شعب البانتو الجنوبيون.. أسياد الحديد والتراب (3)
من هم شعب البانتو؟

إعداد د. علياء عامر
خبير ديموجرافي متخصص في دراسات النوع الاجتماعي وممثل دول شمال إفريقيا للاتحاد الإفريقي للدراسات السكانية
يسكن شعب البانتو الجنوبيون في وحدة سكنية تدعى كرول Kraal بحيث تعيش كل أسرة فى وحدة سكنية خاصة بها، وفي الإقليم الشمالي والشرقي والغربي نرى هذه الوحدات السكنية مبعثرة من غير نظام خاص، أما فى الإقليم الأوسط فإن الوحدات السكنية متقاربة بعضها من بعض بحيث تكون قرى تشتمل الواحدة منها على 10 إلى خمسين وحدة سكنية كرول.
خصائص الكرول
والكرول سواء أكان فى قرية أم بلدة، أم كان قائماً بمفرده، فإنه يتفق في خصائصه ونظامه؛ ويشتمل الجزء الأوسط من الكرول على حظيرة للماشية الثقيلة والدقيقة ومحيط بها سياج من العوسج، وإليها تأوي الماشية في الليل.
ومن حول الحظيرة وعلى بعد بضعة أمتار منها تقام الأكواخ التي يعيش فيها أهل الكرول، وكل كوخ له حوش صغير للطبخ، وشكل الكوخ يشبه خلية النحل عند الهريرو وعند معظم القبائل الشرقية أيضاً: أما عند القبائل الوسطى والشمالية فيكون الكوخ مستديراً وسقفه مخروطي الشكل وفي الكرول فناء محجوز حوله سياج ليجلس فيه الرجال، ومن حول الكرول كله سياج غليظ من الحطب والعوسج، مستدير أو بيضاوي.
ولا يخلو أي كرول من شجرة خاصة أو حجر أو كتلة خشب منصوبة ذات فرعين، وهذه تكون بمثابة مذبح تقدم فيه القرابين وتقام عادة أمام باب كوخ الزعيم.
أفراد القبيلة
وتنقسم القبيلة كالعادة إلى عشائر، والعشيرة هي الوحدة التي تجمعها صلة قرابة أو نسب وعند العشائر الشرقية عادة خاصة وهي أن كل عشرة لها إيسوبنجو Isobongo أي لها اسم خاص يمكن أن ندعوه اسم تكريم أو تشريف أو اسم النسب، أى اسم الجد الذي تنتسب إليه العشيرة. وإذا أريد مخاطبة شخص بصورة تكريمية فلا بد أن ندعوه باسم التشريف.
وإذا كان من عشيرة تنتسب إلى جد يدعى تشزى Tschesi مثلا كان من التكريم لأبناء العشيرة أن تدعوهم Ama Tsches. وبدلا من أن تدعو أي إنسان باسمه الخاص، يكون تكريماً له أن ندعوه باسم الجد.

ولا يجوز للإنسان أن يتزوج من أسرة لها نفس الإيسو بنجو، وهذا نظام لا يكاد تختلف عن نظام الاغتراب المعروف، ولكنهم يذهبون إلى أبعد من ذلك فلا يجوز مثلا لرجل أن يشرب اللبن إلا مع أفراد لهم نفس اسم التكريم، وعند الزولو إذا شرب الرجل اللين مع فرد من عشيرة أخرى، فإنه يصبح بذلك قد تم له التآخي مع تلك العشيرة، ولا يجوز له أن يتزوج من واحدة من نسائها.
شعار يجمع كل عشيرة
ويبدو أن نظام الإيسوبنجو أو اسم التكريم المشتق من أحد الأجداد هو بمثابة الشعار الذي يجمع كل عشيرة، وهو بديل من أن يكون هنا طوطم خاص بها. فرأت القبائل الشرقية أن يكون شعارها جدها الأكبر، بدلا من السباب الوسط أن يكون شعارها حيواناً أو نحو ذلك. وعلى كل حال فإننا نجد نظام الطوطمية المعروف موجوداً لدى القبائل الوسطى، التي تنقسم هي أيضاً إلى عشائر، وكل عشرة أيضاً لها اسم خاص يدعى سبوكو Seboko.
ولكنه ليس اسما للجد المشترك، بل هو اسم الحيوان أو لبعض المعادن مثل الحديد، أو لظاهرة طبيعية مثل المطر. وبذلك يكون اسم العشيرة – إذا استخدمت المعنى العرب – بي أسد أو بني حديد أو بني مطر
والحرفة الغالبة عند البانتو الجنوبيين هي رعى الماشية، والزراعة البدائية وهم يرعون البقر والضأن والماعز، ويحصلون منها على الغذاء الرئيسي وهو اللبن، وعلى مادة أولية للصناعة وهي الجلود ومن النادر أن تقتل الماشية من أجل لحمها، بل تذبح للمناسبات الدينية أو الاجتماعية الهامة.
ومع ذلك يصيبون حاجتهم من اللحم عن طريق الصيد؛ وتأتيهم الزراعة بغلات مثل الذرة الشامية والرفيعة وبعض البقول والخضراوات.
وترعي وتجلب الماشية بوساطة الرجال، أما الزراعة ففي أيدي النساء؛ شعب هريرو، فإن النساء فيه يقمن بالحلب أيضاً.. وهذا هو المثال الوحيد وقد حرم عليهن أن يقمن بأى عمل يتصل بالماشية. لا يستثنى من ذلك سوى شعب هريرو.
ديانة البانتو
أما الديانة والعبادة، فتغلب علها عبادة السلف، والطقوس التي تؤدى فى هذا الصدد يؤديها رئيس الأسرة بالنسبة لأسرته، فيبتهل ويقرب القرابين الأجداد، وهذا المظهر من أهم العوامل في تماسك الأسرة، والرقى بها عن منافسة أخوين، يثور بينهما أى خلاف فى أى موضوع.

إن التماسك الديني يضطر الأصغر للإذعان والتماس الصفح من الأكبر.
وهذا هو المبدأ المقرر بالنسبة للقبيلة كلها، وكما أن رئيس الأسرة يبتهل إلى أجداده الرؤساء السالفين لكي يحفظوا الأسرة ويدرأوا عنها الأذى، كذلك يبتهل زعم القبيلة إلى أجداده السالفين، وهو وحده الذي يستطيع أن يسترحمهم وأن يستعطفهم لكي يرفعوا عنها الضرر، ويسبغوا عليها الخير وهو وحده الذي يقدم إليهم القرابين، ويبتغى إليهم الوسيلة، وهذا مما يساعد على توحيد القبيلة، وتقوية مركز الزعيم.
ومما يتصل بعبادة السلف عند القبائل الغربية، وجود النار المقدسة عند الهريرو، حيث لكل أسرة كرول، فى الجانب الشرقي منه كوخ الزوجة الأولى لرئيس الأسرة، وأمام هذا الكوخ المذبح وبالقرب منه تشتعل دائماً ادى نار السلف أو النار المقدسة.
ويهتمون بالمحافظة عليها ليلا ونهارا، فيحملونها إلى داخل الكوخ ليلا، ثم يعيدونها إلى جانب المذبح في الصباح. وهي دائماً موضع عناية زوجة الزعيم. وبالقرب من هذه النار تذبح الثيران التي تقرب في الحفلات، وتبقى جماجمها حول النار، وربما جلس الرجال عليها.
شجرة التين البرية
وبالقرب من المذبح شجرة التين البرية، التي يرى الهريرو أنها رمز الأرواح السلف. وفي الجزء الشمالي من أوطان الهريرو شجرة تين كبيرة يزعمون أنها مسكن لأرواح السلف، ولذلك يقدسونها.
وإلى جانب عبادة السلف، يعتقد البانتو بكائن لم يكن يوماً من البشر. ويختلف تصويرهم لهذا الإله من قبيلة إلى أخرى. وإليه ينسبون الصواعق والمطر والظاهرات الطبيعية عامة. وعند قبيلة تسنجا Tsonga يطلق عليه اسم تيلو Tilo وإذا خاطبوه قالوا (مولاى) وعند الزولو يفرقون بين الإله الخالق واسمه أنكلنكلو Unkulunkulu والواحد الجليل العظيم وبين إله آخر يدعى انكوزى، وهو أشبه بالإله تيلو عند التسنجا.
وهذه الآلهة المتعددة الأسماء، عند مختلف القبائل قليلة التدخل في حياة الناس وكذلك قلما تدخل في عباداتهم.



