أخبار أفريقياسلايدر

كيف أصبحت إفريقيا ساحة لحروب التكنولوجيا المالية؟

طفرة المدفوعات الرقمية تدفع القارة إلى صدارة المنافسة

كتب:محمد عمران

في شوارع لاغوس المزدحمة وأسواق نيروبي الرقمية، تدور واحدة من أسرع المعارك الاقتصادية نموًا في العالم، فبعيدًا عن البنوك التقليدية، تتسابق شركات التكنولوجيا المالية لبناء مستقبل الخدمات المالية في إفريقيا، مستفيدة من الانتشار الواسع للهواتف المحمولة ووجود مئات الملايين من الأشخاص الذين لا يزالون خارج المنظومة المصرفية.

قفزة كبرى في تكنولوجيا المعلومات.. دروس من الهند - المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية
حروب التكنولوجيا المالية

كيف أصبحت إفريقيا ساحة حروب التكنولوجيا المالية؟

ومع تدفق الاستثمارات وارتفاع معدلات الاعتماد على المدفوعات الرقمية، تحولت القارة إلى ساحة تنافس محتدم بين الشركات الناشئة والمؤسسات المالية والمستثمرين العالميين للفوز بحصة من سوق يُتوقع أن يقود مستقبل الاقتصاد الرقمي الإفريقي خلال السنوات المقبلة.

وبينما نجحت الموجة الأولى من التكنولوجيا المالية في إحداث ثورة في خدمات الدفع والتحويلات، تشير التقديرات إلى أن المرحلة الجديدة من النمو ستنتقل إلى مجالات أكثر تعقيدًا تشمل الإقراض الرقمي، والائتمان القائم على البيانات، والخدمات المصرفية المفتوحة، والمدفوعات العابرة للحدود.

ومع توقع تضاعف إيرادات القطاع عدة مرات بحلول نهاية العقد الحالي، تبرز تساؤلات حول أسباب تحول إفريقيا إلى أكبر ساحة لحروب التكنولوجيا المالية، ومن هم اللاعبون الذين يقودون هذا السباق، وكيف يمكن أن تعيد هذه المنافسة رسم ملامح النظام المالي في القارة.

ما هي المعلومات التكنولوجية - Ultra Vision
حروب التكنولوجيا المالية

لا تقتصر التكنولوجيا المالية في إفريقيا على النمو السريع فحسب، بل تتعلق أيضًا بمنافسة محتدمة بين شركات ناشئة وبنوك ومشغلي اتصالات ومستثمرين عالميين يسعون للسيطرة على البنية التحتية المالية الرقمية في القارة.

ففي نيجيريا، تتنافس شركات مثل Flutterwave وMoniepoint وOPay على توسيع نفوذها في المدفوعات والخدمات المصرفية الرقمية وتمويل الشركات، بينما تواصل كينيا الحفاظ على مكانتها كأحد أبرز مراكز الابتكار المالي بفضل نجاح خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول التي غيرت شكل المعاملات المالية في شرق إفريقيا.

ومع نضوج القطاع، انتقلت المنافسة من مجرد جذب المستخدمين إلى السيطرة على ما يصفه خبراء القطاع بـ”السباكة المالية” أو البنية التحتية التي تقوم عليها المدفوعات والائتمان والتحويلات العابرة للحدود.

كما تشهد السوق موجة من الاندماجات والاستحواذات، كان من أبرزها استحواذ شركة Flutterwave على شركة Mono المتخصصة في البنية التحتية للخدمات المصرفية المفتوحة، في خطوة تعكس اتجاه الشركات الكبرى نحو بناء أنظمة مالية متكاملة تمتد عبر أسواق القارة المختلفة.

وبرزت إفريقيا رسميًا باعتبارها أسرع أسواق التكنولوجيا المالية نموًا في العالم، مع توقعات بارتفاع إيرادات القطاع بنحو 13 ضعفًا لتصل إلى نحو 65 مليار دولار بحلول عام 2030. وتستحوذ القارة بالفعل على 74% من إجمالي معاملات الأموال عبر الهاتف المحمول عالميًا، ما يعكس حجم التحول الذي شهدته الخدمات المالية الرقمية خلال السنوات الأخيرة.

التكنولوجيا المالية (FinTech): كيف تغير المشهد المالي العالمي؟ | يوروماتيك للتدريب والإستشارات
حروب التكنولوجيا المالية

وبحسب تقرير “ما وراء المدفوعات  إطلاق العنان للموجة الثانية من التكنولوجيا المالية في إفريقيا”، الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG)، فإن المرحلة المقبلة من النمو لن تعتمد فقط على زيادة حجم المعاملات، بل على بناء أنظمة مالية أكثر عمقًا وقدرة على التوسع، مدعومة ببنية تحتية رقمية قوية وأطر تنظيمية واضحة واستثمارات طويلة الأجل.

ورغم النجاح الكبير الذي حققته شركات التكنولوجيا المالية في بناء شبكات دفع محلية، حيث يستخدم أكثر من 40% من البالغين في إفريقيا جنوب الصحراء خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، فإن فجوة التمويل لا تزال قائمة. ويشير التقرير إلى أن أكثر من نصف عمليات الإقراض في العديد من الأسواق تتم عبر قنوات غير رسمية أو شبه رسمية، ما يفتح الباب أمام فرص ضخمة في مجالات الائتمان الرقمي وتمويل الشركات والخدمات المالية المتطورة.

من المدفوعات إلى البنية التحتية المالية

يرى التقرير أن مستقبل المنافسة لن يكون في خدمات الدفع فقط، بل في بناء البنية التحتية المالية التي تعتمد عليها المؤسسات والبنوك والحكومات. وتشمل هذه المجالات المدفوعات العابرة للحدود، والتحول الرقمي للخدمات الحكومية، وأنظمة الائتمان القائمة على البيانات، ومنصات الخدمات المصرفية المفتوحة.

وفي هذا السياق، أصبحت الأسواق التي توفر بيئة تنظيمية واضحة وبنية تحتية قابلة للتشغيل البيني أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل، بعدما تجاوز اهتمام المستثمرين مرحلة تمويل الشركات الناشئة إلى الاستثمار في البنية الأساسية للنظام المالي الرقمي.

ويسلط التقرير الضوء على رواندا باعتبارها نموذجًا للتنسيق المؤسسي الذي يسهم في خفض تكلفة التوسع أمام المؤسسات المالية، فبفضل التشريعات الداعمة، والبنية التحتية الرقمية المتطورة، والتوجه نحو التكامل الإقليمي، نجحت كيغالي في ترسيخ مكانتها كمركز متنامٍ للتكنولوجيا المالية في شرق إفريقيا.

كما ساهمت مبادرات مثل مذكرة التفاهم الخاصة بجوازات الترخيص بين رواندا وكينيا في تسهيل توسع الشركات عبر الحدود، وتحسين تدفقات المدفوعات والائتمان بين الأسواق الإفريقية المختلفة، وهو ما يعزز فرص التكامل المالي الإقليمي.

خمس ركائز لمستقبل القطاع

ويؤكد التقرير أن المرحلة المقبلة من نمو التكنولوجيا المالية في إفريقيا ستعتمد على خمسة محاور رئيسية، في مقدمتها تطوير بنية تحتية مالية قابلة للتشغيل البيني تتيح التكامل بين المحافظ الإلكترونية والبنوك وأنظمة التحويل المختلفة.

كما يمثل الائتمان القائم على البيانات إحدى أكبر الفرص غير المستغلة في القارة، إذ يمكن استخدام بيانات المعاملات لبناء نماذج تقييم ائتماني مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ما يتيح توسيع نطاق التمويل المقدم للشركات الصغيرة والمتوسطة.

ما أهمية التكنولوجيا المالية للشركات الناشئة في المنطقة؟ - ومضة
حروب التكنولوجيا المالية

ويضاف إلى ذلك أهمية التماسك التنظيمي وتوحيد الأطر القانونية بين الأسواق المختلفة، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني وحماية المستهلكين لضمان الثقة في النظام المالي الرقمي مع تزايد الاعتماد عليه.

وفي ظل هذه التحولات، يبدو أن معركة التكنولوجيا المالية في إفريقيا لم تعد تقتصر على استقطاب المستخدمين أو زيادة المعاملات، بل أصبحت سباقًا لبناء البنية التحتية التي ستدير اقتصاد القارة خلال العقد المقبل. وبين لاغوس ونيروبي وكيغالي، تتشكل ملامح نظام مالي جديد قد يغير قواعد اللعبة الاقتصادية في إفريقيا لسنوات طويلة قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى