الكاميرون تمتلك فائضًا في إنتاج الكهرباء.. لكن أزمة الشبكة تعرقل وصولها للمستهلكين

Écrit par : Ayman Ragab
لم تعد أزمة الكهرباء في الكاميرون تتمثل في نقص القدرة الإنتاجية، بعدما دخلت عدة مشروعات كهرومائية ضخمة الخدمة ورفعت القدرة المركبة إلى ما يقارب 2000 ميغاواط. إلا أن المشكلة انتقلت إلى شبكة النقل والتوزيع، حيث تؤدي البنية التحتية المتهالكة، والخسائر الفنية، وسوء التحصيل المالي إلى استمرار انقطاع التيار، خاصة في العاصمة الاقتصادية دوالا.
وشهدت دوالا في 29 مارس 2025 انقطاعًا واسعًا للكهرباء استمر 12 ساعة بسبب أعمال صيانة على خط النقل الرئيسي المغذي للمدينة، ما أدى إلى توقف المناطق الصناعية ومصانع الأغذية وبعض المستشفيات، في حين ظلت السدود تعمل بشكل طبيعي وكانت الكهرباء متوفرة، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى المستهلكين.

وفي يناير 2026، أكد وزير الطاقة أن الشبكة الجنوبية المترابطة، التي تغذي المدينتين الرئيسيتين ومعظم الأنشطة الاقتصادية، تمتلك قدرة إنتاجية تبلغ 1536 ميغاواط، مقابل طلب وطني يبلغ 1206 ميغاواط. ورغم هذا الفائض النظري، لا تزال الانقطاعات الكهربائية مستمرة، وتعد المصانع في دوالا الأكثر تضررًا.
وعلى مدار نصف قرن، كان التحدي الرئيسي يتمثل في نقص القدرة الإنتاجية، إلا أن تشغيل محطة ناختيغال بقدرة 420 ميغاواط بكامل طاقتها خلال عام 2025، إلى جانب مساهمة محطة لوم بانغار في تنظيم تدفقات نهر ساناغا، وإضافة محطة ميمفيلي 211 ميغاواط، أنهى أزمة الإنتاج، ونقل المشكلة إلى شبكات النقل والتوزيع.
وتشير دراسة أعدتها هيئة تنظيم قطاع الكهرباء ARSEL ونشرت في أكتوبر 2022 إلى أن الشبكة تفقد 6.48% من الكهرباء أثناء النقل و28.5% أثناء التوزيع، مع استهداف خفض هذه النسب إلى 5% و14% على التوالي بحلول عام 2031. كما يؤكد برنامج “مهمة 300” المدعوم من البنك الدولي أن كفاءة شبكة التوزيع تبلغ حاليًا 73%، ومن المستهدف رفعها إلى 88% بحلول عام 2030، ما يعني أن ما يقرب من ثلث الكهرباء المنتجة لا يصل إلى العدادات.

كما عانت محطة ميمفيلي لسنوات من التشغيل بأقل من طاقتها الإنتاجية بسبب نقص خطوط النقل، فيما يشكل خط إيديا – دوالا أحد أبرز الاختناقات، إذ ينقل 540 ميغاواط فقط، بينما تحتاج المنطقة إلى 671 ميغاواط.
وعند توقف محطتي ديبامبا وليمبي الحراريتين، ترتفع أحمال محول لوغبابا إلى 140% من سعته التصميمية، ومحول بيكوكو إلى 120%، ما يدفع شركة التوزيع إلى فصل التيار عن كبار المستهلكين، وعلى رأسهم المصانع.
ولا تزال الشبكة الكهربائية في الكاميرون منقسمة بين شمال البلاد وجنوبها، حيث لا يوجد ربط يسمح بنقل فائض الكهرباء الكهرومائية إلى الشمال الذي يعتمد بدرجة أكبر على المحطات الحرارية. كما لا يزال مشروع الربط الداخلي قيد الدراسة، بالتوازي مع مشروع ربط إقليمي مع تشاد بتكلفة 557.5 مليار فرنك أفريقي.
وتواجه الشبكة أيضًا خسائر كبيرة نتيجة سرقة الكهرباء، إذ تقدر الحكومة قيمة الاحتيال بأكثر من 60 مليار فرنك أفريقي سنويًا، أي نحو 100 مليون دولار أمريكي. وكشفت حملة تفتيش في يونيو الماضي عن 3000 حالة خلال ثلاثة أسابيع في ياوندي ودوالا، فيما أسهمت إجراءات الرقابة، منذ عودة شركة التوزيع إلى القطاع العام، في استرداد نحو 24 مليار فرنك أفريقي فقط، وهو جزء محدود من حجم الخسائر.

وتزيد الأزمة المالية من تعقيد أوضاع القطاع. فلم تتغير تعريفة الكهرباء للمنازل منذ عام 2012، وكانت شركة إينيو، التي أعيد تأميمها في مايو 2026 تحت اسم سوكاديل بعد استحواذ الدولة على صندوق أكتيس البريطاني، مدينة لشركة النقل سوناتريل بنحو 273 مليار فرنك أفريقي خلال عام 2025. كما يواجه مشغل محطة ناختيغال متأخرات تقدر بنحو 70 مليار فرنك، مع فواتير شهرية جديدة تقارب 10 مليارات فرنك، بينما تتفاوض الحكومة على تسهيل ائتماني بقيمة 100 مليار فرنك لضمان سداد مستحقات المشروع. وفي يناير 2025، خفضت شركة غلوبليك إنتاج محطتيها الحراريتين، اللتين توفران خُمس إنتاج الكهرباء في البلاد، بسبب تأخر سداد المستحقات.
ورغم هذه الاستثمارات، لا يزال نحو ثلث سكان الكاميرون خارج نطاق شبكة الكهرباء، كما أن ارتفاع تكاليف التوصيل والأجهزة والفواتير يدفع كثيرًا من الأسر إلى الاعتماد على الحطب والفحم في الطهي، وهو ما ينعكس على الصحة العامة، إذ تربط منظمة الصحة العالمية ملايين الوفيات المبكرة سنويًا بتلوث الهواء داخل المنازل.
وتشبه الأزمة في الكاميرون ما تشهده نيجيريا، حيث لم تعد المشكلة في إنشاء محطات جديدة، بل في ضمان نقل الكهرباء وتحصيل قيمتها. ويرى خبراء أن نجاح مبادرة “مهمة 300″، التي تستهدف توصيل الكهرباء إلى 300 مليون أفريقي بحلول عام 2030، سيتوقف على تطوير شبكات النقل والتوزيع وإصلاح المنظومة المالية، وليس فقط على بناء محطات إنتاج جديدة.
وفي المقابل، حقق مشروع توصيل الكهرباء إلى المناطق الريفية، المدعوم من البنك الدولي، نتائج إيجابية، بعدما نجح في توصيل الكهرباء إلى 163 ألف وحدة خلال 20 شهرًا عبر نظام تقسيط رسوم التوصيل، قبل أن يرفع مستهدفه إلى أكثر من 234 ألف وحدة. كما افتتح برنامج إصلاح قطاع الكهرباء أكاديمية إقليمية للطاقة في ياوندي خلال أبريل لتدريب الكوادر الفنية والإدارية.
ويؤكد التقرير أن الكاميرون أثبتت قدرتها على بناء السدود الكهرومائية، لكن التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة سيكون في تحديث شبكات النقل والتوزيع، وصيانة المحولات، وتحسين التحصيل المالي، بما يضمن وصول الكهرباء يوميًا إلى المستهلكين ودعم خطط التصنيع والتنمية الاقتصادية.



