التحليلات والتقاريرسلايدر

5 سنوات من الجفاف.. هل دخلت المنطقة مرحلة الخطر؟

تقرير أوروبي يحذر من مستقبل المياه في شرق إفريقيا 

كتب: محمد عمران

كشف تقرير صادر عن مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية، بعنوان “الجفاف في شرق إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى”، والمنشور في 20 مايو 2026، أن الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2025 شهدت أعلى درجات حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1981، ما أدى إلى تفاقم موجات الجفاف ونقص هطول الأمطار، وتراجع رطوبة التربة، وزيادة الضغوط على الموارد المائية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي والأنظمة الزراعية الهشة في تلك المناطق.

تسلسل مناخي استثنائي ومستمر

أوضح التقرير أن المناطق الأكثر تضررًا شملت القرن الإفريقي، خاصة الصومال، وجنوب شرق إثيوبيا، وشرق كينيا، إلى جانب عدد من مناطق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، من بينها شمال إيران، وأفغانستان، وتركمانستان، وأوزبكستان.

وأشار إلى أن هذه المناطق تعرضت لفترات متعاقبة من الجفاف الممتد، بالتزامن مع هطول أمطار غير منتظم، دون تحقيق استعادة مستدامة للتوازن المائي.

ولفت التقرير إلى أن الظواهر المناخية الطبيعية، وعلى رأسها ظاهرة النينيو – التذبذب الجنوبي وثنائي القطب في المحيط الهندي، لعبت دورًا رئيسيًا في التأثير على أنماط سقوط الأمطار، إلا أنه أكد كذلك وجود اتجاه هيكلي متزايد نحو الجفاف، بما يتوافق مع توقعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في تقريرها التقييمي السادس الصادر عام 2023، والذي حذر من تصاعد حدة الظواهر المناخية المتطرفة في المناطق شبه القاحلة.

الأنظمة المائية تحت ضغط متزايد

وأوضح التقرير أن المؤشرات الهيدرولوجية أظهرت تدهورًا ملحوظًا في العديد من الدول، حيث يجري استخراج المياه الجوفية بمعدلات تتجاوز قدرة الطبيعة على تعويضها.

وأشار إلى أن إيران تفقد سنويًا نحو 1.7 مليار متر مكعب من المياه الجوفية، وفقًا للتقديرات الوطنية التي استند إليها تحليل مركز الأبحاث المشترك.

وفي آسيا الوسطى، تعتمد دول مثل تركمانستان وأوزبكستان بصورة كبيرة على الأنهار العابرة للحدود، وهو ما يجعل إدارة الموارد المائية أكثر عرضة للتوترات الإقليمية وتأثيرات التغير المناخي.

أما في القرن الإفريقي، فقد أدى الاعتماد المتزايد على مواسم الأمطار غير المنتظمة إلى زيادة هشاشة الأنظمة الرعوية، في وقت أظهرت فيه بيانات الأقمار الصناعية التابعة لبرنامج كوبرنيكوس لإدارة الطوارئ ارتفاعًا في درجات الحرارة وصل إلى 2.5 درجة مئوية فوق المتوسط خلال مارس 2026 في بعض مناطق آسيا الوسطى.

أزمة زراعية وغذائية متفاقمة

وسجل التقرير آثارًا مباشرة للجفاف على القطاع الزراعي، موضحًا أن إنتاج الذرة الرفيعة في الصومال تراجع بنحو 40% خلال السنوات الأخيرة.

كما شهد موسم “دير” في يناير 2026 فشل معظم المحاصيل بالمناطق القاحلة وشبه القاحلة، الأمر الذي زاد من الضغوط على الأسر الريفية.

وفي إثيوبيا، تجاوزت خسائر المحاصيل الزراعية نصف الإنتاج في بعض المناطق، ما دفع السلطات إلى تفعيل أنظمة الإنذار المبكر.

أما في كينيا، فقدر التقرير أن نحو 1.8 مليون شخص معرضون لخطر انعدام الأمن الغذائي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة.

وفي أفغانستان، تأثر ما يقرب من 3.4 مليون شخص بالجفاف خلال عام 2025، بينما لا تزال الأنظمة الزراعية تواجه خسائر مستمرة بسبب عدم انتظام الأمطار وتدهور التربة.

الاستجابة الإنسانية لا تزال تحت الضغط

ورغم اتساع حجم الأزمة، أكد التقرير أن الاستجابات الإنسانية ما زالت ضرورية، لكنها غير كافية لمواجهة الآثار المتراكمة لخمس سنوات متتالية من شح المياه.

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي خصص 63 مليون يورو كمساعدات إنسانية للصومال خلال عام 2026، إضافة إلى 79.4 مليون يورو لإثيوبيا في عام 2025، وتركزت هذه المساعدات على توفير الغذاء والتدخلات الإنسانية الطارئة.

لكن خبراء أكدوا أن تلك التدخلات لا تزال تركز على معالجة الأزمة الحالية، في حين أصبحت أزمة المياه ذات طابع هيكلي طويل الأمد.

وشدد مركز الأبحاث المشترك على أهمية تبني استراتيجيات بعيدة المدى لإدارة الموارد المائية، تشمل تحديث أنظمة الري، وتعزيز التعاون عبر الحدود، والاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر الخاصة بالتغيرات المناخية.

نحو جغرافيا سياسية جديدة للمياه والمناخ

ورأى التقرير أن موجات الجفاف المتتالية تعكس إعادة تشكيل عميقة للتوازنات الإقليمية، في ظل تداخل عوامل النمو السكاني، والاعتماد الكبير على الزراعة، والضغوط المناخية المتزايدة.

وأوضح أن المياه أصبحت عنصرًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار أو التسبب في عدم الاستقرار داخل هذه المناطق.

وأضاف أن شرق إفريقيا والشرق الأوسط باتا يشكلان نظامًا مائيًا مترابطًا يتعرض لضغوط متزايدة، في وقت لم تعد فيه الحدود السياسية تتوافق مع الطبيعة الجغرافية لأحواض الأنهار.

وأكد التقرير أن هذا الواقع يتطلب تعزيز التعاون بين الدول، وتسريع إجراءات التكيف مع التغيرات المناخية، وتطوير النماذج الزراعية والاقتصادية بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أنه، رغم توقع بعض التحسن خلال عام 2026 وفقًا للنماذج الموسمية الصادرة عن خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ، فإن التأثيرات المتراكمة للسنوات الخمس الماضية ستظل تؤثر بصورة مباشرة على منظومات الغذاء والمياه في المنطقة، مؤكدًا أن الجفاف لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبح واقعًا هيكليًا يفرض نفسه على مسار التنمية الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى