حوكمة الذكاء الاصطناعي.. 80% من المؤشرات الإفريقية تفتقر إلى إطار قانوني

Écrit par : Ayman Ragab
تُضاعف القارة الإفريقية مبادراتها في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، لكن لا تزال هناك فجوة كبيرة بينها وبين الاقتصادات الأكثر تقدماً. يُسلط المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول 2026 الضوء على التقدم التنظيمي المُحرز في العديد من الدول الإفريقية، مع التأكيد على أن العقبات الرئيسية تكمن الآن في القدرات المؤسسية والمهارات الرقمية والبنية التحتية. ويتجاوز هذا التحول كونه مسألة تكنولوجية بحتة ليصبح مسألة تنمية اقتصادية.
يُرسّخ الذكاء الاصطناعي مكانته تدريجيًا كمحرك رئيسي للتنافسية في الاقتصادات الأفريقية. مع ذلك، لا تزال قدرة الدول على تنظيم تطويره متفاوتة بشكل كبير. يُظهر المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول لعام 2026، الصادر عن المركز العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، أن أفريقيا لا تزال المنطقة ذات أدنى متوسط نقاط على المؤشر العالمي، حيث بلغ 21.79 من 100، مقارنةً بمتوسط عالمي قدره 35. ويشير التقرير أيضًا إلى أن هذه الصورة السريعة تُخفي الإصلاحات الجارية في العديد من دول القارة.
بحسب التقرير، لم تعد القضية الأساسية هي تبني مبادئ الحوكمة، التي تحظى بقبول دولي واسع، بل ترجمتها إلى سياسات عامة عملية. ويرى معدّو التقرير أن التفاوتات الملحوظة تعكس اختلافات في القدرات الإدارية والفنية والمالية أكثر من كونها تعكس تباينات في الطموح السياسي.

يُعد هذا التمييز أساسياً لفهم مسارات التطور في أفريقيا. تمتلك العديد من الحكومات الآن استراتيجيات رقمية أو مشاريع تنظيمية، لكنها لا تزال تكافح من أجل إنشاء المؤسسات وآليات الرقابة والموارد البشرية اللازمة لتنفيذ هذه النصوص.
لا يزال التقدم التنظيمي محدوداً
ومع ذلك، يسلط التقرير الضوء على العديد من التطورات المهمة. فقد اعتمدت خمس دول أفريقية – ساحل العاج وإثيوبيا وليبيا والمغرب ونيجيريا – مؤخراً تدابير جديدة تتعلق بأمن الذكاء الاصطناعي، مما يعكس وعياً متزايداً بالقضايا المتعلقة بالأنظمة الخوارزمية.
يأتي هذا التطور في وقتٍ تشهد فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشارًا سريعًا في القطاعات المالية والزراعية والرعاية الصحية والإدارية. ووفقًا لمؤلفي التقرير، باتت الحوكمة عاملًا متزايد الأهمية في جاذبية الاقتصاد، إذ يسعى المستثمرون إلى بيئات تنظيمية توفر قدرًا أكبر من اليقين القانوني والقدرة على التنبؤ.
ومع ذلك، تسلط الوثيقة الضوء أيضاً على أن 4.68% فقط من المؤشرات الأفريقية التي تم تقييمها مشمولة حالياً بأطر قانونية ملزمة بالكامل، في حين أن ما يقرب من 79.5% لا تزال تفتقر إلى أي لوائح محددة.
وبعبارة أخرى، لا تزال القارة منخرطة في مرحلة من البناء المؤسسي حيث تتقدم النصوص بشكل أسرع من تنفيذها.
يتوافق هذا التشخيص مع تحليلات البنك الدولي. ففي تقريره “أفريقيا الرقمية: التحول التكنولوجي من أجل الوظائف” (2025)، يقدر البنك أن التقنيات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لن تتمكن من إحداث آثارها الاقتصادية إلا إذا اقترنت باستثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية والمهارات وجودة المؤسسات.

وفقًا للبنك الدولي، أصبح التحول الرقمي الآن محركًا رئيسيًا لخلق فرص العمل وتحسين الإنتاجية والتكامل الإقليمي، ولكنه يتطلب بيئة تنظيمية موثوقة لتعزيز الابتكار مع الحد من المخاطر المتعلقة بالبيانات الشخصية أو التحيز الخوارزمي أو الأمن السيبراني.
يتوصل المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول إلى نتيجة مماثلة. فبحسب هذه الدراسة، فإن الدول التي تحقق أسرع تقدم هي تلك القادرة على تنسيق سياساتها الرقمية واستراتيجيات التدريب وآليات الحوكمة العامة في آن واحد.
إحباط الطموحات
يؤكد التقرير على نقطة غالباً ما تكون أقل وضوحاً: ضعف القدرات المؤسسية هو حالياً العقبة الرئيسية أمام تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول في أفريقيا.
تحتاج الإدارات العامة إلى متخصصين قادرين على تقييم الأنظمة الخوارزمية، ومراقبة امتثالها، وحماية البيانات الشخصية، وضمان شفافية القرارات الآلية.
إلا أن الموارد البشرية المتخصصة محدودة في العديد من الدول الأفريقية، مما يبطئ تطبيق اللوائح، حتى في حال وجودها.
كما يسلط بنك التنمية الأفريقي الضوء على هذه القضية في استراتيجيته العشرية 2024-2033، والتي تجعل من تطوير المهارات الرقمية والابتكار والحوكمة ركيزة أساسية للتحول الاقتصادي للقارة.
ووفقاً لبنك التنمية الأفريقي، فإن تعزيز رأس المال البشري أمر ضروري لتمكين الاقتصادات الأفريقية من الاستفادة الكاملة من التقنيات الناشئة.
يذكرنا التقرير ضمنياً بأن إدارة الذكاء الاصطناعي أصبحت عنصراً من عناصر المنافسة الدولية.
تتجه الشركات الدولية بشكل متزايد إلى تفضيل الأسواق التي يتم فيها وضع قواعد واضحة تتعلق باستخدام البيانات، ومسؤولية الأنظمة الآلية، والأمن السيبراني.
بالنسبة للاقتصادات الأفريقية، فإن هذا التطور يغير المحددات التقليدية لجاذبية الاستثمار.

لا تزال جودة البنية التحتية الرقمية مهمة، لكنها لم تعد كافية. كما يُقيّم المستثمرون استقرار الأنظمة، والحماية القانونية، وقدرة المؤسسات على إنفاذ القواعد.
من هذا المنظور، فإن التقدم الذي أحرزته العديد من الدول الأفريقية ليس غاية في حد ذاته بقدر ما هو إشارة إلى الأسواق الدولية.
نحو السيادة الرقمية الإفريقية
وبعيداً عن الجوانب التنظيمية، يفتح التقرير نقاشاً أوسع حول السيادة الرقمية للقارة.
يعتمد الذكاء الاصطناعي على البيانات وقوة الحوسبة والبنية التحتية التكنولوجية التي يهيمن عليها إلى حد كبير اللاعبون الدوليون.
بالنسبة للعديد من الدول الأفريقية، يتمثل التحدي بالتالي في منع التحول الرقمي من إعادة إنتاج أشكال التبعية الاقتصادية التي لوحظت بالفعل في قطاعات أخرى.
يؤكد البنك الدولي أن إنشاء النظم البيئية الرقمية المحلية، ودعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، والاستثمار في البحث العلمي، هي شروط أساسية لزيادة القيمة المضافة المنتجة في القارة.
وعلى نفس المنوال، يعتقد بنك التنمية الأفريقي أن تطوير الاقتصاد الرقمي يجب أن يصاحبه رفع مستوى المهارات الأفريقية بحيث يتم تصميم الابتكارات وتكييفها وإدارتها محلياً.



