اقتصاد الصحة بإفريقيا.. سوق بـ132 مليار دولار يراهن على التوسع رغم تحديات الدخل والبنية التحتية

Écrit par : Ayman Ragab
يُقدَّر الحد الأدنى لقيمة اقتصاد الصحة والعافية في إفريقيا بنحو 132 مليار دولار بحلول عام 2025، وفق تقرير استند إلى بيانات المعهد العالمي للعافية، ويُعد هذا الرقم تقديراً أولياً وليس شاملاً، إذ يجمع بين سوق إفريقيا جنوب الصحراء البالغة 94 مليار دولار، وأسواق مصر بقيمة 14.69 مليار دولار، والمغرب 10.22 مليار دولار، والجزائر 9.19 مليار دولار، وتونس 3.88 مليار دولار.
ويشير التقرير إلى أن المعهد يفصل بين إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما لا تتوفر بيانات قابلة للمقارنة عن ليبيا، ما يجعل من الصعب احتساب القيمة الكاملة للسوق الإفريقية.

ورغم ذلك، فإن هذا الحد الأدنى البالغ 132 مليار دولار لا يمثل سوى نحو 2% من اقتصاد الصحة والعافية العالمي، الذي بلغت قيمته 6.764 تريليون دولار في عام 2024، بحسب تقرير مرصد اقتصاد العافية العالمي 2025.
ضيق حجم السوق الرسمية
ويرى التقرير أن ضعف هذه الحصة لا يعكس انخفاض الطلب، بل يعود إلى ضيق حجم السوق الرسمية، وتراجع متوسط الإنفاق الفردي، وصعوبة قياس أنشطة العافية التي ما تزال ترتبط في كثير من الدول بالاقتصاد غير الرسمي والممارسات المجتمعية، وفق (وكالة إيكوفين).
وعلى خلاف الصورة التقليدية التي تربط اقتصاد العافية بالمنتجعات الفاخرة والفنادق الصحية، يعتمد السوق الأفريقي بشكل رئيسي على المنتجات والخدمات المرتبطة بالحياة اليومية. ويستحوذ قطاع مستحضرات التجميل والعناية الشخصية على أكبر حصة بقيمة 25.2 مليار دولار، يليه قطاع الأغذية الصحية والتغذية وإدارة الوزن بقيمة 21.3 مليار دولار.
كما تبلغ قيمة خدمات الوقاية والطب الشخصي 19.4 مليار دولار، بينما تصل قيمة خدمات النشاط البدني إلى 12.8 مليار دولار، وتشكل هذه القطاعات الأربعة العمود الفقري لاقتصاد العافية في أفريقيا، بفضل ارتفاع الطلب عليها، واتساع قنوات توزيعها، وقدرتها على تلبية احتياجات صحية وجمالية واجتماعية في آن واحد.
وفي العديد من الأسواق الإفريقية، تحظى منتجات العناية بالبشرة منخفضة التكلفة، والمكملات الغذائية، والاشتراكات الرياضية بقاعدة عملاء أوسع من المنتجعات الصحية أو برامج الإقامة العلاجية.
وتتصدر جنوب أفريقيا أسواق العافية في القارة بقيمة 25.38 مليار دولار، تليها مصر بـ14.69 مليار دولار، ثم المغرب بـ10.22 مليار دولار، والجزائر بـ9.19 مليار دولار، ونيجيريا بـ8.78 مليار دولار، وكينيا بـ8.38 مليار دولار، ثم تونس وتنزانيا وغانا وأنغولا.
ويشير التقرير إلى أن انخفاض متوسط الإنفاق الفردي يشكل أحد أبرز التحديات أمام القطاع، إذ لا يتجاوز متوسط الإنفاق على الصحة والعافية في أفريقيا جنوب الصحراء 73 دولاراً للفرد سنوياً، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 831 دولاراً، وهو ما يحد من انتشار الخدمات والمنتجات مرتفعة التكلفة.
ولهذا، تعتمد الشركات على استراتيجيات تقوم على العبوات الصغيرة، والأسعار المناسبة، والتصنيع المحلي كلما أمكن، إضافة إلى توزيع المنتجات عبر الصيدليات، ومحال السوبر ماركت، وصالونات التجميل، والمتاجر المستقلة، ومنصات التواصل الاجتماعي.
مستقبل القطاع في إفريقيا لن يعتمد على استنساخ النماذج العالمية
وفي المقابل، يرى التقرير أن دمج خدمات التجميل مع التغذية الوظيفية، والعناية بالنوم، والخدمات الصحية قد يرفع القيمة المضافة لكل مستهلك، وهو اتجاه تؤكده أيضاً دراسة “حالة الجمال 2026” الصادرة عن شركة ماكينزي.
ويؤكد التقرير أن مستقبل القطاع في أفريقيا لن يعتمد على استنساخ النماذج العالمية، وإنما على تكييفها مع مستويات الدخل، والعادات المحلية، وطبيعة الأسواق غير الرسمية.

ورغم هيمنة جنوب إفريقيا على السوق، فإن دولاً أخرى تسجل معدلات نمو متسارعة، فقد حققت ساحل العاج أعلى معدل نمو سنوي خلال الفترة بين 2019 و2024 بنسبة 8.9% بالدولار، تليها المغرب بنسبة 8.6%، ثم تنزانيا بنسبة 6.9% وتونس بنسبة 6%.
ويعزو التقرير هذا النمو إلى توسع الطبقة الحضرية، خاصة في غرب أفريقيا، إضافة إلى ازدهار السياحة والخدمات المتميزة في المغرب وتونس وبعض الوجهات الجزرية.
في المقابل، تكشف نيجيريا عن تأثير تقلبات أسعار الصرف على تقييم السوق، إذ انكمش اقتصاد العافية فيها بمعدل 7.6% سنوياً عند احتسابه بالدولار، بينما سجل نمواً بنسبة 26.5% بالعملة المحلية، ما يعكس ارتفاع الاستهلاك المحلي بالتزامن مع تراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع تكلفة الواردات.
ويبرز التقرير أيضاً الدور المتنامي للسياحة العلاجية، التي يُتوقع أن تتراوح قيمتها في أفريقيا جنوب الصحراء بين 8.2 و9 مليارات دولار خلال 2024. ورغم أن حجمها لا يزال أقل من قطاعات التجميل والتغذية، فإنها سجلت نمواً بلغ 18.4% خلال عام واحد، فيما ارتفع عدد المنتجعات الصحية بنسبة 23%، والينابيع الحرارية والمعدنية بنسبة 18.6%.
ويستفيد هذا النشاط من انتعاش السياحة في القارة، حيث استقبلت أفريقيا 81 مليون سائح دولي خلال 2025، بزيادة 8%، فيما سجلت شمال أفريقيا نمواً بلغ 11%، واستمر هذا الاتجاه خلال الربع الأول من 2026 بارتفاع عدد الوافدين بنسبة 4%.
ويتيح هذا القطاع للمستثمرين تحقيق إيرادات بالعملات الأجنبية، ورفع متوسط الإنفاق لكل زائر، من خلال الجمع بين الإقامة والعلاجات والأنشطة البدنية والتجارب الثقافية، لكنه يظل أكثر عرضة لتقلبات تكاليف السفر والأوضاع الأمنية والدورات الاقتصادية العالمية.
وفي جانب آخر، يسلط التقرير الضوء على الفجوة الكبيرة في مجال الصحة النفسية، إذ لا تتجاوز قيمة سوقها في أفريقيا جنوب الصحراء 3.03 مليار دولار، رغم أن نحو 150 مليون شخص في الإقليم الأفريقي لمنظمة الصحة العالمية يعانون اضطرابات نفسية، في حين لا تخصص سوى تسع دول فقط موازنات مستقلة لهذا القطاع.
ويرى التقرير أن اتساع حجم الاحتياجات لا يعني بالضرورة وجود سوق قادرة على تمويل الخدمات، لذلك تبدو النماذج الأكثر استدامة هي تلك التي تعتمد على تمويل أصحاب العمل، وشركات التأمين، وشركات الاتصالات، أو المؤسسات الصحية، بدلاً من الاعتماد المباشر على إنفاق الأسر.
كما يشير التقرير إلى أن الهواتف المحمولة تمثل قناة مهمة لتوسيع الخدمات، خاصة مع مساهمة قطاع الاتصالات المتنقلة بنحو 240 مليار دولار في الاقتصاد الأفريقي خلال 2025، وفق جمعية GSMA، إلا أن نحو مليار أفريقي لا يزالون خارج نطاق الإنترنت عبر الهاتف المحمول، ما يحد من فعالية النماذج الرقمية القائمة على التطبيقات فقط.
ولذلك، يدعو التقرير إلى دعم الخدمات الرقمية بقنوات أخرى، مثل مراكز الاتصال، وتطبيق واتساب، والشبكات التقليدية، والشراكات مع أصحاب العمل والموزعين، مؤكداً أن النجاح التجاري يعتمد بدرجة أكبر على خفض تكلفة الوصول إلى العملاء وبناء الثقة، وليس فقط على التطور التكنولوجي.

وفي الوقت نفسه، بدأ المستثمرون يتجهون نحو القطاعات المرتبطة بالصحة، إذ يتوقع تقرير Partech أن يبلغ تمويل شركات التكنولوجيا الأفريقية 4.1 مليار دولار خلال 2025، بينما استقطب قطاع التكنولوجيا الصحية 224 مليون دولار عبر 51 صفقة، مسجلاً نمواً بنسبة 232%.
كما يرى التقرير أن الطب التقليدي يمتلك فرصاً كبيرة للتحول إلى نشاط اقتصادي أكثر تنظيماً، شريطة تعزيز معايير الجودة، وإمكانية التتبع، والاستناد إلى الأدلة العلمية، بما يتوافق مع الاستراتيجية العالمية للطب التقليدي 2025-2034 الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، والتي تركز على السلامة والتنظيم والدمج في الأنظمة الصحية.
ويخلص التقرير إلى أن مستقبل اقتصاد العافية في أفريقيا سيتشكل عبر ثلاثة مسارات متوازية: منتجات منخفضة التكلفة تستهدف الأسواق الحضرية، وخدمات متميزة تعتمد على السياحة، وحلول صحية تُوزع عبر مؤسسات مثل شركات التأمين وأصحاب العمل. ويرى أن نجاح هذا القطاع لن يعتمد على استيراد النماذج العالمية، بل على تكييفها مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي للقارة، بما يسمح بتحويل سوق لا تزال محدودة عالمياً إلى صناعة أفريقية منظمة ومستدامة.



