CurseurArticles d'opinion

د. حسام عبدالغفار يكتب: ثلاثمائة نافذة في أن الإجراء الصحيح لا يدافع عن نفسه

في علم السمع نعرف أن لكل أذنٍ عتبة، دون هذه العتبة يوجد الصوت ولا يُسمَع، تظل الموجة قائمة، تتحرك في الهواء، تحمل معناها كاملًا غير منقوص، ثم ترتدُّ عن غشاءٍ لم يتحرك لها، لا عيب في الصوت، ولا عطب في الأذن بالضرورة، بينهما مسافةٌ لم تُقطَع، وحدُّ لم يُبلَغ.

ثم نعرف ما هو أدقُّ من ذلك: أن الصوت قد يعبر العتبة ويصل، ولا يصير معنًى، فالسمع فعلٌ فيزيائي يقع في الأذن، والإدراك فعلٌ آخر يقع في الدماغ، وبينهما طريق طويل قد ينقطع في منتصفه. من هنا وُلدت تفرقة قديمة في لساننا بين أن تسمع وأن تُنصت. الأولى أن يصلك الصوت، والثانية أن تصلك النية التي حملته.

وللمؤسسات آذانٌ كآذان الناس ولها عتبات، ولها ذلك الطريق الذي قد ينقطع بين أن يصلها الكلام وأن تفهم لماذا قيل.

حين يكون كل شيء صحيحًا

تخيَّل مؤسسةً فعلت كل ما ينبغي أن يُفعَل، راجعت أوراقها ورقةً ورقة، طابقت بياناتها بسجلاتها، مدَّت مواعيدها استجابةً لمن طلب المدَّ، أحالت قرارها إلى آلةٍ لا تعرف الأسماء ولا تجامل. وثَّقت كل خطوة بتاريخها وساعتها. ثم خرجت بنتيجةٍ لا يستطيع أحدٌ أن يطعن في إجراءٍ واحدٍ من إجراءاتها.

ثم تخيَّل أن الناس لم يصدّقوها.

هنا يبدأ السؤال الذي يعنيني، لا لأن أحدًا أخطأ، بل لأن أحدًا لم يُخطئ، وسقط الأمر مع ذلك، وهذه أعقد الحالات وأجدرها بالتأمل. فالخطأ له علاج معروف: يُعتذَر عنه ويُصحَّح، أما أن يكون العمل مستقيمًا والثقة مهتزَّة، فتلك مسألةٌ من طبقةٍ أخرى، ولا تُعالَج بمزيدٍ من الاستقامة.
ذلك أن الإجراء الصحيح لا يدافع عن نفسه. هو صامتٌ بطبيعته. لا ينطق، ولا يشرح، ولا يشهد لنفسه، وقد ظننَّا طويلًا أن الحق كافٍ بذاته، وأن الصواب يفرض نفسه على العقول بمجرد وقوعه. وليس الأمر كذلك. الصواب يحتاج من يترجمه، كما تحتاج الموجة من يحوّلها إلى معنى.

البيان نصف العدل

عرَّف الجاحظ البيان بأنه كل ما كشف لك قناع المعنى، وهو تعريفٌ بديع، لأنه لا يجعل البيان زينةً تُضاف إلى المعنى بعد اكتماله، بل يجعله الكاشف الذي بغيره يظل المعنى مقنَّعًا، أي موجودًا وغائبًا في آنٍ واحد.

وقد فطن القضاة لهذا مبكرًا. فالقاضي لا يكفيه أن يحكم بالحق، بل يلزمه أن يُسبِّب حكمه. والتسبيب ليس تشكيكًا في عدله، بل هو تمام عدله. لأن العدل الذي لا يُبيَّن يُظنُّ ظلمًا، والظنُّ في هذا الباب يفعل ما يفعله اليقين.

ولذلك أقول — وأنا أزن الكلمة — إن الشفافية ليست فضيلةً أخلاقية تُضاف إلى العمل الإداري بعد إتقانه. هي شرطٌ في صحته. مثل التسبيب في الحكم. ومثل الصوت في السماع: لا قيمة لموجةٍ لا تبلغ العتبة، ولو كانت في ذاتها موجةً سليمة.

ثلاثمائة نافذة

وأضرب مثلًا يعنيني كثيرًا، وأحسبه يلخص هذا كله.
تُتاح لإنسانٍ ثلاثمائة نافذة ليختار منها ما يشاء. ثلاثمائة، لا ثلاث ولا ثلاثين. ثم يُفتَح الباب، فإذا كثيرون منهم لم يفتحوا إلا نافذةً واحدة. واحدة من ثلاثمائة. ثم يخرجون فلا يجدون ما أرادوا.

فما تفسير ذلك؟

التفسير الأول، وهو الأسهل والأشيع: أنهم قصَّروا. وهو تفسيرٌ لا يخلو من وجه، لكنه يقف عند سطح الأمر.

والتفسير الثاني، وهو ما أذهب إليه: أن الغرفة كانت مظلمة. ومن لا يرى ما وراء النافذة لا يجد سببًا لفتحها.

الاختيار لا يُمارَس في الفراغ. هو ابنُ المعرفة. فإذا غابت المعرفة صار الاختيار رجمًا بالغيب، والرجم بالغيب لا يُسمَّى اختيارًا وإن اتخذ صورته.

هذه هي المفارقة التي ينبغي أن نتعلمها: أن سعة الخيار لا تصنع حريةً وحدها. الحرية تحتاج شيئين معًا: بابًا مفتوحًا، وضوءًا يُري ما وراءه. فإذا أعطيتَ الباب ومنعتَ الضوء، فقد أعطيتَ صورة الحرية ومنعتَ حقيقتها. ثم تعجَّبتَ بعد ذلك لماذا لم يخرج الناس.

ومن هنا قاعدةٌ أراها لازمة: من احتكر المعلومة تحمَّل مسؤولية ما يترتب على جهل الآخرين بها. فاختلال المعرفة بين طرفين ليس أمرًا محايدًا؛ إنه ينقل العبء كله إلى الطرف العارف. لأنه وحده كان يستطيع أن يمنع سوء الاختيار، ولم يفعل.

أن تسمع وأن تُنصت يبقى بعد ذلك أدقُّ ما في الباب.

المؤسسة التي تعدُّ الشكاوى الواردة إليها تسمع. والتي تسأل لماذا وصلت هذه الشكاوى تُنصت. والفرق بينهما هو الفرق بين الأذن والدماغ: الأولى تسجّل الموجة، والثانية تستخرج المعنى.

ولأن السمع فعلٌ سهل والإنصات فعلٌ شاق، فإن أكثر المؤسسات تكتفي بالأول وتحسب أنها فعلت الثاني. تقول: لم يصلني إلا كذا شكوى. وهذا صحيح. لكن عدد الشكاوى مقياسٌ لما بلغ العتبة، لا لما وقع. وكم من ألمٍ لم يجد بابًا يطرقه فسكت، وسكوتُه ليس رضًا، بل عجزٌ عن العبور.

والذي أخشاه على الإدارة ليس أن تُخطئ. الخطأ وارد ومحسوب وله علاج. الذي أخشاه أن تُصيب ولا تُبيِّن، فتُتَّهم في نيتها وهي بريئة، ثم تنشغل بالدفاع عن براءتها عن التفكير فيما ينبغي تطويره فتخسر مرتين: خسرت الثقة، وخسرت الوقت الذي كان ينبغي أن تُصلح فيه.

وقد قال ربنا في محكم تنزيله: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ». والمشاورة في جوهرها اعترافٌ بأن الرأي الصائب قد يأتي من خارج الجهاز الذي أنتج القرار، وأن من يقع عليه الأثر يعرف من الأثر ما لا يعرفه من قرَّر. وهي ليست تنازلًا من صاحب السلطة، بل توسيعٌ لعتبة سمعه.

في أن الضوء أرخص من الجدل

وأختم بما أراه خلاصةً عملية لا تأمُّلًا مجردًا.

إن أرخص ما تملكه أي إدارة هو المعلومة. لا تُكلّف موازنةً، ولا تحتاج تشريعًا، ولا تنتظر دورةً مالية، ومع ذلك فإن الامتناع عنها أغلى ما تدفعه، لأن ثمنه يُدفَع من الثقة، والثقة لا تُشترى بميزانية ولا تُستردُّ بقرار.

والمؤسسة التي تُبيِّن قد تُناقَش، والتي تصمت تُتَّهم. وبين المناقشة والاتهام تقع المسافة كلها بين إدارةٍ تتطور وإدارةٍ تتحصَّن.

فلنقل إذن ما ينبغي أن يُقال في وضوح: لا يكفي أن نفتح ثلاثمائة نافذة. علينا أن نُضيء الغرفة.

Articles similaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Bouton retour en haut de la page