التحليلات والتقاريرتحليلات اقتصاديةسلايدر

من الغربة إلى إنقاذ الاقتصاد.. كيف تحولت أموال المهاجرين إلى شريان حياة لإفريقيا؟

مصر في المقدمة بتحويلات قياسية تجاوزت 41 مليار دولار

كتب: محمد عمران

 

لم تعد تحويلات الأفارقة العاملين خارج القارة مجرد أموال تصل إلى أسر تنتظرها في نهاية الشهر، بل تحولت إلى مورد مالي رئيسي للاقتصادات الإفريقية، في وقت تواجه فيه القارة فجوة تمويلية تتجاوز 400 مليار دولار سنويًا.

تحويلات المهاجرين.. شريان مالي يتجاوز 100 مليار دولار ويعيد رسم اقتصاد إفريقيا

ووفق أحدث بيانات البنك الإفريقي للتنمية، بلغت تحويلات الجاليات نحو 104.6 مليار دولار في 2024، لتصبح واحدة من أكثر التدفقات المالية الخارجية استقرارًا، في وقت تشير فيه تقديرات البنك إلى تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو الثلث خلال 2025.

وفي 2026، انتقل التعامل مع هذه الأموال من كونها ملفًا مرتبطًا بالهجرة إلى قضية اقتصادية مباشرة؛ إذ طرح البنك الإفريقي للتنمية تعبئة نحو 100 مليار دولار سنويًا من تحويلات الجاليات ضمن الهيكل المالي الإفريقي الجديد، إلى جانب تعبئة المدخرات المحلية، بهدف المساهمة في سد فجوة التمويل التنموي التي تتجاوز 400 مليار دولار سنويًا. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن القارة تمتلك مصدرًا ماليًا ضخمًا خارج حدودها، موزعًا على ملايين المهاجرين والأسر.

وتتصدر مصر ونيجيريا والمغرب قائمة الاقتصادات الإفريقية المستقبلة للتحويلات من حيث القيمة، لكن حجم الأموال وحده لا يكشف درجة اعتماد كل اقتصاد عليها. فبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2024، بلغت التحويلات نحو 8.4% من الناتج المحلي لنيجيريا، و7.8% للمغرب، و7.6% لمصر، و4.8% لإثيوبيا، و4.2% لكينيا، و3.7% لغانا، بينما قفزت النسبة في ليبيريا إلى نحو 21.3% من الناتج المحلي، ما يجعلها أكثر حساسية لأي انخفاض في تدفقات أموال المهاجرين.

وفي مصر، أخذت أهمية التحويلات منحنى صاعدًا خلال الفترة الأخيرة، بعدما سجلت 41.5 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 40.5% عن العام السابق، وفق بيانات البنك المركزي المصري. ولم تتوقف الزيادة عند هذا الحد؛ فقد بلغت تحويلات المصريين العاملين بالخارج نحو 34.9 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2025 إلى مارس 2026، بزيادة 32% مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي السابق، وهو ما يعكس استمرار قوة التدفقات خلال 2026.

وتدخل هذه الأموال مباشرة في دورة الاقتصاد المصري؛ فجانب منها يوجه إلى الإنفاق على الغذاء والسكن والتعليم والعلاج، بينما يذهب جزء آخر إلى الادخار وشراء العقارات وتمويل الأنشطة الصغيرة.

وفي الوقت نفسه، تمثل التحويلات مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي، خصوصًا عندما تمر عبر الجهاز المصرفي، وهو ما يفسر ارتباط ارتفاع التدفقات بتحسن قدرة السوق الرسمية على توفير العملات الأجنبية.

وفي نيجيريا، تأخذ المسألة بعدًا آخر يرتبط بسوق الصرف؛ فالتحويلات القادمة من ملايين النيجيريين العاملين بالخارج تمثل مصدرًا للعملات الأجنبية في اقتصاد يواجه ضغوطًا مستمرة على النايرا وارتفاعًا في تكاليف المعيشة. ومع وصول الأموال بالدولار واليورو وغيرها من العملات، تتحول التحويلات إلى مورد إضافي للنقد الأجنبي، إلى جانب عائدات الصادرات والاستثمارات والتدفقات المالية الأخرى، بينما تستفيد الأسر منها في تغطية نفقاتها الأساسية.

أما المغرب، فتظهر أهمية التحويلات من خلال استقرار العلاقة المالية بين الجالية والاقتصاد المحلي؛ إذ تعادل الأموال القادمة من المغاربة في الخارج نحو 7.8% من الناتج المحلي وفق بيانات 2024. ولا تذهب التدفقات بالكامل إلى الاستهلاك، إذ تستخدم أسر في شراء العقارات وبناء المنازل والادخار وتمويل بعض الأنشطة الاقتصادية، ما يجعل الجالية مصدرًا مستمرًا للسيولة حتى مع إقامتها خارج البلاد.

وتكشف كينيا وإثيوبيا وغانا عن مستوى آخر من التأثير؛ فحتى مع انخفاض وزن التحويلات مقارنة بمصر ونيجيريا والمغرب، فإنها تظل مصدرًا مباشرًا للعملة الأجنبية ودخلًا إضافيًا للأسر. وفي كينيا تحديدًا، ظهر أثر التحويلات في سوق العملات خلال 2026، بعدما ارتبطت زيادة تدفقات الدولار بتوقعات دعم الشلن أمام العملة الأمريكية، لتتحول أموال المهاجرين من دخل أسري إلى عامل له تأثير على سوق الصرف.

لكن الصورة تصبح أكثر وضوحًا عند الانتقال من الاقتصادات الكبرى إلى الدول الصغيرة؛ ففي ليبيريا، التي وصلت فيها التحويلات إلى أكثر من خمس الناتج المحلي، لا تمثل أموال المهاجرين مصدرًا إضافيًا فحسب، وإنما موردًا له تأثير مباشر على الاستهلاك والنشاط الاقتصادي. ولذلك فإن أي تراجع مفاجئ في تحويلات الجالية يمكن أن ينتقل سريعًا من حسابات الأسر إلى الأسواق المحلية.

وبالنسبة للأسر، تبدأ أهمية التحويلات من الاحتياجات الأساسية. فالأموال التي يرسلها المهاجر يمكن أن تدفع ثمن الطعام أو الإيجار أو مصروفات المدرسة أو العلاج، وفي حالات أخرى تتحول إلى منزل أو قطعة أرض أو مشروع صغير. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، تصبح التحويلات بالنسبة إلى الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل شبكة أمان تساعدها على مواجهة فقدان الوظيفة أو ارتفاع الأسعار أو النفقات الطارئة.

لكن قيمة التحويل لا تتحدد فقط بالمبلغ الذي يرسله المهاجر، وإنما بما يصل فعليًا إلى الأسرة. وتظل إفريقيا جنوب الصحراء من أغلى مناطق العالم في تكلفة إرسال الأموال، إذ بلغ متوسط تكلفة التحويل إليها 8.46% في الربع الثالث من 2025 وفق البنك الدولي، مقابل 6.36% عالميًا. وبذلك يمكن أن تذهب نسبة كبيرة من الأموال التي يعمل المهاجر للحصول عليها إلى الرسوم وفروق أسعار الصرف بدل أن تصل إلى أسرته.

وتزداد أهمية هذه المشكلة لأن التحويلات غالبًا ما تصل في صورة مبالغ صغيرة ومتكررة؛ وبالتالي فإن اقتطاع نسبة محدودة من كل عملية يتحول عند جمع ملايين العمليات إلى خسارة مالية كبيرة على مستوى القارة. ولهذا أصبح خفض تكلفة التحويلات وتوسيع الخدمات الرقمية جزءًا من النقاش الاقتصادي حول تعظيم استفادة إفريقيا من أموال جالياتها.

وفي 2026، برزت كذلك هشاشة الاعتماد على هذه التدفقات؛ فالمهاجر يحصل على دخله من سوق عمل خارج بلده، وبالتالي فإن أي تباطؤ اقتصادي أو فقدان للوظائف أو تغيير في قوانين العمل والهجرة بالدول المستقبلة يمكن أن ينعكس على الأموال التي تصل إلى الداخل الإفريقي، وهذا يعني أن التحويلات توفر للأسرة حماية من أزمات الاقتصاد المحلي، لكنها في الوقت نفسه تربط جزءًا من دخلها بما يحدث في اقتصادات أخرى.

ومن هنا بدأ التحول في النظرة إلى أموال المهاجرين؛ فالبنك الإفريقي للتنمية يبحث في 2026 عن أدوات تمكن القارة من تحويل جزء من هذه التدفقات إلى رأس مال طويل الأجل، من خلال سندات الجاليات وصناديق الاستثمار وتطوير الخدمات المالية وتوريق التحويلات وخفض تكاليف إرسال الأموال. والهدف ليس تحويل أموال المعيشة إلى استثمارات، وإنما استغلال الجزء الذي يمكن ادخاره وتوجيهه إلى مشروعات إنتاجية.

وتأتي هذه التحركات في ظل احتياج القارة إلى تمويل ضخم للبنية الأساسية والطاقة والصحة والتعليم وخلق فرص العمل. ولذلك ينظر البنك الإفريقي للتنمية إلى أموال الشتات باعتبارها موردًا يمكن تعبئته، خاصة أن التحويلات تأتي موزعة على ملايين الأشخاص، ولا تعتمد على قرار مستثمر واحد يمكنه سحب أمواله عند تغير الظروف.

وبهذه المعادلة، أصبح المهاجر الإفريقي جزءًا من الاقتصاد المحلي حتى وهو يعيش خارجه؛ فهو يرسل المال للأسرة، ويدعم الاستهلاك، ويوفر عملة أجنبية، وقد يتحول إلى مدخر أو مستثمر أو ممول لمشروع صغير. وفي المقابل، تظل قدرة الدول على الاستفادة من هذه القوة المالية مرتبطة بمدى ثقة الجاليات في النظام المالي، وتكلفة التحويل، وقدرة الاقتصاد المحلي على توفير فرص استثمار حقيقية.

وتكشف الأرقام في النهاية أن القضية لم تعد تتعلق بحجم الأموال التي يرسلها الأفارقة من الخارج فقط، وإنما بالدور الذي أصبحت تؤديه هذه الأموال داخل القارة فـ104.6 مليار دولار من التحويلات في 2024، إلى جانب المستويات القياسية التي سجلتها دول مثل مصر خلال 2025 و2026، تجعل أموال المهاجرين موردًا ماليًا لا يمكن تجاهله في أي نقاش حول مستقبل الاقتصاد الإفريقي.

وفي الوقت الذي تحتاج فيه إفريقيا إلى أكثر من 400 مليار دولار سنويًا لتمويل احتياجاتها التنموية، أصبحت أموال المهاجرين واحدة من الموارد التي تبحث القارة عن طريقة أفضل لاستثمارها.

وبينما تظل الوظيفة الأولى للتحويلات هي حماية الأسر وتوفير احتياجاتها اليومية، فإن التحدي في 2026 أصبح واضحًا: كيف يمكن تحويل جزء من هذه الأموال من مجرد تحويلات معيشية إلى استثمارات تخلق وظائف وتمول التنمية، دون المساس بالدور الذي يجعلها شريان حياة لملايين الأسر الإفريقية؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى