التحليلات والتقاريرسلايدر

إفريقيا بين ثراء الموارد وفقر الكهرباء.. أزمة تكلف القارة مليارات الدولارات

أزمة تمويل قبل أن تكون أزمة طاقة

كتب: محمد عمران

تمتلك إفريقيا واحدة من أكبر ثروات الطاقة الطبيعية على كوكب الأرض، فهي القارة التي تحصل على أعلى معدلات سطوع شمسي عالميًا، وتضم احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي والنفط، إلى جانب إمكانات هائلة للطاقة الكهرومائية والرياح والمعادن الحيوية اللازمة للتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.

ومع ذلك، لا يزال مئات الملايين من الأفارقة يعيشون دون كهرباء، في واحدة من أكبر المفارقات الاقتصادية والتنموية في العالم.

ورغم أن القارة تمتلك المقومات التي تؤهلها لأن تصبح أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة عالميًا، فإن ضعف التمويل، وتهالك البنية التحتية، وغياب شبكات النقل والتوزيع، ما زالت تحول دون وصول الكهرباء إلى ملايين المنازل والمصانع والمدارس والمستشفيات.

600 مليون شخص بلا كهرباء

تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 600 مليون شخص في إفريقيا لا يزالون يفتقرون إلى الكهرباء، أي ما يقارب شخصين من كل خمسة في القارة، بينما لم يواكب التوسع في شبكات الكهرباء الزيادة السكانية المتسارعة، لتظل القارة بعيدة عن تحقيق أهداف الوصول الشامل للطاقة.

ولا تتوقف الأزمة عند الكهرباء فقط، إذ يعتمد أكثر من مليار إفريقي على وسائل طهي تقليدية مثل الحطب والفحم، وهو ما يسبب آثارًا صحية وبيئية واقتصادية واسعة، خاصة على النساء والأطفال.

كنز شمسي لم يُستغل بعد

تمتلك إفريقيا نحو 60% من أفضل موارد الطاقة الشمسية في العالم، بفضل اتساع المناطق الصحراوية وارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي طوال العام، إلا أن استغلال هذه الإمكانات ما يزال محدودًا مقارنة بحجم الموارد المتاحة.

ويرى خبراء الطاقة أن المشكلة ليست في نقص الموارد، وإنما في ضعف الاستثمارات اللازمة لإنشاء محطات التوليد، وشبكات النقل، وأنظمة التخزين، فضلًا عن محدودية التمويل طويل الأجل اللازم لتنفيذ المشروعات الكبرى.

التمويل… العقبة الأكبر

تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن إيصال الكهرباء إلى جميع سكان إفريقيا يتطلب استثمارات تصل إلى نحو 22 مليار دولار سنويًا حتى عام 2030، إضافة إلى نحو 4 مليارات دولار سنويًا لتوفير خدمات الطهي النظيف، وهي أرقام تفوق بكثير حجم الاستثمارات الحالية.

كما تشير الوكالة إلى أن التمويل المخصص حاليًا لمشروعات الكهرباء في إفريقيا جنوب الصحراء لا يزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، ما يفسر بطء التقدم في تقليص فجوة الطاقة.

دول غنية بالطاقة… وشعوب تعاني الانقطاع

تمتلك دول عديدة في إفريقيا احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، إلا أن ذلك لم ينعكس بالضرورة على مستوى الخدمات الكهربائية.

وتُعد نيجيريا مثالًا واضحًا على هذه المفارقة، فهي من أكبر منتجي النفط والغاز في القارة، لكنها تعاني منذ سنوات من نقص الكهرباء بسبب ضعف محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب تحديات الإدارة والاستثمار.

ويرى متخصصون أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي وحده، ما لم يصاحبه استثمار حقيقي في البنية التحتية وشبكات الكهرباء.

الطاقة الشمسية ليست الحل الوحيد

تتجه العديد من الدول الإفريقية إلى التوسع في الطاقة الشمسية، خاصة في المناطق الريفية البعيدة عن الشبكات التقليدية، من خلال محطات صغيرة وأنظمة مستقلة، إلا أن هذا الخيار يواجه تحديات تتعلق بتخزين الكهرباء، وصيانة المعدات، وتكاليف البطاريات.

ولهذا يؤكد خبراء الطاقة أن مستقبل إفريقيا يعتمد على مزيج متكامل يجمع بين الطاقة الشمسية، والطاقة الكهرومائية، والغاز الطبيعي، والرياح، مع تطوير شبكات الكهرباء وربط الدول ببعضها البعض.

مصر تقدم نموذجًا مختلفًا

تُعد مصر من أبرز التجارب الإفريقية في مجال الطاقة المتجددة، من خلال مجمع بنبان للطاقة الشمسية بمحافظة أسوان، والذي يُصنف بين أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم، بقدرة إنتاجية تصل إلى نحو 1.8 جيجا

ويؤكد المشروع أن النجاح لا يعتمد على وفرة الموارد فقط، وإنما على وجود تشريعات جاذبة للاستثمار، وتمويل مناسب، وشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية.

مبادرة لتوصيل الكهرباء إلى 300 مليون إفريقي

وفي محاولة لتسريع إنهاء أزمة الكهرباء، أطلق البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي مبادرة Mission 300، التي تستهدف توفير الكهرباء لنحو 300 مليون شخص في إفريقيا بحلول عام 2030، من خلال حشد استثمارات تتجاوز 90 مليار دولار، وتوسيع شبكات الكهرباء، ودعم مشروعات الطاقة المتجددة والأنظمة اللامركزية.

معركة التنمية تبدأ بالكهرباء

لم تعد الكهرباء مجرد خدمة أساسية، بل أصبحت عنصرًا حاسمًا في التنمية الاقتصادية، إذ يرتبط بها نمو الصناعة، وتحسين التعليم، وتطوير الخدمات الصحية، وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل.

ورغم أن إفريقيا تمتلك كل المقومات لتصبح قوة عالمية في مجال الطاقة، فإن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرتها على سد فجوة التمويل، وتحديث البنية التحتية، وتحويل ثرواتها الطبيعية إلى طاقة تصل إلى كل منزل ومزرعة ومصنع، لتتحول من قارة غنية بالموارد إلى قارة غنية بالطاقة والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى