غانا تقود ملف العدالة التعويضية.. أكرا تحوّل ذاكرة الرق إلى أجندة دولية للإصلاح

Écrit par : Ayman Ragab
مؤتمر رفيع المستوى يضع خارطة طريق لتنفيذ قرار الأمم المتحدة بشأن تعويض ضحايا الرق
استضافت غانا، على مدى ثلاثة أيام، المؤتمر الاستشاري رفيع المستوى حول “الخطوات التالية” لتنفيذ قرار الأمم المتحدة التاريخي بشأن الاتجار بالأفارقة المستعبدين، وعكست أماكن انعقاد المؤتمر رمزية الحدث، حيث جرت المداولات الفنية في وزارة الخارجية، وعُقدت الجلسة رفيعة المستوى في فندق كمبينسكي غولد كوست سيتي، بينما أقيم احتفال بيوم التحرير في قلعة كريستيانسبورغ (قلعة أوسو)، وهي حصن يعود إلى القرن السابع عشر على ساحل المحيط الأطلسي، وكان أحد المراكز الرئيسية لتجارة الرقيق.
من الذاكرة إلى العمل المؤسسي
جسّد المؤتمر انتقالًا من الدبلوماسية إلى الدعم السياسي ثم إلى المحاسبة التاريخية، حيث سعت أكرا إلى تحويل الذاكرة الأفريقية المشتركة إلى أجندة مؤسسية لتحقيق العدالة التعويضية، بدلاً من الاكتفاء بإحياء الذكرى.

وجاء الاجتماع عقب اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مارس/آذار 2026، قرارًا قادته غانا يعترف بالاتجار بالأفارقة المستعبدين واستعبادهم العنصري باعتباره أخطر جريمة ضد الإنسانية، ويدعو إلى تقديم تعويضات. وحظي القرار بتأييد 123 دولة، مقابل 3 أصوات معارضة وامتناع 52 دولة عن التصويت، من بينها المملكة المتحدة وعدد من دول الاتحاد الأوروبي. ورغم أن القرار غير ملزم قانونيًا، فإنه عزز حضور قضية التعويضات في الخطاب الدبلوماسي الدولي.
إطار عالمي من 19 نقطة للعدالة التعويضية
وسعت غانا إلى البناء على هذا الزخم من خلال اعتماد القادة الأفارقة والكاريبيين إطارًا عالميًا من 19 نقطة للعدالة التعويضية، يتضمن المطالبة باعتذارات رسمية وغير مشروطة، وتعويضات عادلة، وإعادة الممتلكات الثقافية والرفات البشرية، وإعفاء من الديون، ومساءلة قانونية، إلى جانب تدابير لمعالجة الآثار المستمرة للاستعباد والاستعمار والتمييز العنصري.
ويرى المشاركون أن هذا الإطار يتجاوز فكرة التعويضات المالية، ليطرح رؤية أشمل تقوم على الاعتذار، ورد الحقوق، والعدالة التنموية، والحفاظ على الذاكرة، والإصلاح القانوني، وإعادة النظر في بنية النظام الدولي الذي تشكل خلال حقبة الاستعمار.
ماهاما: التاريخ يحمّلنا المسؤولية لا الذنب
وأكد الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما أن العدالة التعويضية لا تهدف إلى تحميل الأجيال الحالية ذنب الماضي، بل إلى تحمل المسؤولية التاريخية ومعالجة آثارها المستمرة، قائلاً: “التاريخ لا يطلب منا أن نرث الذنب، بل يطلب منا أن نرث المسؤولية”.
وأشار إلى أن غانا، التي ربط زعيمها التاريخي كوامي نكروما استقلالها عام 1957 بتحرير أفريقيا بالكامل، تعود اليوم لتقود مسارًا جديدًا يتمثل في تدويل المطالبة الأفريقية بالعدالة التعويضية.
دبلوماسية تعويضية جديدة
وشهد المؤتمر الإعلان عن إنشاء ثلاث لجان عالمية، هي لجنة استشارية معنية بالعدالة التعويضية، ولجنة خبراء لاستعادة القطع الأثرية، ولجنة قانونية للعدالة التعويضية، بهدف الانتقال من مرحلة الاعتراف إلى التنفيذ.
وأكد ماهاما أن هذه اللجان ستدعم تحويل المطالب الأخلاقية إلى سياسات واستراتيجيات قانونية وآليات دبلوماسية قابلة للتطبيق.

تحالف إفريقي – كاريبي لتعزيز المطالب
برز التعاون بين أفريقيا ومنطقة الكاريبي باعتباره أحد أهم مخرجات المؤتمر، في ظل التاريخ المشترك الذي فرضته تجارة الرقيق عبر الأطلسي. ويهدف هذا التعاون إلى توحيد الجهود السياسية والقانونية للمطالبة بالتعويضات.
وفي هذا السياق، أُعلن عن دمج الجهود بين الاتحاد الأفريقي ومجموعة الكاريبي (كاريكوم) في وثيقة موحدة ستُعرض على الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة.
كما شددت رئيسة وزراء بربادوس ميا أمور موتلي على أهمية توحيد المواقف، مؤكدة أن “التعويض يأتي بعد الاعتراف”.
إشراك المجتمع المدني والخبراء القانونيين
وأكدت روث أوغبييكون، من اتحاد المحامين الأفارقة، أن إعداد الإطار التشاوري شمل ممثلين عن أفريقيا والشتات الأفريقي وحلفاء من خارج القارة، مشيرة إلى أن تحقيق العدالة التعويضية يتطلب تعاون الحكومات مع القانونيين والمؤرخين والنشطاء ومؤسسات المجتمع المدني.
الشتات.. من العودة إلى التأثير السياسي
وربط المؤتمر بين مبادرات غانا الخاصة بالشتات، مثل “عام العودة” و”ما بعد العودة”، وبين الحاجة إلى تحويل الارتباط العاطفي بالقارة إلى مشاركة سياسية وقانونية، من خلال ربط الذاكرة بالتشريعات، والانتماء بالمطالبة بالحقوق.
تحديات واعتراضات دولية
ورغم الزخم الذي حققه المؤتمر، لا تزال المطالبات بالتعويضات تواجه اعتراضات من بعض القوى الاستعمارية السابقة، إضافة إلى تحفظات أبدتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن بعض جوانب قرار الأمم المتحدة، خاصة ما يتعلق بإمكانية تطبيق القانون الدولي بأثر رجعي أو إنشاء تدرج بين الجرائم ضد الإنسانية.
ومع ذلك، يرى المشاركون أن هذه التحفظات لا تلغي السؤال الأساسي، وهو ما إذا كان يمكن معالجة أوجه عدم المساواة العالمية الحالية دون مواجهة التاريخ الذي أسهم في صنعها.
رسالة أكرا
خلص المؤتمر إلى أن العدالة التعويضية تمثل مرحلة جديدة من مسيرة التحرر الأفريقي، لم تعد تقتصر على الاستقلال السياسي، بل تشمل الحقيقة التاريخية، والعدالة الاقتصادية، واستعادة التراث الثقافي، وإصلاح النظام الدولي.
وأكدت الرسالة الختامية للمؤتمر أن مجرد التذكر أو الاعتراف بالماضي لم يعد كافيًا، وأن المطلوب هو تحويل إرث العبودية والاستعمار إلى مسار للإصلاح والعدالة، باعتباره أساسًا لبناء نظام دولي أكثر إنصافًا.



