شعب الخوي خوي بجنوب إفريقيا.. أقدم سلالة جينية بشرية مستمرة على وجه الأرض
من هم شعب الخوي خوي؟

إعداد: د. علياء عامر
خبير ديموجرافي وممثل دول شمال أفريقيا للاتحاد الأفريقي للدراسات السكانية
يُمثّل شعب ‘الخوي خوي’—والذي عُرف تاريخيا في السجلات الأوروبية باسم ‘الهوتنتوت” أحد أقدم الجذور الأنثروبولوجية في منطقة جنوب القارة الإفريقية، حيث يحمل هذا الشعب، إلى جانب جيرانه من قبائل ‘السان’، أقدم سلالة جينية بشرية مستمرة على وجه الأرض.
شعب الخوي خوي
والهوتنتوت الذين يعيشون بجنوب إفريقيا، يقترن اسمهم دائما باسم البوشمن، ويشابهونهم شكلا وثقافة، إلا أن حياة الصيد التي يحياها البوشمن والتقاليد التي يلتزمونها، والعزلة التي فصلتهم عن غيرهم، وحالت دون اختلاطهم، قد ساعدت على بقاء السلالة دون أن تتسرب إليها دماء أجنبية.

أما الهوتنتوت فقامتهم أطول نوعاً، والصفات الزنجية أكثر ظهوراً مما هي عند البوشمن والرأس أكثر استطالة، وقد حدث بعض الاختلاط بشعب البانتو، الذين جاوروهم زمناً طويلا، الا أن الهوتنتوت قد اختلطوا فى الوطن الأصلي بعناصر حامية.
وكان لهذا الاختلاط أثره الثقافي أيضا فى اكتساب لغة الهوتنتوت خصائص مشتقة من لغات الحاميين، وإن بقيت اللغة من أسرة لغات البوشمن ذات الطقطقات، ويبدو أن هجرة الهوتنتوت نحو الجنوب جاءت متأخرة عن هجرة البوشمن وقد التزموا طريقا أبعد إلى الغرب فاخترقوا أعالي نهر الزمبيزى حتى وصلوا إلى الساحل الغربي، ثم انحدروا جنوبا إلى منطقة الرأس.
وكانوا أول الوطنيين الذين صادفهم المستعمرون الأوروبيون عندما نزلوا بتلك المنطقة.
إن التوزيع القديم للهوتنتوت كان يشمل الأطراف الجنوبية الغربية من مصب نهر كونيني Kunene شمالا إلى شبه جزيرة الكاب جنوبًا، ويمتد شرقًا إلى نهر كاي.
أما في الوقت الحاضر، فإنه قد تكون هنالك بقايا موزعة، ولها نوع من في جوانب هذا الوطن الكبير، أما الجماعات المنظمة نوعا ما، فإنها منحصرة فى إقليم محدود من إفريقية الجنوبية الغربية، إلى الشمال من نهر أورانج.
وهذا يدل على ما كان للهجرة الأوروبية من أثر في التضييق عليهم، وزحزحتهم عن أوطانهم.
وقد كانت لهم من قبل قبائل عديدة منظمة، وكل قبيلة تتكلم واحدة من اللهجات الأربع التي كانت سائدة، وتنتمي إلى عائلة لغات الخويسان، (Khoisan)، وترتب على هذه اللهجات تقسيم الهوتنتوت موناكو إلى أربع مجموعات: النامان والكورانا، والجوناكوا، وسكان منطقة الرأس، النامان والكورانا والجوناكوا والذين يعيشون اليوم في الجنوب الغربي من إفريقيا كلهم من مجموعة نامان.

أما المجموعات الأخرى فقد هلك منها الكثير، واندمج الكثير في أثناء اختلاطهم بالمهاجرين الأوروبيين وعبيدهم الذين صاحبوهم وجاءوا من جزر الهند الغربية، وأطلقوا على هؤلاء المولدين اسم ملوني منطقة الكاب Cape Colored وغير ذلك من الأسماء.
وهؤلاء المولدون تبدو بالطبع فيهم صفات العناصر الداخلة فى تكوينهم.
لا شك أن كثيرًا من الهوتنتوت الذين انقرضوا قد جاءهم الانقراض عن طريق الاندماج، لا في عناصر المهاجرين وحدها، بل وفي السكان الآخرين من البانتو، كما أن الهوتنتوت سلالة مشرفة على الانقراض والباقون منهم (النامان) ينقسمون إلى بضع قبائل أو جماعات تشبه القبائل: كل منها تدعي ملكية الماء والمرعى في بقعة من الأرض.
وكل قبيلة تتألف من عشائر أبوية النسب، اغترابيه فى زواجها.
وفى كل قبيلة رئيس، ولكن هذا الرئيس يشاور دائمًا زعماء العشائر الأخرى في معظم شئون القبيلة، وقد تتجمع القبيلة في بعض المواسم في مكان واحد، ولكن في معظم السنة تعيش كل عشيرة بمفردها.
وأكبر ما يختلف فيه الهوتنتوت عن البوشمن أنهم رعاة يربون البقر ذات القرون الطويلة والغنم ذات الأذناب السمينة، ويمارسون صنع الحديد، ويتخذون منه أدوات ورماحا وسهاما، ويصنعون من الخشب أواني وصحونا، ومن البوص والحطب يصنعون الأسفاط وينسجون الحصير، ومن الجلود يتخذون قربا للماء وأوعية لحفظ اللبن.

وفى هذا كله ما يميزهم على البوشمن، غير أنه لا يبدو أنهم كانوا يوما ذوي براعة في تحت الصخور ونقشها، وهو ما امتاز به البوشمن.
والغذاء الرئيسي للهوتنتوت هو اللين، الذي يحفظونه في أوعية من الخشب أو الجلد ويتناولونه بعد أن يختمر قليلا.
وعلى خلاف ما يفعل البانتو وغيرهم تقوم النساء لا الرجال بحلب الماشية وإلى جانب اللبن يتعاطون أنواعا مختلفة من الخضراوات، ولحوم الحيوانات التي يصيدونها، وأساليبهم في الصيد لا تكاد تختلف عن أساليب البوشمن، غير أنهم يتفننون في صناعة الشراك، ولا يستخدمون القوس والسهم، ولا يذبحون الماشية من أجل الطعام إلا في بعض الحفلات الدينية أو الاجتماعية المهمة.
والمكان الذي يعيشون فيه محاط بسياج دائري من العوسج، وله بابان واحد في الشمال وآخر في الجنوب، ومنازل الأسر موزعة في أطراف الدائرة، وفي الوسط حظيرة كبيرة للماشية فيها أمكنة محجوزة للعجول والحملان، ولكل أسرة عدد من الأكواخ، وهي تبنى بشيء كثير من العناية على شكل خلية النحل؛ ويبنى الكوخ بأعواد من الخشب، تغرس في الأرض، وتوصل أطرافها العليا بقطع من الخشب بحيث يبدو الكوخ في شكل نصف كر.
ويغطى الكوخ بطبقات من القش والحطب، وترصف الأرض داخل الكوخ بالطين، وينام الناس داخل الأكواخ على فرش من الحصير، وعند الانتقال الموسمي، يفك الكوخ وتحمل الأجزاء والأمتعة إلى المكان الجديد، والملبس في الوقت الحاضر أوروبي الطراز ولكنه فيما مضى كان من الجلد الناعم بعد أن يدعك جيدًا حتى يزداد نعومة، فيُتخذ منه إزار ورداء وكثيرًا ما تتخذ نعالًا من الجلد أيضا.
ويلبس النساء والرجال أنواعا من الحلي، أكثرها من النحاس، وتتخذ النساء سيورًا من الجلد حول الأرجل ويضع الرجال حول العضد والمعصم أسورة من العاج أو النحاس.
واحترام المرأة من التقاليد المرعية، وهذا يظهر بوجه خاص في احترام الرجل لحماته، بحيث يتجنب الرجل النظر إليها، وكذلك في احترام الأخ لأخته، حتى لا يكاد يخاطبها إلا بوساطة شخص ثالث.
ومحور الديانة والشعائر الدينية عند الهوتنتوت اعتقادهم في أبطال – آلهة: يرجع أكثرهم إلى تصورات وثنية، أو إلى تمثلهم للقوى الطبيعية وبوجه خاص القوى التي ترسل المطر، ولعل أهمها تسوى جواب Tsui Goab وهو الذي يقصد في الملمات ويرتجى حين يمتنع المطر، وهو يمثل قوة الخير، وكثيراً ما يتعرض لقوة الشر المدمرة المتمثلة فى جوناب Gounab الذي من دأبه معارضة قوة الخير، حتى يمحوها من الوجود.

ثم تعود بعد ذلك إلى الحياة والازدهار، وهذا يذكرنا بالعراك الدائم بين أوزريس وست، وهناك بطل خرافي عظيم يؤمن به الهوتنتوت واسمه Heitsi-Eibib يتحدث الناس عن أعماله العظيمة وعودته إلى الأرض من آن لآن، ثم يموت ويعود مرة أخرى.
كان يصنع المعجزات، و “قبوره” منتشرة في صورة أكوام من الحجارة، ولا يكاد يمر أحد من الهوتنتوت بقبر دون أن يهمس ببعض الكلمات ويضيف حجرًا أو قطعة من الخشب إلى (الضريح).
كما كان للهوتنتوت عبادة للقمر، أسوة بما نجده عند البوشمن، لكن ليس هناك دليل على أنهم لا يزالون محتفظين بهذه العبادة.



