Festival Gnawa au Maroc : L’un des festivals de musique les plus merveilleux et les plus profonds au monde (Photos)
متابعات – أيمن رجب
تُعد مدينة الصويرة العاصمة الروحية لموسيقى كناوة، وبالنسبة لعشاق هذا اللون الموسيقي الذي يتميز بإيقاعاته الآسرة، يُمثل مهرجان كناوة والموسيقى العالمية حدثًا سنويًا لا يمكن تفويته، وفي نسخة هذا العام، التي أقيمت خلال الفترة من 25 إلى 27 يونيو، تمت تجربة هذه الأجواء الروحية الملهمة.
ويُصنف مهرجان كناوة والموسيقى العالمية كأكبر تجمع لموسيقيي كناوة، حيث دأب منذ عام 1998 على دعوة العالم لاكتشاف هذا التراث المغربي والتفاعل معه عبر التعاون الموسيقي. وفي كل دورة، تلتقي إيقاعات “المعلمين” من كبار العازفين مع أنماط موسيقية عالمية متنوعة، تشمل الجاز والبلوز والروك والريغي والموسيقى التقليدية، لتنتج مزجًا موسيقيًا غير مسبوق يربط بين ثقافات الشتات الأفريقي وأمريكا الجنوبية وآسيا وأوروبا.

سبب تسمية موسيقى كناوة
وتعود تسمية موسيقى كناوة إلى جماعة عرقية استقرت في المغرب بعد جلبها من غرب أفريقيا والسودان، حيث تمزج هذه الموسيقى بين عناصر أفريقية وعربية إسلامية وأمازيغية. وتعتمد تقاليد كناوة على التراث الشفوي، إذ لا تمتلك تاريخًا مكتوبًا، بل يُعاد إحياؤه وتناقله عبر الأجيال في كل أداء موسيقي.
وتُقدم موسيقى كناوة عادةً في “الليلات”، وهي طقوس روحانية يجتمع فيها المشاركون طلبًا للشفاء الجسدي أو الروحي، حيث يتفاعل الحضور مع المغنين والراقصين تحت إشراف “المعلم” الذي يقود التراتيل والأغاني الاحتفالية. وخلال هذه الطقوس، قد يصل بعض المشاركين إلى حالات من النشوة يُعتقد خلالها بتواصلهم مع الأرواح (الجن)، وفق المعتقدات المرتبطة بهذا التراث.
ورغم جذورها الثقافية المحددة، تتميز موسيقى كناوة بقدرتها العالية على الاندماج مع مختلف الأنماط الموسيقية، حيث يضفي إيقاع القراقب المعدني وأوتار آلة الغمبري طابعًا خاصًا يجعلها قابلة للتلاقح مع أنواع موسيقية متعددة حول العالم.
وفي اليوم الأول من المهرجان، عند الساعة السادسة مساءً، بدأت الأجواء في التفاعل مع انطلاق العروض الموسيقية ضمن البرنامج.
استقبال الفرق المشاركة أثناء مرورها عبر المدينة القديمة
تجمّع سكان مدينة الصويرة، خلال موكب الافتتاح، لاستقبال الفرق المشاركة أثناء مرورها عبر المدينة القديمة، في أجواء احتفالية عكست الطابع الثقافي للمهرجان. وظهرت فرق كناوة بملابس زاهية الألوان، تحمل دلالات رمزية متجذرة في معتقدات هذا التراث، فيما كان الموسيقيون ينقرون على آلاتهم ويعزفون على الطبول وسط رقصات جماعية في شوارع المدينة، حيث تتشكل دوائر حركية متناغمة.

وأثناء مرور الفرق، تفاعل المشاركون مع الحضور، إذ ابتسموا ولوّحوا باتجاه الكاميرات دون أن يتوقفوا عن العزف أو يخلوا بإيقاعهم، في مشهد يعكس الطابع الحي والمتوارث لموسيقى كناوة، التي تجمع بين مختلف الأجيال، حيث يسير الأطفال جنبًا إلى جنب مع كبار السن، مع حضور نسائي يظهر بين الحين والآخر ضمن العروض.
وفي الساعة 8:30 مساءً، شهد أحد شوارع المدينة مسيرة لعدد من الرجال مرتدين الأزياء التقليدية الملونة، وهم يعزفون على آلة القراقب، بينما كان المتفرجون يلتقطون الصور ويحيون المشاركين على جانبي الطريق. ويُعد هذا العرض جزءًا من فعاليات تجمع موسيقيي كناوة من مختلف أنحاء المغرب.
وافتُتح المهرجان بحفل موسيقي مجاني على المسرح الرئيسي بساحة مولاي الحسن، المطلة على المحيط الأطلسي، حيث قدّم الفنان المغربي المتخصص في آلة الكمبري مهدي نصولي وفرقة مرافقة له عروضًا موسيقية امتزجت فيها تأثيرات من رواندا والهند وفرنسا.
أجواء من التنوع الثقافي واللغوي
وشاركت فرقة “إي بوهورو” بعرض للرقص الحربي الرواندي التقليدي، فيما قدّم سيلفان بارو مقطوعات على آلات النفخ، قبل أن تؤدي المغنية المغربية سارة مولابلاد عرضًا حماسيًا لاقى تفاعلًا كبيرًا من الجمهور، أعقبه أداء الموسيقي الهندي غانافيا لمجموعة من الأناشيد الدينية الهندية، في عرض افتتاحي يُعد الأول ضمن سلسلة عروض تمتد على مدار ثلاثة أيام.
وفي الساعة العاشرة مساءً، سادت الساحة أجواء من التنوع الثقافي واللغوي، حيث اختلطت الجاليات والزوار في مشهد احتفالي واسع، فيما جلست بعض السيدات المغربيات على مقاعد بسيطة يراقبن الأجواء بهدوء، بينما تفاعل الشباب مع العروض الموسيقية. كما عكست الأحاديث الجانبية بين الحضور حجم التنوع الثقافي، وسط انطباعات مختلفة حول الطابع الاحتفالي للمهرجان.

توافد السياح من مختلف أنحاء العالم إلى مدينة الصويرة لمتابعة العروض الموسيقية المتنوعة ضمن فعاليات مهرجان كناوة والموسيقى العالمية، في مشهد يعكس الطابع الدولي المتزايد لهذا الحدث السنوي.
وفي تمام الساعة 11 مساءً، قدّمت المغنية الإثيوبية سلامنيش زيميني وفرقة “بادوم” عرضًا موسيقيًا لافتًا، حيث تنحدر زيميني من سلالة طويلة من “الآسامريين”، وهم حُماة ومجددو تراث موسيقي عريق في إثيوبيا، يُشبه في بعض ملامحه موسيقى كناوة المغربية. وشارك في الحفل أيضًا الفنان محمد منتري، الذي يُعد من أبرز الأصوات الصاعدة في الجيل الجديد، حيث يقدّم أعمالًا تمزج بين التقاليد الموسيقية العريقة والأساليب المعاصرة.
وفي اليوم الثاني من المهرجان، عند الساعة الرابعة مساءً، التقت إحدى مؤسسات المهرجان ومنظمته نيلا تازي في حصن برج باب مراكش التاريخي، حيث استعرضت مسار تطور المهرجان منذ انطلاقه. وقالت تازي إن هناك تحولًا كبيرًا حدث بين ما قبل المهرجان وما بعده، موضحة أن موسيقى كناوة كانت مهمشة في السابق ولم تكن حاضرة على خشبات المسارح أو الشاشات التلفزيونية، بل كانت تُمارس في الشوارع والمنازل.
وأضافت تازي أنه عند التخطيط للمهرجان في منتصف التسعينيات، أبدى الموسيقيون العالميون الذين تمت دعوتهم اهتمامًا فوريًا بالمشاركة في حفلات تمزج بين الأنماط الموسيقية المختلفة، ولم تكن الجوانب المالية عائقًا أمامهم، بل كان الدافع الأساسي هو خوض تجربة موسيقية فريدة داخل عالم كناوة، ما ساهم في انتشار فكرة المهرجان سريعًا.
تطوير المهرجان تدريجيًا ليصبح حدثًا عالميًا
وأشارت إلى أن هذا الاهتمام الدولي شجّع على تطوير المهرجان تدريجيًا ليصبح حدثًا عالميًا يضم حفلات موسيقية كبرى ومنتديات لحقوق الإنسان ومبادرات ثقافية، إضافة إلى برامج تدريب موسيقي بالشراكة مع مؤسسات دولية. كما ساهمت في جهود إدراج موسيقى كناوة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، معتبرة أن هذا الاعتراف يمثل بداية لمسار أطول لحماية هذا التراث ونشره عالميًا.
وفي تمام الساعة 8:30 مساءً، تحوّل سطح برج باب مراكش إلى فضاء موسيقي مفتوح، حيث قدّمت الفنانة أسماء حمزاوي، ابنة المعلم رشيد حمزاوي وأول “معلمة” في هذا الفن، عرضًا موسيقيًا لافتًا، في تقليد ظل لعقود يهيمن عليه الرجال. ونجحت حمزاوي في كسر هذا الاحتكار عبر حضورها القوي وصوتها العميق الذي لاقى تفاعلًا كبيرًا من الجمهور.
وفي الساعة 11 مساءً، شهد مركز دار سويري الثقافي، وهو رياض تاريخي يعود إلى عام 1907، واحدة من أبرز ليالي المهرجان، حيث قدّم المعلم عزيز سوداني وفرقته المكونة من ستة أعضاء عرضًا موسيقيًا اعتمد على إيقاعات القراقب وأداء الكمبري، وسط تفاعل كبير من الجمهور.
وبعده، قدّمت فرقة أخرى بقيادة المعلم نجيب سوداني عرضًا أكثر حيوية، تميّز بإيقاع سريع دفع الجمهور إلى المشاركة والرقص، حيث تجاوز العرض حدود المشاهدة التقليدية ليصبح تجربة تفاعلية جماعية، امتزج فيها الأداء الموسيقي بالأبعاد الروحية المرتبطة بالأغاني والأذكار.
وقبل منتصف الليل، اختتمت الفرقة الثالثة بقيادة المعلم عبد القادر أمليل سلسلة العروض، حيث نجحت في إعادة إشعال أجواء السهرة ودفع الحضور إلى الرقص، في أجواء امتدت حتى ساعات متأخرة من الليل.

وفي اليوم الثالث، عند الساعة الرابعة مساءً، انطلقت جلسات “الشجرة المتكلمة” على سطح المعهد الفرنسي، وهي سلسلة حوارات تجمع بين معلمين وموسيقيين عالميين، حيث شارك المعلم عبد السلام عليكان، أحد مؤسسي المهرجان ومديره الفني، في نقاشات حول تطور هذا التراث.
وقال عليكان إن الهدف الأساسي للمهرجان هو توسيع نطاق انتشار موسيقى كناوة، مشيرًا إلى أن ما يتم تقديمه حاليًا لا يتجاوز 50 إلى 70% من هذا التراث الغني، وأن العمل لا يزال مستمرًا لحمايته وتطويره.
وأضاف أن موسيقى كناوة قادرة على التكيف مع مختلف الأنماط الموسيقية حول العالم، معتبرًا أنها “لغة عالمية” يمكنها التفاعل مع أي ثقافة موسيقية أخرى.
وفي ردّه على مخاوف الحفاظ على أصالة هذا الفن، أكد أن التقاليد الحقيقية لا تزال محفوظة داخل البيوت والعائلات، رغم الانفتاح العالمي الذي يشهده المهرجان.
واختتمت الفعاليات بعروض فنية جمعت الفنانة اللبنانية ياسمين حمدان بعدد من موسيقيي كناوة، في تعاون موسيقي عكس الطابع التشاركي الذي يميز المهرجان.
برج باب مراكش
في تمام الساعة 7 مساءً، قدّمت الفنانة اللبنانية ياسمين حمدان، إحدى أبرز رموز الموسيقى البديلة، حفلاً موسيقيًا مؤثرًا على خشبة برج باب مراكش، وسط تفاعل كبير من الجمهور. وأدت حمدان العرض برفقة فرقة مكوّنة من ثلاثة عازفين، حيث غلّفت موسيقاها الإلكترونية الأجواء بطابع صوتي آسر تداخل مع أدائها الغنائي.

وخلال الحفل، أدت حمدان أغنية فلسطينية وأخرى مهداة إلى بيروت، ما أثار مشاعر عدد من الحاضرين الذين تأثروا بالعرض. وامتثالًا لروح المهرجان القائمة على التفاعل والتجريب الموسيقي، دعت ثلاثة موسيقيين شباب من كناوة للصعود إلى المسرح، حيث قدموا أداءً مشتركًا مزج بين إيقاعات القراقب وموسيقى الفرقة الإلكترونية، في تجربة موسيقية عابرة للأنماط.
وفي تمام الساعة 11 مساءً، انتقل الحدث إلى أجواء أكثر روحانية وتأثيرًا بعيدًا عن المسارح الرئيسية، حيث تم التوجه عبر أزقة ضيقة متعرجة نحو زاوية سيدنا بلال، وهو مبنى متواضع يعود إلى القرن الثامن عشر يتميز بفناء مزخرف ببلاط أصفر وأحمر. ويُعد هذا الموقع المزار الوحيد الدائم للكناويين في المغرب، وقد سُمّي نسبة إلى بلال بن رباح، أول مؤذن في الإسلام وأحد أوائل التابعين للنبي محمد بعد إسلامه.
وفي هذا المكان، قدّم المعلم نور الدين مدولا وفرقته عرضًا موسيقيًا جلوسًا على الوسائد الأرضية، في طقس يختلف عن العروض التقليدية التي تُقام وقوفًا خلف الميكروفونات. وارتدى أعضاء الفرقة سراويل حمراء وجلابيب زرقاء وطرابيش مزينة بشرابات، فيما تفاعل الجمهور مع الإيقاعات عبر الرقص والتصفيق والانخراط الكامل في الحالة الموسيقية.
حالات من النشوة والتفاعل الجسدي مع الموسيقى
وشهدت الأجواء لحظات اندماج لافتة، حيث دخل بعض الحضور في حالات من النشوة والتفاعل الجسدي مع الموسيقى، بينما تواصل الأداء وسط تزايد المشاركة الجماهيرية، قبل أن تُختتم إحدى الفقرات بتفاعل جسدي مباشر من أحد المؤدين مع إحدى المشاركات لإعادتها إلى وعيها بعد حالة اندماج عاطفي شديد.

وفي ساعات متأخرة من الليل، واصل المعلم مختار غانيا وفرقته العروض الموسيقية، حيث امتدت السهرة لما بعد الساعة الواحدة صباحًا. ومع تصاعد الإيقاعات، اختلط التعب بالحضور مع حالة من الانغماس في الموسيقى، إذ استند بعض الحاضرين إلى الجدران في لحظات استراحة قصيرة قبل استعادة التفاعل مع الرقص والإيقاع.
وبحلول نهاية الليلة، سادت أجواء من الامتنان والسكينة والفرح بين الحضور، في ختام تجربة موسيقية امتدت لساعات طويلة، عكست الطابع الروحي والعاطفي العميق لمهرجان كناوة والموسيقى العالمية.. نقلا عن منصة OkayAfrica



