
Written by: Ayman Ragab
أصبحت بعض السمات شبه ثابتة في بطولات كأس العالم: الأغاني الحماسية لشاكيرا، وظهور “قصة الحصان الأسود” لفريق غير متوقع (كما حدث مع كرواتيا في 2018 والمغرب في 2022)، إضافة إلى الجدل المتكرر حول الهوية الوطنية، والذي غالباً ما يُوجَّه إلى لاعبي كرة القدم الأوروبيين من أصول إفريقية.
فبعد إضاعة ركلتي ترجيح خلال خسارة فرنسا أمام الأرجنتين في نهائي كأس العالم 2022، تعرض أوريليان تشواميني وكينغسلي كومان، وكلاهما من اللاعبين السود، لانتقادات طالت هويتهما الفرنسية، إلى جانب سيل من الإساءات العنصرية عبر الإنترنت، كما واجه ماريو بالوتيلي، المنحدر من أصول غانية، تجربة مشابهة عقب خروج إيطاليا من دور المجموعات في مونديال 2014.
لاعبون أفارقة بمنتخبات أوروبية في كأس العالم
وتجلت هذه المشاعر العدائية أيضاً في هتاف ساخر ردده مشجعو الأرجنتين ضد فرنسا خلال كأس العالم 2022، ثم أعاده المنتخب الأرجنتيني بعد عامين، في إشارة إلى أصول لاعبي فرنسا الأفريقية.
ومن المتوقع أن تتكرر مثل هذه الخطابات مع مشاركة 48 منتخباً في كأس العالم 2026، الذي سيشهد حضور عدد كبير من اللاعبين الأوروبيين ذوي الأصول الإفريقية، سواء من النجوم الحاليين مثل بوكايو ساكا من إنجلترا، وكيليان مبابي وعثمان ديمبيلي من فرنسا، أو من المواهب الصاعدة مثل لامين يامال من إسبانيا، وجيريمي دوكو من بلجيكا، وريان شرقي من فرنسا.

ويعود وجود اللاعبين الأوروبيين من أصول إفريقية في كأس العالم إلى ثلاثينيات القرن الماضي، ومن أوائلهم راؤول ديانيه ذو الأصول السنغالية، أول لاعب أسود يمثل فرنسا، لكن موجات الهجرة الإفريقية بعد الاستعمار، بدءاً من خمسينيات القرن العشرين، خصوصاً مع نقص العمالة بعد الحرب العالمية الثانية في دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة، ساهمت في بروز هذا الحضور بشكل أكبر، وفي هذا السياق، هاجر أوزيبيو دا سيلفا فيريرا من موزمبيق إلى البرتغال عام 1960، وتألق في كأس العالم 1966، محققاً جائزة الحذاء الذهبي.
وفي تسعينيات القرن الماضي، شهدت أوروبا موجة هجرة جديدة بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية في إفريقيا، ومن بين هؤلاء المهاجرين فاطمة نصراوي، جدة لامين يامال، التي انتقلت من طنجة إلى إسبانيا عام 1990 واستقرت في برشلونة.
وقد انعكست هذه الهجرات على كرة القدم العالمية، كما ظهر جلياً في فوز فرنسا بكأس العالم 1998 بفريق متنوع عرقياً ضم لاعبين من أصول إفريقية مثل زين الدين زيدان وباتريك فييرا ومارسيل ديسايي، وهو الفريق الذي أُطلق عليه لقب “بلاك-بلان-بور” (أسود-أبيض-عربي).
عنصرية رغم اللعب بإخلاص
غير أن هذا التنوع لم يحظَ بقبول الجميع، إذ انتقده السياسي الفرنسي اليميني المتطرف جان ماري لوبان، معتبراً أن الفريق لا يمثل فرنسا “الحقيقية”، في خطاب يعكس جذور النظرة العنصرية التي ما تزال تلاحق اللاعبين من أصول أفريقية. في المقابل، نادراً ما يتعرض اللاعبون البيض من أصول غير أوروبية لمثل هذه الانتقادات.
وبعيداً عن العنصرية، تعكس هذه الظاهرة صعوبة تقبل مفهوم الهوية الوطنية المتعددة في العالم المعاصر، فضلاً عن تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين في أوروبا وأمريكا الشمالية، بما في ذلك سياسات مثل قيود التأشيرات التي فرضتها إدارة ترامب على نحو 20 دولة أفريقية، والتي قد تؤثر على مشاركة بعض اللاعبين في كأس العالم 2026 المقام في كندا والمكسيك والولايات المتحدة.
ورغم هذه التحديات، يبرز اللاعبون الأوروبيون من أصول أفريقية كأحد أبرز نجوم مونديال 2026، حيث يقدم العديد منهم نماذج مختلفة للتعامل مع هوياتهم المتعددة:
ألكسندر إيساك | السويد (إريتريا)
وُلد في ستوكهولم لأبوين إريتريين هاجرا في ثمانينيات القرن الماضي، يعتبر نفسه مرتبطاً بكلا البلدين، وصرّح عام 2025 بأن لكل منهما مكانة خاصة لديه، ورغم الإصابات، يظل أبرز لاعبي السويد في مشاركتها الثالثة عشرة في كأس العالم.

جيريمي دوكو | بلجيكا (غانا)
وُلد في أنتويرب لأبوين غانيين، ويؤكد ارتباطه بثقافته الأصلية، حيث يتحدث لغة التوي ويحافظ على علاقته بالمجتمع الغاني، ويأمل اللاعب البالغ من العمر 24 عاماً في تحقيق إنجاز مع بلجيكا في أول مشاركة له بالمونديال.

بوكايو ساكا | إنجلترا (نيجيريا)
وُلد في لندن لأبوين نيجيريين، وعبّر مراراً عن اعتزازه بجذوره، واعتبر اختياره تمثيل إنجلترا قراراً صعباً، وقد تعرض لإساءات عنصرية بعد نهائي يورو 2024، لكنه واصل التألق، وساهم في فوز أرسنال بالدوري الإنجليزي بعد 22 عاماً، ويُتوقع أن يكون عنصراً حاسماً في سعي إنجلترا للفوز بلقبها الأول منذ 1966.
ريان شرقي | فرنسا (الجزائر)
وُلد في ليون لأصول جزائرية وإيطالية، وأوضح أن ارتباطه بجذوره الجزائرية جاء نتيجة قربه من عائلة والدته، وقد أثار اختياره اللعب لفرنسا جدلاً، خاصة مع عدم تلقيه عرضاً رسمياً من الاتحاد الجزائري، ويأمل اللاعب البالغ من العمر 22 عاماً في ترك بصمة في أول مشاركة له بالمونديال.
عثمان ديمبيلي | فرنسا (موريتانيا/السنغال/مالي)
وُلد في فيرنون لأصول متعددة، وعبّر عن ارتباطه بجذوره من خلال مبادرات إنسانية، منها بناء مسجد في موريتانيا، وقد فاز بجائزة الكرة الذهبية 2025، ويطمح لتقديم أداء قوي مع المنتخب الفرنسي.

كيليان مبابي | فرنسا (الكاميرون/الجزائر)
وُلد لأب كاميروني وأم جزائرية، ونشأ في ضواحي باريس، أكد مراراً اعتزازه بأصوله وهويته الفرنسية، وصرح بأنه كان سيختار الكاميرون لو لم يلعب لفرنسا، كما انتقد اليمين المتطرف في بلاده ويسعى، بعد تتويجه في 2018 واقترابه في 2022، إلى إحراز لقب جديد في 2026.
لامين يامال | إسبانيا (المغرب/غينيا الاستوائية)
وُلد في كتالونيا لأب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، وواجه صعوبة في اختيار المنتخب، قبل أن يقرر تمثيل إسبانيا، وبعد تألقه في يورو 2024 وفوزه بلقب الدوري الإسباني مرتين مع برشلونة، يُنظر إليه كأحد أبرز نجوم المستقبل، وقد يكون له دور حاسم في سعي إسبانيا للفوز بلقبها الثاني.

في النهاية، تعكس هذه القصص التحديات التي يواجهها اللاعبون ذوو الأصول المتعددة، لكنها تؤكد أيضاً أن كرة القدم باتت مرآة لعالم أكثر تنوعاً وتعقيداً، حيث لم تعد الهوية مفهوماً ثابتاً، بل تجربة متعددة الأبعاد… نقلا عن OkayAfrica.



