نيجيريا.. تحرك برلماني نحو لامركزية المنظومة الأمنية
إعادة هيكلة نظام الشرطة
مراسلنا من نيجيريا
اكتسبت الجهود المستمرة منذ سنوات، لإنشاء قوات شرطة على مستوى الولايات في نيجيريا زخماً غير مسبوق، يوم الخميس، بعدما أحرز مجلسا الجمعية الوطنية (البرلمان) تقدماً في تعديلات دستورية تهدف إلى إعادة هيكلة نظام الشرطة ومنح الولايات صلاحيات أمنية أوسع.
وفي خطوة وُصفت بالتاريخية، وافق مجلس النواب بأغلبية ساحقة على مشروع تعديل دستوري ينقل ملف الشرطة من «القائمة التشريعية الحصرية» التابعة للحكومة الفيدرالية إلى «القائمة التشريعية المشتركة»، ما يتيح للولايات إنشاء وإدارة قوات الشرطة الخاصة بها.
ومن أصل 290 نائباً شاركوا في التصويت، أيد 289 المشروع، بينما عارضه نائب واحد فقط.
ويُعد هذا التطور، من أبرز محاولات الإصلاح الدستوري في السنوات الأخيرة، في ظل تفاقم التحديات الأمنية التي تواجه البلاد، بما في ذلك الإرهاب وقطاع الطرق والخطف والعنف الأهلي والجريمة المنظمة.
ووصف رئيس مجلس النواب، Tajudeen Abbas، إقرار المشروع بأنه خطوة حاسمة نحو بناء منظومة أمنية أكثر قدرة على التعامل مع التحديات المحلية، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.
وقال عباس: «إنها خطوة دستورية نحو إنشاء إطار أمني أكثر استجابة للواقع المحلي، مع بقائه جزءاً من سيادة نيجيريا».
مجلس الشيوخ يدفع بالمقترح إلى الأمام
في مجلس الشيوخ، اجتاز مشروع قانون الشرطة المحلية القراءة الثانية، وأُحيل إلى اللجنة الخاصة بمراجعة دستور عام 1999 لمزيد من الدراسة.
وخلال مناقشة المشروع، أكد زعيم الأغلبية في المجلس، Opeyemi Bamidele، أن هيكل الشرطة المركزي الحالي لم يعد قادراً على مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة ذات الطابع المحلي.

وأوضح أن إنشاء شرطة الولايات من شأنه تعزيز جمع المعلومات الاستخباراتية، وتحسين الاستجابة للطوارئ، وتطوير مفهوم الشرطة المجتمعية، وتخفيف الضغط عن أجهزة الأمن الفيدرالية.
وأضاف: «يكون الأمن أكثر فاعلية عندما يكون محلياً، فالأشخاص الذين يعرفون طبيعة المنطقة ولغتها وثقافتها هم الأقدر على اكتشاف التهديدات قبل تفاقمها».
كما رفض المخاوف المتعلقة بإمكانية إساءة حكام الولايات استخدام هذه القوات، مشيرًا إلى أن المشروع يتضمن آليات رقابية تشمل لجان خدمة شرطة الولايات، ومتابعة فيدرالية، ومصادقة الهيئات التشريعية المحلية على التعيينات الرئيسية.
إطار أمني جديد
يقترح التعديل الدستوري إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الشرطة في البلاد، بحيث تعمل قوتان متوازيتان: الشرطة الفيدرالية وشرطة الولايات.
وبموجب المقترح، لن تتمكن أي ولاية من بدء عملياتها الشرطية إلا بعد إصدار تشريعات محلية عبر برلمان الولاية والالتزام بالمعايير الوطنية التي تضعها الجمعية الوطنية.
وستواصل الشرطة الفيدرالية مسؤولياتها المتعلقة بالأمن القومي، والجرائم العابرة للولايات والإرهاب، وأمن الحدود والجرائم الإلكترونية وحماية الأصول الفيدرالية، بينما تتولى شرطة الولايات مهام الأمن الداخلي داخل حدود كل ولاية.
كما يقيد المشروع، تدخل الحكومة الفيدرالية في شؤون شرطة الولايات، باستثناء حالات الانهيار الكامل للنظام العام، أو بطلب من حاكم الولاية، أو عند عجز الشرطة المحلية عن أداء مهامها.
تعيين قادة الشرطة في الولايات
وينص التعديل على أن يتولى قيادة شرطة كل ولاية مفوض شرطة يعينه حاكم الولاية، بعد التشاور مع المجلس الوطني للشرطة والحصول على موافقة السلطة التشريعية المحلية.
أما الشرطة الفيدرالية، فستظل بقيادة المفتش العام للشرطة الذي يعينه رئيس الجمهورية ويصادق عليه البرلمان.
كما يوفر المشروع، ضمانات دستورية لتنظيم إجراءات الإعفاء من المنصب، بما يضمن المساءلة والاستقلالية التشغيلية لكلا المنصبين.
جدل داخل مجلس النواب
وشهدت جلسة التصويت بعض التوتر عندما اعترض النائب Bashir Zubairu Usman، مؤكدًا أن النواب تسلموا النسخة النهائية من التعديل يوم التصويت نفسه، ما لم يمنحهم الوقت الكافي لدراستها.
إلا أن رئيس المجلس، رفض الاعتراض واستمر في عملية التصويت رغم مطالبات بعض النواب بإثارة نقاط نظام.
ارتفاع الإنفاق الأمني
وتزامنا مع الجدل المثار حول شرطة الولايات مع زيادة كبيرة في الإنفاق الأمني النيجيري، فقد أظهرت بيانات حديثة، أن البلاد أنفقت 32.5 مليار نايرا على واردات الأسلحة خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 48% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
ووصف المحلل الأمني Chidi Omeje، هذه الزيادة بأنها استجابة ضرورية لتصاعد التهديدات الأمنية، داعياً في الوقت نفسه إلى تعزيز الاستثمار في التدريب وأنظمة المراقبة وصناعة الأسلحة محلياً.
آراء متباينة
حظي المقترح، بدعم عدد من القادة الأمنيين السابقين والخبراء في السياسات العامة. ودعا المفتش العام المساعد السابق للشرطة Ali Amodu إلى تأييد المبادرة، مشيراً إلى نجاح نماذج الشرطة اللامركزية في العديد من الأنظمة الفيدرالية حول العالم.
كما اعتبر المستشار الأمني لحاكم ولاية Sokoto State، العقيد المتقاعد Ahmed Usman، أن شرطة الولايات تمثل أحد أكثر الحلول العملية للأزمة الأمنية، مقترحاً إعادة نشر الضباط في ولاياتهم الأصلية لتعزيز جمع المعلومات المحلية.
في المقابل، حذر مفوض الشرطة السابق Ladodo Rabiu من أن العديد من الولايات قد تفتقر إلى الموارد المالية اللازمة لتمويل قوات الشرطة وتوفير التدريب والمعدات والبنية اللوجستية المطلوبة.
كما أعرب عن مخاوفه من احتمال نشوب نزاعات حول الاختصاصات بين الشرطة الفيدرالية وشرطة الولايات.
ماذا بعد؟
مع موافقة مجلس النواب، واستمرار مجلس الشيوخ في مناقشة المشروع، تتزايد التوقعات بشأن أحد أهم الإصلاحات الدستورية في تاريخ نيجيريا الحديث.
وفي حال إقراره نهائيًا من البرلمان واعتماده من العدد المطلوب من المجالس التشريعية للولايات، فقد يشهد البلد تحولاً جذرياً في منظومته الأمنية، منهياً عقوداً من الاحتكار الفيدرالي لإدارة الشرطة وممهداً لعصر جديد من اللامركزية في إنفاذ القانون.



