Africa NewsAnalysis and ReportsSlider

The exodus of doctors from Africa: a brain drain threatens the future of healthcare on the continent.

25% أمراض يكافحها 4% من الأطباء

Written by: Mohammed Omran

في الوقت الذي تسابق فيه الدول الإفريقية الزمن لتحقيق التغطية الصحية الشاملة ومواجهة الأوبئة المتكررة، تواجه القارة تحديًا أكثر تعقيدًا يتمثل في هجرة الأطباء والعاملين في القطاع الصحي إلى الخارج، فلم تعد الظاهرة مجرد انتقال للعمالة الماهرة، بل تحولت إلى أزمة تنموية تهدد قدرة الأنظمة الصحية على تقديم أبسط الخدمات لمئات الملايين من السكان.

ومع استمرار الدول الغنية في استقطاب الأطباء الأفارقة لسد العجز في أنظمتها الصحية، تجد دول القارة نفسها أمام معادلة صعبة؛ فهي تنفق ملايين الدولارات على تعليم وتدريب الأطباء، قبل أن تخسرهم لصالح أسواق عمل توفر رواتب أعلى، وتجهيزات أفضل، وفرصًا أوسع للتخصص والبحث العلمي.

أرقام تكشف حجم الأزمة

بحسب تقرير “حالة القوى العاملة الصحية في إفريقيا 2026″، الصادر عن المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لإفريقيا، ارتفع عدد العاملين في القطاع الصحي بالقارة من 4.3 مليون في عام 2018 إلى نحو 5.72 مليون في عام 2024، بزيادة تجاوزت 33%.

ورغم هذا النمو، تؤكد المنظمة، أن إفريقيا لا تزال تمتلك 46 % فقط من القوى العاملة الصحية التي تحتاجها، بينما تشير التقديرات إلى استمرار عجز يبلغ نحو 5.85 مليون عامل صحي بحلول عام 2030 إذا استمرت معدلات التوظيف والهجرة الحالية.

وتكشف البيانات أيضًا مفارقة لافتة، إذ يوجد نحو 943 ألف عامل صحي مؤهل لا يعملون داخل الأنظمة الصحية، بسبب ضعف التمويل الحكومي وعدم توافر الوظائف، في الوقت الذي تعاني فيه مناطق واسعة من القارة نقصًا حادًا في الأطباء والممرضين.

قارة تتحمل ربع الأمراض العالمية

تكشف بيانات منظمة الصحة العالمية حجم الاختلال الذي تعانيه القارة، إذ تتحمل إفريقيا نحو 25% من عبء الأمراض العالمي، بينما لا تمتلك سوى 4% فقط من القوى العاملة الصحية في العالم، كما تستحوذ على أقل من 2% من الإنفاق الصحي العالمي.

ويعني ذلك أن الطبيب الإفريقي غالبًا ما يتعامل مع عدد أكبر من المرضى مقارنة بنظرائه في الدول المتقدمة، وهو ما يرفع معدلات الإرهاق المهني ويزيد من الرغبة في الهجرة.

لماذا يغادر الأطباء؟

رغم أن ارتفاع الرواتب يعد أحد أهم دوافع الهجرة، فإن الأسباب تتجاوز العامل المادي بكثير، ففي العديد من الدول الإفريقية، يعمل الأطباء داخل مستشفيات تعاني نقصًا في الأجهزة والأدوية، بينما يواجهون ضغطًا كبيرًا نتيجة قلة الكوادر الطبية وارتفاع أعداد المرضى.

كما تمثل محدودية فرص التدريب والتخصص، وضعف الحوافز، وعدم الاستقرار السياسي والأمني في بعض الدول، عوامل رئيسية تدفع آلاف الأطباء إلى البحث عن مستقبل مهني خارج القارة.

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن بيئة العمل أصبحت أحد أهم العوامل المؤثرة في قرار البقاء أو الهجرة، خصوصًا بين الأطباء الشباب.

من يستفيد من هجرة الأطباء؟

في المقابل، تعتمد دول مثل المملكة المتحدة وكندا والولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا بصورة متزايدة على استقطاب الكفاءات الطبية الأجنبية لمواجهة النقص في كوادرها الصحية الناتج عن شيخوخة السكان وارتفاع الطلب على الخدمات الطبية.

وتقدم هذه الدول برامج هجرة ميسرة للأطباء، ورواتب قد تزيد عدة أضعاف عما يحصل عليه الطبيب في كثير من الدول الإفريقية، فضلًا عن فرص البحث العلمي والتخصص والتطور المهني.

ويرى خبراء أن المنافسة العالمية على الكفاءات الطبية أصبحت أكثر شراسة بعد جائحة كورونا، وهو ما أدى إلى تسارع وتيرة هجرة الأطباء من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

نيجيريا.. أكبر نموذج لنزيف الكفاءات

تعد نيجيريا من أكثر الدول الإفريقية تأثرًا بالهجرة الطبية، وتشير تقارير صحية إلى أن البلاد تخرج ما يقارب 5 آلاف طبيب سنويًا، بينما يغادر آلاف منهم للعمل في الخارج، خاصة إلى المملكة المتحدة وكندا والولايات المتحدة.

وقد أدى ذلك إلى نقص واضح في المستشفيات الحكومية، وارتفاع العبء على الأطباء المتبقين، وإطالة قوائم انتظار المرضى، خاصة في المناطق الريفية.

وأصبح مصطلح “Japa”، الذي يستخدمه النيجيريون للدلالة على الهجرة، يعكس بصورة واضحة رغبة كثير من الأطباء في مغادرة البلاد بحثًا عن ظروف أفضل.

دول تعاني أكثر من غيرها

لا تقتصر الأزمة على نيجيريا، بل تمتد إلى عدد من الدول التي تواجه تحديات اقتصادية أو أمنية، مثل جنوب السودان وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى والنيجر ومالاوي ومدغشقر وليبيريا وسيراليون.

وتعاني هذه الدول من انخفاض شديد في كثافة الأطباء مقارنة بعدد السكان، ما يجعل الحصول على الرعاية الصحية الأساسية تحديًا يوميًا لملايين المواطنين.

من يدفع ثمن العجز؟

فمع انخفاض أعداد الكوادر الطبية، ترتفع فترات انتظار المرضى، وتتراجع جودة الخدمات الصحية، كما يصعب توفير الرعاية الطبية في المناطق الريفية والنائية.

وتزداد المشكلة تعقيدًا خلال الأوبئة والكوارث الصحية، حيث تصبح المستشفيات أقل قدرة على الاستجابة بسبب نقص الأطباء والممرضين.

كما يؤدي الضغط المتزايد على الأطباء المتبقين إلى ارتفاع معدلات الاحتراق الوظيفي، وهو ما يدفع المزيد منهم إلى التفكير في الهجرة، لتدخل الأنظمة الصحية في حلقة مفرغة.

هل المشكلة في الهجرة فقط؟

يرى خبراء الصحة أن تحميل الهجرة وحدها مسؤولية الأزمة يعد تبسيطًا للمشكلة، فالكثير من الدول الإفريقية لا توفر وظائف كافية للخريجين رغم حاجتها إليهم، بسبب محدودية الميزانيات، كما تعاني بعض الأنظمة الصحية من سوء توزيع الكوادر، حيث تتركز أعداد كبيرة من الأطباء في المدن الكبرى، بينما تظل المناطق الريفية محرومة من الخدمات الطبية.

الخسارة الاقتصادية

كما يسهم ضعف الاستثمار في القطاع الصحي، وتأخر تحديث المستشفيات، ونقص المعدات، في زيادة معدلات الهجرة، ولا تقتصر خسائر هجرة الأطباء على القطاع الصحي.

بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني، فالحكومات تنفق مبالغ كبيرة على تعليم الطبيب منذ التحاقه بكلية الطب وحتى انتهاء سنوات الامتياز والتدريب، ثم تفقد هذه الاستثمارات عندما يهاجر للعمل في الخارج

وتضطر بعض الدول لاحقًا إلى التعاقد مع أطباء أجانب أو الاستعانة بمنظمات دولية لسد العجز، ما يزيد الأعباء المالية على ميزانياتها.

هل يمكن وقف النزيف؟

ترى منظمة الصحة العالمية أن معالجة الأزمة تتطلب استراتيجية متكاملة، تشمل زيادة الإنفاق على الصحة، وتحسين الرواتب والحوافز، وتوفير بيئة عمل آمنة، وتطوير برامج التدريب والتخصص، وخلق مسارات واضحة للترقي المهني.

كما تدعو المنظمة إلى تطبيق المدونة العالمية لممارسات التوظيف الدولية للعاملين الصحيين، التي تهدف إلى تحقيق توازن بين حق الأطباء في التنقل والعمل بالخارج، وحق الدول التي تعاني نقصًا حادًا في الحفاظ على كوادرها الصحية.

مستقبل الرعاية الصحية في إفريقيا

مع اقتراب عام 2030، تبدو إفريقيا أمام اختبار حقيقي. فنجاح القارة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة لن يعتمد فقط على بناء مستشفيات جديدة أو شراء أجهزة حديثة، بل على قدرتها في الاحتفاظ بعقولها وكفاءاتها الطبية.

فالأجهزة يمكن شراؤها، والمستشفيات يمكن بناؤها، لكن الطبيب الذي يغادر قد يستغرق تعويضه سنوات طويلة. لذلك، يرى خبراء الصحة أن وقف نزيف الكفاءات الطبية لم يعد خيارًا، بل ضرورة لضمان مستقبل الرعاية الصحية لمئات الملايين من الأفارقة، في وقت تتزايد فيه التحديات الصحية وتشتد المنافسة العالمية على الأطباء.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button