مقولة إنجليزية شهيرة تقول إن الإنسان لا يعرف مدى قوته الحقيقية إلا عندما يوضع أمام اختبار حقيقي، وهذا بالضبط ما حدث معي خلال هذه التجربة.
فصعود الجبل لم يكن سهلًا على الإطلاق. الارتفاعات الشاهقة، ونقص الأكسجين، والمجهود البدني المتواصل، كلها عوامل جعلت التحدي أصعب مما كنت أتخيل.
كما أنني كنت ضمن مجموعة تضم أشخاصًا يتمتعون بلياقة بدنية عالية وخبرات كبيرة في الجري وتسلق الجبال، ولذلك كنت أشعر أحيانًا بأن عليّ بذل مجهود أكبر للوصول إلى النتيجة نفسها. ليس لأن ثقتي بنفسي كانت ضعيفة، ولكن لأن الإنسان بطبيعته يقارن نفسه بمن حوله، خاصة عندما يكون وسط أشخاص متميزين.
كما أنني بطبيعتي أعاني أحيانًا من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، لذلك كنت أعتقد أن الحفاظ على التركيز خلال رحلة شاقة وطويلة كهذه سيكون من أصعب التحديات بالنسبة لي. لكن ما حدث خلال ليلة الصعود إلى القمة فاجأني تمامًا.
في تلك الليلة، لم يكن في ذهني أي شيء سوى الوصول إلى القمة. لم أكن أفكر في الطقس القاسي، ولا في صعوبة الطريق، ولا في مستوى اللياقة البدنية لمن حولي. كان تركيزي منصبًا فقط على الخطوة التالية، ثم التي تليها، وعلى الاستمرار مهما كانت الظروف. وحتى عندما رأيت بعض الأشخاص الذين كانوا أقوى مني بدنيًا يضطرون إلى التراجع وعدم إكمال الصعود، لم يشغلني ذلك أو يؤثر على تركيزي. كان هدفي واضحًا أمامي، وكل ما فكرت فيه هو الاستمرار حتى أصل إليه.
هذه التجربة كشفت لي جانبًا جديدًا من نفسي. فقد أثبتت لي أنني أستطيع التركيز بدرجة أكبر بكثير مما كنت أتصور عندما يكون لدي هدف واضح أؤمن به حقًا. كما أكدت لي أن الإنسان قادر على تجاوز الكثير من الصعوبات والعقبات عندما يمتلك الإرادة والاقتناع بما يسعى إليه.
لذلك، فإن الوصول إلى القمة لم يكن مجرد إنجاز جسدي بالنسبة لي، بل كان أيضًا إنجازًا نفسيًا وعقليًا عميقًا. شعرت أنني تغلبت على كثير من الشكوك والمخاوف التي كانت بداخلي، واكتشفت أنني أقوى بكثير مما كنت أعتقد، وأن حدود الإنسان غالبًا ما تكون أبعد مما يتخيل.
توثق الصفحة قصص مئات السيدات المصريات الملهمات؛ كيف تلمسين أثر هذه القصص في تغيير الصورة النمطية عن المرأة المصرية، سواء محلياً أو عالمياً؟
من أهم الأسباب التي دفعتني إلى إطلاق مبادرة “سيدات مصر” شعوري بوجود فجوة كبيرة في الإعلام فيما يتعلق بأخبار وإنجازات النساء. فغالبًا ما كانت قصص النجاح تحصل على مساحة أقل بكثير من أخبار الجرائم والعنف والفضائح وأخبار المشاهير، بينما كانت إنجازات السيدات وقصص كفاحهن ونجاحهن بعيدة في كثير من الأحيان عن دائرة الضوء.

كما أن المقارنة بين حجم التغطية الإعلامية المخصصة لنجاحات الرجال ونظيرتها الخاصة بالسيدات كانت تكشف بوضوح وجود فجوة كبيرة. ومن هنا جاءت فكرة “سيدات مصر”؛ أن نساهم في سد هذا الفراغ من خلال تقديم قصص ملهمة لسيدات مصريات ناجحات في مختلف المجالات، وإعطائهن المساحة التي يستحققنها.
والحقيقة أن التأثير كان أكبر بكثير مما توقعناه. فبسبب النقص الواضح في هذا النوع من المحتوى، بدأت العديد من وسائل الإعلام المحلية والدولية في نقل القصص التي كنا ننشرها. بل إن الأمر وصل إلى تواصل منصات عالمية ومؤسسات دولية معنا للتعرف على السيدات صاحبات هذه القصص والاستفادة من تجاربهن وإبراز إنجازاتهن على نطاق أوسع.
وفي السنوات الأولى للمبادرة، اكتشفنا حجمًا هائلًا من القصص الملهمة، سواء لسيدات رائدات تركن بصمات مهمة في التاريخ، أو لسيدات معاصرات يحققن إنجازات استثنائية دون أن يعرف عنهن الكثيرون. لذلك أعتقد أن أحد أهم إنجازات “سيدات مصر” كان المساهمة في لفت الانتباه إلى هذه النماذج الناجحة ومنحها التقدير والاهتمام الذي تستحقه.
وخلال السنوات الماضية، بدأنا نلاحظ ظهور عشرات الصفحات والمنصات التي تهتم بالمحتوى نفسه، كما أصبح هناك اهتمام أكبر بقصص نجاح النساء في مجالات متعددة، ومنها المجال الرياضي، حيث باتت إنجازات الرياضيات تحظى بتغطية أوسع بعدما كانت شبه غائبة مقارنة بإنجازات الرياضيين الرجال.
وبعد ما يقرب من عشر سنوات على انطلاق المبادرة، أشعر بفخر كبير لأننا استطعنا تسليط الضوء على قصص أكثر من 20 ألف سيدة مصرية في مختلف المجالات. وأعتقد أننا نجحنا في تحريك المياه الراكدة، وساهمنا في جعل قصص نجاح النساء جزءًا أساسيًا من المحتوى المتداول على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

ورغم كل ما تحقق، ما زالت هناك آلاف القصص الملهمة التي لم تُروَ بعد، وما زالت هناك سيدات يحققن إنجازات جديدة كل يوم ويستحققن أن يعرف الناس قصصهن. ولهذا السبب ما زلنا مستمرين. فوجود هذه النماذج الناجحة مهم للغاية، لأن رؤية الفتيات والسيدات لنساء يشبهنهن وقد استطعن تحقيق أحلامهن يمنحهن الثقة والأمل، ويؤكد لهن أن النجاح ممكن وأن الطريق إلى تحقيق الأهداف مفتوح أمام الجميع.
وأعتقد أننا نجحنا أيضًا في تغيير جزء مهم من الصورة النمطية للمرأة المصرية، سواء في الإعلام المحلي أو على المستوى الدولي. فقد كانت هناك تصورات محدودة عن المرأة المصرية، لكن من خلال آلاف القصص التي نشرناها استطعنا أن نقدم صورة مختلفة وأكثر واقعية؛ صورة المرأة المصرية الناجحة والمبدعة والمؤثرة والقادرة على تحقيق الإنجازات في مختلف المجالات. وهو ما ساهم في تعريف كثيرين داخل مصر وخارجها بحجم ما تقدمه المرأة المصرية من نجاحات وإنجازات كل يوم.
بعد تسلق كليمنجارو وتطوير منصة “سيدات مصر” ونشر مؤلفاتك؛ ما هو “الجبل القادم” (حرفياً أو مجازياً) الذي تستعد ألكسندرا كينياس Alexandra Kinias لتسلقه في الفترة المقبلة؟
بالنسبة للجبل القادم، سواء بالمعنى الحقيقي أو المجازي، فأنا عدت مؤخرًا من بيرو بعد مشاركتي مع فريق Kiligyptian Women، وهو نفس الفريق الذي تسلقت معه جبل كليمنجارو، في رحلة هايكنج عبر مسار الإنكا (Inca Trail) من مدينة كوسكو إلى ماتشو بيتشو.
استمرت الرحلة أربعة أيام من المشي والتخييم وسط طبيعة ساحرة وتضاريس متنوعة، وكانت مغامرة مليئة بالتحديات. وقد وصلنا خلال الرحلة إلى ارتفاع يقارب 4200 متر فوق سطح البحر، وهو ارتفاع ليس بسيطًا على الإطلاق، حيث تنخفض نسبة الأكسجين بشكل ملحوظ لتصبح أقل بحوالي 40% مقارنة بمستواها عند سطح البحر.
صحيح أن التحديات التي واجهتنا في هذه الرحلة كانت مختلفة عن تحديات كليمنجارو، لكنني أؤمن بأن لكل جبل ولكل رحلة طبيعتها الخاصة وصعوبتها المختلفة، ولذلك لا أحب المقارنة بين التجارب. وفي النهاية، والحمد لله، تمكنا من إكمال الرحلة والوصول إلى وجهتنا بنجاح.
أما خلال الفترة المقبلة، فأتمنى أن أواصل خوض المزيد من المغامرات والتجارب الجديدة. لكن ما يشغلني أكثر هو أن أتمكن من تشجيع عدد أكبر من السيدات على السفر واستكشاف العالم وخوض المغامرات وتجربة أشياء جديدة.
فمن أكثر القناعات التي أؤمن بها أن العمر مجرد رقم، وأن المرأة لا ينبغي أن تتخلى عن أحلامها أو تتردد في ممارسة الرياضة أو خوض تجارب جديدة بسبب بعض الأفكار المجتمعية التي تحاول أحيانًا إقناعها بأنها أصبحت أكبر من أن تبدأ شيئًا جديدًا أو تحقق هدفًا جديدًا.
وأؤمن أيضًا بأن الحفاظ على الصحة واللياقة البدنية، والاستمرار في التعلم والتطور وخوض التجارب المختلفة، أمور لا ترتبط بعمر معين. ومن هنا جاءت رغبتي في التركيز بشكل أكبر على تمكين السيدات من خلال السفر والمغامرات، لأن هذه التجارب لا تمنح الإنسان ذكريات جميلة فقط، بل تبني الثقة بالنفس، وتوسع الأفق، وتكشف للإنسان قدرات لم يكن يعرف أنها موجودة بداخله.
وبالتوازي مع ذلك، سنواصل من خلال مبادرة “سيدات مصر” العمل على رفع الوعي بقضايا المرأة المختلفة، وتطوير المنصة لتكون أكثر تأثيرًا وانتشارًا، بحيث تصل رسالتها



