نميرة نجم تطالب بسردية أكثر توازنًا عن الهجرة الإفريقية
أهمية بناء سياسات هجرة قائمة على الحقائق والبيانات

كتب:محمد عمران
قالت السفيرة الدكتورة نميرة نجم، خبيرة القانون الدولي والهجرة ومديرة المرصد الإفريقي للهجرة، إن نقل مواطني دول ثالثة إلى بلدان لا يرغبون في الاستقرار فيها، وفي الوقت نفسه لا يرغب سكانها في استقبالهم، يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل هؤلاء الأشخاص ومستقبل المجتمعات المستقبلة لهم، فضلًا عن التداعيات الاجتماعية والإنسانية المترتبة على ذلك.
وفي هذا السياق، تساءلت عن مدى استدامة هذه الحلول المطروحة حاليًا من بعض الدول الأوروبية، ومدى توافقها أو تعارضها مع القواعد والمواثيق والاتفاقيات الدولية التي تنظم حقوق الإنسان.
جاء ذلك في كلمتها خلال الاجتماع الأول للجنة المنسقين التوجيهية لمبادرة بعنوان «المبادرة المشتركة بشأن الهجرة» (Joint Initiative on Migration)، التي أطلقتها مدرسة هيرتي للدراسات العليا في العاصمة الألمانية برلين، بالشراكة مع مؤسسة ريتشارد جير الخيرية.

أهمية بناء سياسات هجرة قائمة على الحقائق والبيانات وتعزيز التعاون
وأكدت السفيرة نجم في كلمتها أن مبادرة تغيير السرديات حول الهجرة تمثل قضية محورية تتقاطع مباشرة مع عمل المرصد الإفريقي للهجرة، مشيرة إلى أن المرصد أطلق بالفعل مبادرة داخلية تهدف إلى تحدي الروايات السائدة بشأن الهجرة الإفريقية، والتي غالبًا ما تتعارض مع الحقائق والأرقام الفعلية.
وقالت إن الخطاب المتداول في العديد من وسائل الإعلام والمنصات السياسية لا يعكس بدقة واقع الهجرة الإفريقية، موضحة أن تغيير السردية السائدة يمثل خطوة أساسية نحو بناء سياسات أكثر توازنًا وواقعية.
وأضافت أن هذا التغيير لا ينبغي أن يقتصر على تقديم وجهة النظر الإفريقية فحسب، بل يجب أن يشمل أيضًا الأطراف الأوروبية، لأن معالجة الظاهرة بصورة شاملة تتطلب فهمًا متكاملًا للمسؤوليات والتحديات على جانبي البحر المتوسط.

وأوضحت أن انخفاض أعداد القوارب المغادرة بصورة غير نظامية من بعض الدول لا يعني بالضرورة تراجع حركة الهجرة من مواطنيها، مشيرة إلى أن مسارات الهجرة تتغير باستمرار، وأن الطريق المغربي يشهد حاليًا عبور أعداد متزايدة من جنسيات مختلفة، بما في ذلك مهاجرون قادمون من دول نجحت في الحد من الهجرة غير النظامية عبر مسارات أخرى.
السفيرة الإفريقية تحذر من تضليل إعلامي يشوه واقع الهجرة
كما دعت إلى إيلاء اهتمام أكبر للتحولات التي تشهدها دول شمال إفريقيا، والتي لم تعد مجرد دول عبور، بل أصبحت في كثير من الحالات دول مقصد واستقرار للمهاجرين، الأمر الذي يفرض عليها تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية جديدة.
وأوضحت أن التحديات لا تقتصر على قضايا التمييز أو العنصرية تجاه المهاجرين، بل تشمل أيضًا طبيعة العلاقات والتفاعلات بين المجتمعات الإفريقية المختلفة، معتبرة أن بعض هذه الإشكاليات تعكس آثارًا تاريخية وإرثًا استعماريًا لا تزال القارة تتعامل مع تداعياته حتى اليوم.
ولفتت الانتباه إلى أن ظواهر مثل تهريب المهاجرين لا تقتصر على طرف واحد، بل تشمل شبكات وعوامل موجودة في ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية، ما يستدعي تناول القضية بصورة أعمق وأكثر شمولًا.
كما شددت على أن المعرفة المتعلقة بالأسباب الجذرية للهجرة متوافرة إلى حد كبير، إلا أن الفجوات لا تزال قائمة فيما يتعلق بالبيانات والتحليل الدقيق لأنماط الهجرة واتجاهاتها.
وأكدت أن الأرقام العالمية تظهر أن أعداد المهاجرين الآسيويين والأوروبيين تفوق أعداد المهاجرين الأفارقة، كما أن الهجرة النظامية تتجاوز من حيث الحجم الهجرة غير النظامية، وهو ما يتناقض مع كثير من التصورات السائدة في النقاشات العامة. وشددت على أن هذه المعطيات تستدعي تحليلات ديموغرافية معمقة لفهم التحولات السكانية وتأثيراتها المستقبلية.
وأضافت أن النقاش حول الهجرة في منطقة المتوسط يرتبط أيضًا بالتغيرات الديموغرافية، حيث تواجه بعض المجتمعات الأوروبية تحديات الشيخوخة السكانية وتحتاج إلى يد عاملة شابة، في حين قد يؤدي استقطاب الكفاءات من الدول الإفريقية إلى تفاقم ظاهرة هجرة العقول وتأثيرها على جهود التنمية في بلدان المنشأ.

كما شددت على أهمية فهم الأسباب التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم لعبور البحر المتوسط، رغم المخاطر الجسيمة التي تحيط بهذه الرحلات، مؤكدة ضرورة البحث عن حلول عملية تسهم في إنقاذ الأرواح ومعالجة الدوافع الحقيقية للهجرة.
وأكدت أن الدراسة المقترحة يمكن أن تقدم قيمة مضافة مهمة من خلال تناول هذه القضايا بصورة علمية قائمة على الأدلة، مشددة على أن تغيير السرديات يبدأ بإعلاء الحقائق والبيانات فوق الاعتبارات السياسية.

وأضافت أن قضية الهجرة أصبحت في كثير من الأحيان أداة تستخدم في الحملات الانتخابية والخطابات السياسية، في حين أن الأرقام والوقائع تقدم صورة مختلفة وأكثر تعقيدًا.
وأشارت إلى أن توظيف البيانات الموثوقة وتعزيز جهود التواصل والإعلام يمكن أن يشكلا أساسًا متينًا لبناء سردية أكثر توازنًا وإنصافًا بشأن الهجرة على المستوى الدولي.

وأكدت السفيرة نميرة نجم أن النقاش حول الهجرة لا يمكن فصله عن أوضاع النزوح القسري الناتجة عن النزاعات المسلحة والإرهاب، مستشهدة بالأوضاع في السودان وغيرها من بؤر الأزمات في القارة الإفريقية، ومشيرة إلى أن الهجرة لا ترتبط فقط بضعف التنمية في الدول المستقرة.
وأكدت أن دراسة الأبعاد الاجتماعية لتحول دول العبور إلى دول مقصد لا تقل أهمية عن دراسة الأبعاد الاقتصادية، مشيرة إلى أن العديد من دول المنطقة، بما فيها ليبيا وتونس وأحيانًا مصر وغيرها، تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بكيفية تفاعل المجتمعات المحلية مع وجود المهاجرين واللاجئين.

واختتمت بالتأكيد على أن نجاح السياسات الحكومية في هذا المجال لا يعتمد فقط على القرارات الرسمية، بل يتطلب أيضًا قبولًا مجتمعيًا أوسع، إذ إن الترحيب الحكومي بالمهاجرين لا يعني بالضرورة قبولهم اجتماعيًا، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها المجتمعات المضيفة، وهو ما يستدعي فهمًا أعمق لهذه التفاعلات عند صياغة السياسات المتعلقة بالهجرة.



