سفير مصر في جيبوتي لـ”زوم أفريكا نيوز”: علاقاتنا تدخل مرحلة غير مسبوقة.. شراكة تتسع وآفاقٌ للتعاون بلا حدود
تتمتع مصر وجيبوتي بعلاقات تاريخية واستراتيجية ممتدة على مدار عشرات السنين، إذ تُعد مصر من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية وافتتحت سفارة لها في جيبوتي عقب استقلالها عام 1977.
ومنذ ذلك الحين، واصلت مصر دعمها لجيبوتي على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والتنموية، وأسهمت في جهود بناء الدولة وتعزيز قدرات مؤسساتها الوطنية، انطلاقاً من إيمانها بأهمية استقرار جيبوتي ودورها المحوري في منطقة القرن الأفريقي.
كما تؤكد مصر دعمها للمسيرة التنموية التي تشهدها جيبوتي تحت قيادة فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيله، الذي جدد الشعب الجيبوتي ثقته فيه بانتخابه لولاية رئاسية جديدة خلال الانتخابات التي أُجريت في أبريل الماضي.
وفي هذا الإطار، أجرى موقع “زوم أفريكا نيوز” حوارًا مع السفير عبد الرحمن رأفت، سفير جمهورية مصر العربية لدى جيبوتي، كشف خلاله عن العديد من الجوانب المهمة المتعلقة بالعلاقات بين البلدين، حيث أكد أن هناك آفاقًا واسعة وغير مستغلة للتعاون المشترك، لا سيما في قطاعات الموانئ والمناطق الحرة والطاقة، وخاصة الطاقة المتجددة.
كما شدد على حرص مصر على إتاحة فرص تعليمية متنوعة للأشقاء في جيبوتي، من خلال المنح الدراسية التي تقدمها الجامعات المصرية الحكومية والخاصة، فضلًا عن المنح التي يوفرها الأزهر الشريف.
إلى نص الحوار:
كيف تقيّمون مستوى العلاقات بين مصر وجيبوتي في المرحلة الحالية؟ وما ابرز ملفات التعاون المشترك؟
تشهد العلاقات المصرية–الجيبوتية اليوم مرحلة هي الأكثر تطوراً في تاريخها، مدفوعة برؤية مشتركة وإرادة سياسية قوية لدى قيادتي البلدين لتعزيز التعاون وتحويله إلى شراكات عملية تخدم مصالح الشعبين الشقيقين. ويواكب هذا الزخم تشاور سياسي مستمر وتنسيق وثيق إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية، بما يعكس مستوى الثقة والتفاهم الذي يميز العلاقات بين القاهرة وجيبوتي.
ولا يقتصر التعاون على مجال بعينه، بل يمتد ليشمل مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والتنموية والاجتماعية. فإلى جانب التعاون في مجالات الصحة والتعليم وبناء القدرات، يشهد البلدان تقدماً ملموساً في مجالات الموانئ والمناطق الحرة، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والنقل، والتجارة والاستثمار، مع اهتمام متزايد بفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات التنمية المستدامة.
ونحن نؤمن بأن المرحلة المقبلة تحمل فرصاً أكبر لتعميق هذه الشراكة، من خلال تنفيذ المزيد من المشروعات المشتركة، وتشجيع القطاع الخاص، وتعزيز الربط اللوجستي والتجاري، والاستفادة من المزايا النسبية التي يمتلكها البلدان، بما يحقق التنمية والازدهار ويعود بالنفع المباشر على الشعبين المصري والجيبوتي.
كيف انعكست الزيارات الرسمية المتبادلة على تطوير العلاقات الثنائية؟
لقد شكّلت اللقاءات المتكررة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وأخيه فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيله نقطة تحول حقيقية في مسار العلاقات المصرية–الجيبوتية، إذ نقلت التعاون الثنائي من مرحلة التنسيق التقليدي إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية القائمة على رؤية مشتركة وبرامج عمل واضحة.
وجاءت زيارة الرئيس السيسي إلى جيبوتي في أبريل 2025 لتؤكد هذا التوجه، حيث أرست أسس مرحلة جديدة من التعاون، تُرجمت من خلال البيان الرئاسي المشترك الذي وضع إطاراً عملياً لتوسيع التعاون في عدد كبير من القطاعات، مع التركيز على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الفعلي للمشروعات المشتركة.
ولم يقتصر هذا الزخم على مستوى القمة، بل امتد إلى مختلف مؤسسات الدولتين، من خلال تبادل الزيارات الوزارية والفنية بصورة غير مسبوقة، ومن بينها زيارة السيد نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير النقل إلى جيبوتي، ثم مشاركة دولة رئيس مجلس الوزراء في مراسم تنصيب فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيله، فضلاً عن الزيارات المتواصلة التي قام بها عدد من كبار المسئولين الجيبوتيين إلى مصر.
ويؤكد استمرار الإعداد لزيارات جديدة رفيعة المستوى خلال الفترة المقبلة أن العلاقات بين البلدين أصبحت تقوم على آلية مؤسسية نشطة للحوار والمتابعة، بما يضمن الحفاظ على وتيرة التعاون الحالية ويفتح المجال أمام إطلاق مبادرات ومشروعات جديدة تعزز المصالح المشتركة وتدعم التنمية في البلدين.
ما أبرز القطاعات التي ترون أنها توفر فرصاً واعدة لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين مصر وجيبوتي؟ وما الفرص المتاحة أمام المستثمرين المصريين في السوق الجيبوتية؟
لا تزال هناك آفاق واسعة وغير مستغلة للتعاون بين البلدين، لاسيما في قطاعات الموانئ والمناطق الحرة، والطاقة، وخاصة الطاقة المتجددة، في ضوء ما تتمتع به جيبوتي من موقع استراتيجي ومقومات طبيعية تؤهلها لأن تكون مركزاً إقليمياً مهماً في هذه المجالات.
كما تبرز فرص واعدة في مجالات الصيد البحري والاستزراع السمكي، فضلاً عن قطاع السياحة الذي يُعد أحد القطاعات ذات الأولوية في رؤية جيبوتي 2035، لما يمتلكه من إمكانات كبيرة لتحقيق عوائد اقتصادية وتنموية، والمساهمة في خلق فرص العمل وتعزيز التنمية المستدامة.
وانطلاقاً من ذلك، نرى أن السوق الجيبوتية توفر فرصاً حقيقية أمام الشركات والمستثمرين المصريين في العديد من القطاعات، من بينها الخدمات اللوجستية والمناطق الحرة، وتطوير الموانئ، والطاقة المتجددة، والسياحة، وقطاع التجزئة، والصيد البحري والاستزراع السمكي، إلى جانب مشروعات البنية التحتية والخدمات، بما يفتح المجال لإقامة شراكات استثمارية ناجحة تحقق المنفعة المتبادلة للبلدين.
هل هناك مشروعات اقتصادية أو استثمارية مصرية قائمة في جيبوتي؟
بالفعل، انتقلت العلاقات الاقتصادية بين مصر وجيبوتي من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ، حيث يجري العمل على عدد من المشروعات الاستثمارية المصرية، في إطار الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الجانبين، والتي تشمل تطوير مشروعات في قطاع الموانئ، وإنشاء منطقة لوجستية، وتنفيذ مشروعات للطاقة، بما يعكس الثقة المتبادلة والإمكانات الواعدة التي تزخر بها السوق الجيبوتية.
وقد أثمرت هذه الشراكة عن تنفيذ عدد من المشروعات الاقتصادية والتنموية، من أبرزها الافتتاح الرسمي لبنك مصر جيبوتى، والانتهاء من تنفيذ محطة الطاقة الشمسية بقرية عمر ججع، التي مولتها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، الذراع التنموي لوزارة الخارجية، ونفذتها الهيئة العربية للتصنيع. ويُعد هذا المشروع نموذجاً متميزاً للتعاون المصري–الجيبوتي، ويجسد التزام مصر بدعم جهود التنمية المستدامة في جيبوتي من خلال تقديم حلول تنموية عملية ومستدامة تسهم في تحسين مستوى الخدمات وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
كيف يمكن تعزيز التبادل التجاري بين البلدين؟
أرى أن العلاقات التجارية بين مصر وجيبوتي تمتلك إمكانات كبيرة للنمو، وأن ما تحقق حتى الآن يمثل بداية جيدة يمكن البناء عليها خلال السنوات المقبلة. فالموقع الجغرافي المتميز لجيبوتي، باعتبارها بوابة رئيسية لمنطقة القرن الأفريقي، يتكامل مع القدرات الصناعية والإنتاجية واللوجستية التي تمتلكها مصر، وهو ما يهيئ فرصاً حقيقية لتوسيع حجم التجارة والاستثمارات بين البلدين.
وتتمتع المنتجات المصرية بميزات تنافسية مهمة، سواء من حيث الجودة أو تنوعها أو قرب المسافة وسرعة وصولها إلى السوق الجيبوتية، وهو ما يجعلها قادرة على تلبية احتياجات المستهلك الجيبوتي بكفاءة، ويتيح في الوقت نفسه فرصاً أكبر لزيادة حجم الصادرات المصرية وتنويعها.
ولتحقيق نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية، من المهم مواصلة العمل على تطوير الربط البحري والجوي واللوجستي بين البلدين، وتعزيز التواصل المباشر بين مجتمع الأعمال، وتشجيع الشراكات بين القطاع الخاص في الجانبين، مع الاستفادة من المزايا التي توفرها اتفاقية الكوميسا وغيرها من الأطر الإقليمية. وأنا على ثقة بأن هذه الخطوات ستسهم في تحويل ما يمتلكه البلدان من مقومات وإمكانات إلى مشروعات واستثمارات ملموسة تحقق قيمة مضافة للاقتصادين المصري والجيبوتي، وتدعم جهود التنمية المستدامة في البلدين.
ما دور الموقع الاستراتيجي لجيبوتي في دعم التعاون الاقتصادي مع مصر؟
نحن نؤمن بأن الجمع بين الموقع الاستراتيجي لجيبوتي والخبرات والإمكانات المصرية يفتح آفاقاً واسعة لشراكات استثمارية مستدامة تحقق المنفعة المتبادلة، وتسهم في دعم جهود التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين.
كيف تنظرون إلى أهمية التنسيق المصري–الجيبوتي بشأن القضايا الإقليمية وأمن الممرات الملاحية والبحر الأحمر؟
تنظر مصر إلى التنسيق والتعاون مع جيبوتي باعتباره ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المصالح المشتركة، والمسؤولية التي يضطلع بها البلدان في الحفاظ على أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ولا يخفى أن الموقع الاستراتيجي الفريد لجيبوتي عند مضيق باب المندب يمنحها أهمية استثنائية في معادلة أمن البحر الأحمر، إذ يمكن القول إن المدخل الجنوبي المؤدي إلى قناة السويس يبدأ عملياً من السواحل الجيبوتية. ومن ثم، فإن التنسيق المصري–الجيبوتي في هذا المجال ليس خياراً، وإنما ضرورة استراتيجية تمليها اعتبارات الأمن القومي والمصالح المشتركة للبلدين، فضلاً عن مسؤوليتهما المشتركة في الحفاظ على أمن واستقرار أحد أهم الممرات الملاحية الدولية. ومن هذا المنطلق، يحرص البلدان على مواصلة التشاور والتنسيق السياسي بصورة منتظمة وعلى أعلى المستويات إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
كما تتوافق رؤى مصر وجيبوتي بشأن المبادئ الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية، وفي مقدمتها الالتزام بأحكام القانون الدولي واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. ويولي البلدان أهمية خاصة لضمان أمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، باعتبارهما من أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، بما يسهم في تعزيز استقرار الاقتصاد العالمي وضمان انسيابية حركة التجارة الدولية.
وتنطلق مصر وجيبوتي من قناعة مشتركة بأن تحقيق الأمن والاستقرار المستدامين لا يقتصر على الجوانب الأمنية فحسب، وإنما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحقيق التنمية، وتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وتوسيع مجالات التعاون القائم على المصالح المتبادلة. ومن هذا المنطلق، تدعم مصر مختلف أطر التعاون الإقليمي التي تقوم على الشفافية، والاحترام الكامل للقانون الدولي، ومبادئ حسن الجوار، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار، وتهيئة بيئة مواتية للتنمية والازدهار لشعوب المنطقة.
ما دور المنح الدراسية المصرية في دعم العلاقات مع الشعب الجيبوتي، وكيف تسهم المؤسسات التعليمية والثقافية المصرية في تعزيز تلك العلاقات ؟
يحتل التعاون في مجالي التعليم وتنمية الموارد البشرية مكانة متقدمة ضمن أولويات الشراكة المصرية–الجيبوتية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان قبل أي شيء آخر.
ولهذا تحرص مصر على إتاحة فرص تعليمية متنوعة للأشقاء في جيبوتي، من خلال المنح المقدمة بالجامعات المصرية الحكومية والخاصة، فضلاً عن المنح التي يوفرها الأزهر الشريف، والتي تحظى بمكانة متميزة لدى الطلاب الجيبوتيين.
وفي السياق ذاته، أطلقت مصر مبادرة “ادرس في مصر” لتكون نافذة متكاملة تتيح للطلاب من مختلف الدول، ومن بينها جيبوتي، التعرف على البرامج الأكاديمية والجامعات المصرية، واستكمال إجراءات التقديم إلكترونياً بكل سهولة، بما يوسع فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي والدراسات العليا في مختلف التخصصات.
ومن أكثر الأمور التي تبعث في نفسي الاعتزاز، أنني ألتقي باستمرار في جيبوتي بمسؤولين وخبراء وكفاءات وطنية كانت لهم تجربة دراسية أو تدريبية في مصر. فهذا يؤكد أن العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم المشروعات أو الاتفاقيات، وإنما أيضاً بما يُبنى من كوادر بشرية تمتلك المعرفة والخبرة، وتؤمن بقيمة التعاون والانفتاح. فبناء الإنسان يظل الركيزة الأساسية لبناء المجتمعات، وهو استثمار تتجاوز آثاره حدود الحاضر ليصنع مستقبل الأجيال القادمة.
كما أن الدراسة أو التدريب في بلد آخر لا يقتصر أثره على التحصيل العلمي، بل يتيح تجربة إنسانية وثقافية ثرية، تُسهم في تعميق التفاهم وتكوين علاقات شخصية ومهنية تستمر لسنوات طويلة. ولهذا فإننا نعتبر التبادل التعليمي وبناء القدرات أحد أهم جسور التقارب بين مصر وجيبوتي، وعنصراً أساسياً في ترسيخ الشراكة الاستراتيجية بين البلدين على المدى الطويل.
هل هناك اهتمام متزايد بتعلم اللغة العربية أو الدراسة في مصر لدى الشباب الجيبوتي؟
بلا شك. فاللغة العربية ليست مجرد لغة متداولة في جيبوتي، وإنما تمثل ركناً أصيلاً من هويتها الوطنية والدينية والثقافية، كما أن جيبوتي تعتز بانتمائها العربي إلى جانب انتمائها الأفريقي. ولذلك، يحظى تعلم اللغة العربية باهتمام متزايد على المستويين الرسمي والشعبي.
وفي هذا الإطار، يسعدني أن أشير إلى قرب افتتاح مركز تعليم اللغة العربية في جيبوتي بمقر معهد الوسطية، حيث سيتولى الأزهر الشريف إيفاد نخبة من أساتذته المتخصصين للتدريس بالمركز. ويأتي هذا المشروع تنفيذاً لما اتفق عليه قائدا البلدين في البيان الرئاسي المشترك الصادر عقب زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جيبوتي في أبريل 2025، ويجسد حرص مصر وجيبوتي على تعزيز التعاون الثقافي والتعليمي، وترسيخ قيم الاعتدال والفكر المستنير.
وننظر إلى هذا المركز باعتباره أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية؛ فهو جسر حضاري يربط بين الشعبين الشقيقين، ومنارة جديدة لتعزيز مكانة اللغة العربية في المجتمع الجيبوتي. ونأمل أن يسهم في إعداد أجيال أكثر ارتباطاً بلغتها وثقافتها، ودعم مسيرة التعليم وبناء القدرات، وتعميق التواصل الإنساني والثقافي بين بلدينا. ونحن نؤمن بأن الاستثمار في اللغة والثقافة هو استثمار في الإنسان، وأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات، وتُرسَّخ به علاقات الصداقة والتعاون بين الدول.
ولا يمكن الحديث عن تعليم اللغة العربية في جيبوتي دون الإشارة إلى المكانة الرفيعة التي يحظى بها الأزهر الشريف لدى حكومة وشعب جيبوتي، باعتباره منارة عالمية للاعتدال والوسطية ومرجعية علمية ودينية مرموقة. فقد أسهم، على مدى عقود، في إعداد أجيال من العلماء والكوادر الجيبوتية، وهو ما جعله أحد أهم جسور التواصل الثقافي والإنساني، وأحد أبرز روافد الحضور المصري في جيبوتي.
أما فيما يتعلق بالدراسة في مصر، فإننا نلمس اهتماماً متزايداً من الشباب الجيبوتي بالالتحاق بالجامعات المصرية، لما تتمتع به من مكانة أكاديمية عريقة وتنوع في التخصصات. ونحن نرحب دائماً بالطلاب الجيبوتيين، لأننا نؤمن بأن سنوات الدراسة لا تمنح الطالب علماً وخبرة فحسب، بل تتيح له أيضاً تجربة إنسانية وثقافية ثرية، تُسهم في بناء جسور من التفاهم والتقارب بين الشعبين. وفي تقديري، فإن كل طالب جيبوتي يتخرج في مصر لا يعود حاملاً شهادة علمية فحسب، بل يعود أيضاً حاملاً تجربة إنسانية وثقافية تجعله جسراً للتواصل، وسفيراً للعلاقات الأخوية بين بلدينا.
كيف تصفون أوضاع الجالية المصرية في جيبوتي؟ وما أبرز التحديات التي تواجههم؟
تولي الدولة المصرية، بقيادة وزارة الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج، اهتماماً بالغاً بأبنائها في الخارج، ويأتي هذا الملف في مقدمة أولويات العمل الدبلوماسي. وقد شهد هذا الاهتمام خلال الفترة الأخيرة زخماً ملحوظاً، سواء من خلال المتابعة المباشرة للسيد الوزير د. بدر عبد العاطي، أو من خلال التوجيه المستمر بتطوير الخدمات والرعاية المقدمة للمواطن أينما كان.
وفي السفارة في جيبوتي، نحرص على ترجمة هذا التوجه إلى واقع عملي من خلال التواصل المستمر مع أبناء الجالية، والحفاظ على قنوات اتصال مباشرة معهم، وفتح أبواب السفارة أمامهم، وتوفير أرقام للطوارئ، وإنجاز المعاملات القنصلية بأقصى سرعة ممكنة وفقاً للقواعد المنظمة، مع الحرص دائماً على أن يسود أداءنا روح القانون، وأن يشعر كل مواطن بأن السفارة هي بيته وسنده في الخارج.
أما عن الجالية المصرية في جيبوتي، فهي جالية ليست كبيرة من حيث العدد، لكنها كبيرة بما تقدمه من إسهامات. فالمصريون حاضرون في قطاعات حيوية ومتنوعة، من الطب والهندسة والتعليم والمحاسبة إلى الفندقة والخدمات، فضلاً عن البعثة الأزهرية التي تضطلع برسالة علمية ودعوية وثقافية مهمة. ولذلك، فعلى الرغم من محدودية عدد أفراد الجالية، فإن حضورهم في المجتمع الجيبوتي ملموس، وإسهاماتهم محل تقدير واحترام ونعتز بما يعكسونه من صورة مشرفة لمصر من خلال التزامهم وكفاءتهم وأخلاقهم الرفيعة.
وبطبيعة الحال، لا تخلو حياة أي جالية في الخارج من بعض التحديات المرتبطة بطبيعة الإقامة والعمل والإجراءات الإدارية، إلا أننا نحرص على التعامل معها أولاً بأول، بالتنسيق مع السلطات الجيبوتية، التي نقدر بشدة تعاونها معنا، بما يكفل الحفاظ على مصالح أبناء الجالية وتقديم الدعم اللازم لهم في مختلف الظروف.
ما أكثر ما لفت انتباهكم منذ توليكم مهام العمل في جيبوتي؟ وكيف تصفون طبيعة المجتمع الجيبوتي؟
أستطيع أن أقول بكل صدق إن السنة الأولى لي في جيبوتي كانت تجربة ثرية على المستويين المهني والإنساني. فعلى الرغم من أن طبيعة العمل الدبلوماسى تنطوى على الكثير من الأسفار، الا أن هناك أماكن تترك أثراً خاصاً في النفس، وجيبوتي بالنسبة لي كانت من هذه الأماكن.
أول ما لفت انتباهي هو الإنسان الجيبوتي، فقد لمست منذ الأيام الأولى بساطة في التعامل، وصدقاً في المشاعر، وكرماً في الاستقبال، وابتسامة صادقة تسبق الكلمات. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الانطباع الأكبر. ولذلك لم أشعر يوماً بأنني غريب، بل وجدت نفسي بين أهل وأصدقاء.
وقد اكتشفت بلداً يتمتع بطبيعة متنوعة وجمال هادئ ربما لا يعرفه كثيرون، لكنه يستحق أن يُكتشف.
ومن الأمور التي أقدرها كثيراً في المجتمع الجيبوتي قدرته على التعايش، واحترام التنوع، والانفتاح على الثقافات المختلفة، إلى جانب هذا التناغم الجميل بين العربية والفرنسية واللغات الوطنية في الحياة اليومية، وهو ما يعكس ثراءً ثقافياً وإنسانياً مميزاً.
وفي النهاية، أعتقد أن أجمل ما خرجت به خلال عامي الأول في جيبوتي لم يكن فقط ما تحقق على صعيد العمل، وإنما ما كسبته من علاقات إنسانية صادقة مع أبناء هذا البلد الكريم. فالمناصب تنتهي، أما الذكريات الطيبة والمودة الصادقة فتبقى، وأثق أن جيبوتي ستظل دائماً تحتل مكانة خاصة في قلبي، كما أتمنى أن تظل مصر دائماً حاضرة في قلوب أشقائنا في جيبوتي.
كيف ترون مستقبل العلاقات المصرية–الجيبوتية خلال السنوات المقبلة؟
أنا متفائل جداً بمستقبل العلاقات، فما تحقق خلال السنوات الماضية يُعد إنجازاً مهماً، لكنه في تقديري ليس سوى بداية لمسار واعد يمتلك إمكانات أكبر بكثير. فالعلاقات بين بلدينا تشهد اليوم زخماً غير مسبوق، يقوم على إرادة سياسية قوية لدى قيادتي البلدين، ورؤية مشتركة تؤمن بأن مصر وجيبوتي شريكان طبيعيان، وأن هناك فرصاً واسعة لا تزال تنتظر أن تتحول إلى مشروعات وإنجازات ملموسة.
ومن جانبنا، نواصل في السفارة، بالتنسيق الوثيق مع مختلف مؤسسات الدولة المصرية، العمل على ترجمة هذه الإرادة السياسية إلى خطوات عملية ومبادرات تخدم مصالح البلدين والشعبين. وما يبعث على التفاؤل أيضاً هو ما نلمسه من ترحيب وتفاعل صادق من الأشقاء في جيبوتي، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، وهو ما يوفر بيئة إيجابية وحاضنة حقيقية لتطوير التعاون في مختلف المجالات.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد امتداد لما تحقق، بل ستشهد نقلة نوعية في العلاقات الثنائية، من خلال المزيد من المشروعات المشتركة، والمزيد من المبادرات الجديدة، والأهم المزيد من الأفكار غير التقليدية التي تستثمر ما يملكه البلدان من مقومات تكامل كبيرة. فكلما تعمقنا في العمل المشترك، اكتشفنا مجالات جديدة للتعاون لم تكن مطروحة من قبل، سواء في الاقتصاد أو الاستثمار أو التعليم أو الصحة أو الطاقة أو اللوجستيات أو بناء القدرات.
وفي النهاية، أؤمن بأن العلاقات المصرية–الجيبوتية أكبر من كونها علاقات دبلوماسية بين دولتين؛ فهي علاقة أخوة وثقة وشراكة حقيقية بين شعبين يجمعهما التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة. ولذلك، فإنني على ثقة بأن أفضل ما في هذه العلاقات لم يتحقق بعد، وأن السنوات المقبلة ستشهد ترجمة هذا الزخم السياسي إلى مزيد من الخطوات التنفيذية والمبادرات النوعية والإنجازات الملموسة، بما يحقق تطلعات قيادتي البلدين، ويعود بالنفع والازدهار على الشعبين الشقيقين.



