التحليلات والتقاريرتحليلات اقتصاديةسلايدر

من أزمة إلى ثروة.. كيف تحول إفريقيا نفاياتها إلى طاقة وفرص عمل؟

النفايات تتحول إلى طاقة ومواد خام وفرص عمل

كتب: محمد عمران

 

لم تعد أزمة القمامة في المدن الإفريقية خلال عام 2026 مجرد مشكلة مرتبطة بالنظافة العامة أو جمع المخلفات من الشوارع، وإنما تحولت إلى ملف اقتصادي وبيئي واستثماري متصاعد، في ظل النمو السكاني السريع، واتساع المدن، وارتفاع معدلات الاستهلاك، وما يترتب على ذلك من زيادة مستمرة في كميات النفايات المنتجة يوميًا.

مليارات مدفونة تحت القمامة.. كيف تخسر مدن إفريقيا ثروة يمكن أن تصنع الطاقة والوظائف؟

ورغم إنفاق البلديات أموالًا ضخمة على عمليات جمع المخلفات ونقلها والتخلص منها، فإن كميات كبيرة من النفايات لا تزال تخرج من الدورة الاقتصادية دون الاستفادة منها، بدلًا من تحويلها إلى مواد خام يمكن إعادة استخدامها، أو سماد، أو طاقة، أو مصدر لخلق فرص عمل جديدة.

وتكشف أحدث نسخة من قاعدة بيانات البنك الدولي What a Waste 3.0 أن العالم أنتج نحو 2.56 مليار طن من النفايات البلدية خلال عام 2022، وهو رقم وصل إليه العالم قبل الموعد الذي كان متوقعًا في الإصدار السابق من التقرير. ووفق السيناريو المعتاد، من المتوقع أن يرتفع إنتاج النفايات إلى نحو 3.86 مليار طن سنويًا بحلول عام 2050، بينما تبدو الأزمة أكثر حدة في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث لا تزال معدلات جمع النفايات منخفضة في بعض المناطق، بالتزامن مع استمرار التخلص المفتوح من المخلفات.

 

وفي عام 2026، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بحجم النفايات التي تنتجها المدن، وإنما باتت مرتبطة بشكل أكبر بالفجوة بين سرعة إنتاج المخلفات وقدرة المدن على إدارتها والتعامل معها. فكلما توسعت المدن بوتيرة أسرع من نمو شبكات جمع النفايات، ظهرت أحياء جديدة وسكان جدد وكميات أكبر من المخلفات، دون أن تتوافر بالضرورة سيارات جمع كافية أو محطات تحويل أو منشآت للفرز والمعالجة أو مواقع دفن صحي قادرة على استيعاب الزيادة.

وتقدم كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، نموذجًا واضحًا لحجم هذا التحدي، إذ يزيد عدد سكانها على 17 مليون نسمة، بينما تنتج نحو 12 ألف طن من المخلفات يوميًا. ووفق بيانات البنك الدولي، يتم التخلص من نحو 98% من هذه النفايات في مكبات مفتوحة أو من خلال حرقها، وهو ما يكشف حجم الفجوة بين كمية المخلفات المنتجة والقدرة على إدارتها بصورة آمنة.

 

وفي أبريل 2026، وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 250 مليون دولار لبرنامج يستهدف تطوير إدارة المخلفات في كينشاسا وخلق فرص عمل، ويتضمن إنشاء نقاط تجميع ومحطات نقل ومركز متكامل لإدارة النفايات، إلى جانب تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص.

وتكشف تجربة كينشاسا أن المشكلة الحقيقية لا تتمثل في غياب القمامة، وإنما في غياب البنية الاقتصادية القادرة على تحويل هذه المخلفات إلى مورد يمكن الاستفادة منه.

 

فآلاف الأطنان التي تنتجها المدينة يوميًا تضم مواد عضوية وبلاستيكًا ومعادن وورقًا وغيرها من المواد، إلا أن اختلاطها منذ لحظة جمعها يجعل عملية استرداد هذه المواد أكثر صعوبة، ويرفع تكلفة إعادة استخدامها أو تدويرها.

 

وهنا تظهر الخسارة الاقتصادية الحقيقية، فالبلاستيك الذي يمكن أن يتحول إلى مادة خام تدخل في تصنيع منتجات جديدة، والمعادن التي يمكن إعادة إدخالها في الصناعات المختلفة، والمخلفات العضوية التي يمكن استخدامها في إنتاج السماد أو الغاز الحيوي، تتحول جميعها إلى عبء بيئي واقتصادي عندما تختلط وتصل في النهاية إلى مكب مفتوح.

 

 

وتؤكد بيانات البنك الدولي أن تكلفة إدارة النفايات على مستوى العالم تتجاوز 250 مليار دولار سنويًا، ومن المتوقع أن ترتفع إلى نحو 426 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2050، وهو ما يعكس حجم الأموال التي أصبحت مرتبطة بإدارة قطاع المخلفات عالميًا.

لكن تكلفة عدم التعامل مع النفايات بصورة صحيحة قد تكون أكبر من تكلفة إدارتها، بسبب ما تسببه المخلفات غير المجمعة أو التي يتم حرقها أو التخلص منها في المجاري المائية من تلوث، وفيضانات، وأضرار صحية وبيئية، فضلًا عن التأثيرات التي تمتد إلى جودة الحياة والنشاط الاقتصادي داخل المدن.

 

 

وتزداد أهمية هذه الأرقام بالنسبة إلى إفريقيا، لأن المدن لا تواجه أزمة بيئية منفصلة عن الاقتصاد، وإنما تواجه مشكلة تؤثر بصورة مباشرة على قدرتها على النمو. فانسداد المصارف والمجاري المائية بالنفايات يمكن أن يزيد مخاطر الفيضانات، بينما يؤدي الحرق المفتوح للمخلفات إلى تلوث الهواء، كما يمكن أن تؤثر المكبات غير المنظمة على التربة والمياه والمناطق السكنية المحيطة بها.

 

 

وتشير الأمم المتحدة للبيئة إلى أن التخلص المفتوح من النفايات لا يزال واسع الانتشار في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وقد يصل إلى 90% من النفايات في العديد من المدن الإفريقية. وتحذر المنظمة من أن المكبات المفتوحة يمكن أن تطلق ملوثات خطرة، كما تعرض العاملين فيها والسكان المقيمين بالقرب منها لمخاطر صحية وبيئية.

 

 

ورغم حجم الأزمة، فإن الجانب الآخر من المشهد يحمل فرصة اقتصادية كبيرة، لأن القمامة ليست كتلة واحدة من المخلفات التي يجب التخلص منها، وإنما تضم مواد مختلفة يمكن التعامل مع كل نوع منها بطريقة مختلفة، فإذا جرى فرز النفايات من المصدر، يمكن توجيه المواد العضوية إلى إنتاج السماد أو الغاز الحيوي، بينما يمكن إرسال البلاستيك والورق والمعادن والزجاج إلى عمليات إعادة التدوير، في حين يذهب الجزء المتبقي فقط إلى عمليات التخلص النهائي.

 

ويمثل هذا التحول جوهر مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي بدأت دول إفريقية في تبنيه باعتباره جزءًا من استراتيجية التصنيع والنمو الاقتصادي، وليس مجرد سياسة مرتبطة بحماية البيئة أو التخلص من النفايات.

 

وفي يونيو 2026، أعلن البنك الإفريقي للتنمية أن الكاميرون أطلقت خارطة طريق وطنية للاقتصاد الدائري تمتد لمدة عشر سنوات من 2025 إلى 2035، وتهدف إلى تحسين استخدام الموارد الزراعية والغابية والحضرية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية أكبر، بما يعكس اتجاهًا نحو التعامل مع الموارد بصورة أكثر كفاءة بدلًا من التخلص منها بعد استخدامها.

 

كما أطلقت بنن في فبراير 2026 خطة عمل للاقتصاد الدائري بدعم من البنك الإفريقي للتنمية، بهدف إدخال مفاهيم إعادة الاستخدام والاسترداد وإعادة التدوير في عملية النمو الاقتصادي. ويعكس ذلك تحولًا تدريجيًا في النظرة إلى المخلفات داخل إفريقيا، من مشكلة يجب التخلص منها إلى مورد يمكن إدخاله في الصناعة وتحويله إلى قيمة اقتصادية وخلق فرص عمل.

 

 

ولا يمكن الحديث عن اقتصاد المخلفات في إفريقيا دون التوقف أمام القطاع غير الرسمي، الذي يمثل حلقة أساسية في عمليات جمع وفرز المواد القابلة لإعادة التدوير في العديد من المدن. إذ يقوم جامعو المخلفات بجمع البلاستيك والمعادن والكرتون وغيرها من المواد، ثم بيعها إلى تجار أو منشآت متخصصة في إعادة التدوير، وهو ما يعني أن جزءًا من الاقتصاد الدائري موجود بالفعل على الأرض، لكنه يعمل في كثير من الحالات خارج الإطار الرسمي.

 

وتتمثل المشكلة في أن العاملين في هذا القطاع يفتقرون غالبًا إلى الحماية الاجتماعية ومعدات السلامة والتنظيم الرسمي، في الوقت الذي لا تستفيد فيه البلديات بصورة كاملة من البيانات والقيمة الاقتصادية الناتجة عن هذا النشاط

 

ولذلك فإن دمج العاملين في القطاع غير الرسمي داخل منظومة رسمية يمكن أن يساعد في رفع معدلات استرداد المواد وإعادة تدويرها، وتحسين ظروف العمل، وتوسيع قاعدة الوظائف المرتبطة بقطاع المخلفات.

 

 

ويمثل تحويل النفايات إلى طاقة فرصة أخرى أمام المدن الإفريقية، لكنه في الوقت نفسه ليس حلًا سحريًا يمكن تطبيقه بمعزل عن باقي المنظومة.

 

فالمخلفات العضوية يمكن استخدامها في إنتاج الغاز الحيوي، كما يمكن استخدام بعض أنواع النفايات غير القابلة لإعادة التدوير في مشروعات استرداد الطاقة، لكن هذه المشروعات تحتاج إلى منظومة متكاملة لجمع وفرز ومعالجة المخلفات، إلى جانب توفير إمداد منتظم من النفايات ذات الخصائص المناسبة.

 

 

ولهذا السبب، فإن المدينة التي تعجز عن جمع مخلفاتها بصورة منتظمة لن تستطيع حل أزمة القمامة بمجرد إنشاء محطة لتحويل النفايات إلى كهرباء. فمثل هذه المشروعات تحتاج أولًا إلى بنية تحتية قادرة على جمع المخلفات ونقلها وفرزها، كما تحتاج إلى نظام يضمن تدفق الكميات المطلوبة إلى المحطة، فضلًا عن ضرورة الالتزام بمعايير بيئية صارمة للتعامل مع الانبعاثات والمتبقيات الناتجة عن عملية المعالجة.

 

 

وتظل مشكلة التمويل واحدة من أكبر العقبات أمام التحول إلى منظومة حديثة لإدارة النفايات، إذ تحتاج إدارة المخلفات إلى إنفاق مستمر على سيارات الجمع والوقود والصيانة والعمالة ومحطات الفرز والمعالجة ومواقع التخلص الآمن، وليس فقط إلى تمويل إنشاء منشأة واحدة ثم تركها دون موارد تشغيل مستدامة.

 

 

ويقدر البنك الدولي أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تحتاج إلى استثمارات ضخمة لسد فجوة البنية الأساسية في قطاع المخلفات، في الوقت الذي لا تزال فيه النفقات الحكومية في العديد من هذه الدول أقل بكثير من المستوى المطلوب لتوفير خدمات جمع ومعالجة آمنة.

 

ويقدر البنك أن سد فجوة الاستثمار في الدول منخفضة الدخل ومنخفضة الدخل المتوسطة قد يتطلب نحو 556 مليار دولار خلال الفترة من 2022 إلى 2050.

 

ومن هنا يأتي الدور المتزايد للقطاع الخاص، لكن جذب الشركات والاستثمارات إلى سوق المخلفات الإفريقية يحتاج إلى أكثر من مجرد وجود كميات ضخمة من القمامة.

 

فالمستثمر يحتاج إلى معرفة الجهة التي ستدفع مقابل الخدمة، وحجم المواد المتاحة، والجهة التي تمتلكها، وأسعار المواد القابلة لإعادة التدوير، والقواعد المنظمة للسوق، ومدى قدرة البلديات على الوفاء بالتزاماتها المالية على المدى الطويل.

 

 

وتؤكد تجربة كينشاسا هذا الاتجاه، فالبرنامج الذي أقره البنك الدولي في 2026 لا يركز فقط على جمع المخلفات، وإنما يتضمن أيضًا دعم الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص، إلى جانب خلق فرص عمل للنساء والشباب، ودعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر الموجودة داخل سلسلة القيمة الخاصة بالمخلفات.

 

 

وفي الوقت نفسه، بدأت مدن إفريقية أخرى في إدخال إدارة المخلفات ضمن خطط التحول الحضري. ففي مارس 2026، اختارت مبادرة أممية 20 مدينة حول العالم ضمن مبادرة «20 مدينة نحو صفر نفايات»، وضمت القائمة مدنًا إفريقية هي أكرا في غانا، ودار السلام في تنزانيا، وكيسومو في كينيا، وليلونغوي في مالاوي، إلى جانب مدينة شفشاون في المغرب.

 

 

وتشير هذه التحركات إلى أن إدارة المخلفات بدأت تدخل مرحلة مختلفة في إفريقيا، فلم تعد القضية تقتصر على توفير عمال وسيارات لجمع القمامة من الشوارع، وإنما أصبحت مرتبطة بالتخطيط الحضري والطاقة والصناعة والوظائف والاستثمار والقدرة على مواجهة آثار تغير المناخ.

 

لكن الوصول إلى اقتصاد دائري حقيقي يتطلب تغييرًا يبدأ من المواطن والمنتج والبلدية وينتهي بالسوق. فالفرز من المصدر يمكن أن يقلل تكلفة المعالجة، بينما يمكن لمبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج أن يجعل الشركات المصنعة جزءًا من تكلفة استرداد منتجاتها بعد استخدامها، في حين تساعد الرسوم وآليات استرداد التكلفة على توفير تمويل مستدام لخدمات الجمع والمعالجة.

 

 

ويظل التحدي الأكبر أمام المدن الإفريقية في 2026 هو أن النمو الحضري لن ينتظر اكتمال هذه المنظومات. فكل عام يمر يعني مزيدًا من السكان ومزيدًا من المخلفات، وبالتالي فإن تأجيل الاستثمار في البنية الأساسية لإدارة النفايات يعني تراكم فاتورة أكبر في المستقبل.

 

وفي المقابل، يمكن للاستثمار المبكر في هذا القطاع أن يحول الأزمة إلى صناعة اقتصادية واسعة، تضم شركات لجمع ونقل وفرز وإعادة تدوير المخلفات، إلى جانب مصانع لتصنيع المواد المستردة، ومشروعات لإنتاج السماد والطاقة، فضلًا عن آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.

 

وبذلك لم يعد السؤال بالنسبة إلى المدن الإفريقية هو: «كيف نتخلص من القمامة؟»، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: «كم تبلغ قيمة ما نرميه يوميًا، ولماذا ندفع للتخلص منه بدلًا من استرداد قيمته؟»

فإذا نجحت المدن في بناء منظومة متكاملة تبدأ بالفرز والجمع المنظم، وتنتهي بإعادة التدوير واسترداد الطاقة والتخلص الآمن من المخلفات، فإن القمامة يمكن أن تتحول من بند يستنزف موازنات البلديات إلى جزء من اقتصاد جديد يخلق قيمة وفرص عمل واستثمارات.

أما استمرار المكبات المفتوحة والحرق العشوائي وغياب الفرز، فيعني أن إفريقيا ستواصل دفع تكلفة القمامة مرتين؛ مرة لجمعها ونقلها والتخلص منها، ومرة أخرى بسبب الأضرار الاقتصادية والبيئية والصحية الناتجة عن سوء إدارتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى