أخبار أفريقياتحليلات اقتصاديةسلايدرفرص الاستثمار في أفريقيامصر

سفير مصر لدى تونس في حواره لـ”زوم أفريكا نيوز”: مصر وتونس تتطلعان لرفع التبادل التجاري إلى مليار دولار وتوافق كامل حول القضايا الإقليمية

السفير باسم حسن: التكامل العربي لم يعد رفاهية بل ضرورة والأبواب مفتوحة بين مصر وتونس

تشهد العلاقات المصرية التونسية مرحلة غير مسبوقة من الزخم والتقارب السياسي والاقتصادي والثقافي، مدفوعة بإرادة مشتركة من قيادتي البلدين لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وتوسيع آفاق التعاون في مختلف المجالات، وفي ظل التحديات الإقليمية والمتغيرات الدولية المتسارعة، تتجه القاهرة وتونس نحو بناء نموذج متكامل للتعاون العربي والأفريقي، يستند إلى وحدة الرؤية وتوافق المواقف، مع التركيز على دفع الاستثمارات والتبادل التجاري، وتعزيز التنسيق الأمني، وتفعيل دور القطاع الخاص، إلى جانب توطيد الروابط الثقافية والإنسانية بين الشعبين الشقيقين.

وفي هذا الحوار الخاص مع موقع “زوم أفريكا نيوز“، يتحدث السفير باسم حسن، سفير جمهورية مصر العربية لدى الجمهورية التونسية، عن أبرز ملامح العلاقات الثنائية، وخطط مضاعفة حجم التبادل التجاري، وفرص الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والتنسيق بين البلدين بشأن القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة الليبية، فضلًا عن التعاون الثقافي ورعاية الجالية المصرية في تونس، مؤكدًا أن التكامل العربي أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات المرحلة، وأن العلاقات المصرية التونسية تمثل نموذجًا يُحتذى به في العمل العربي المشترك.

السفير باسم حسن
السفير باسم حسن

إلى نص الحوار

كيف تقيمون مستوى العلاقات المصرية التونسية في هذه المرحلة؟

تمر العلاقات المصرية التونسية بواحدة من أكثر مراحل تميزها من حيث مستوى تطابق المواقف ووجهات النظر تجاه مختلف التحديات والتهديدات التي تواجهها المنطقة العربية، والتحديات الداخلية التي تواجهها البلدان، وذلك إلى جانب علاقات الاحترام والصداقة التي تربط بين رئيسي البلدين وعلاقات الأخوة المتجذرة بين الشعبين.

وقد دفع هذا الإدراك المتبادل لوحدة التهديدات الداخلية والخارجية ووحدة المصير لتعزيز مكثف للتعاون السياسي والأمني، وجهود موازية للارتقاء بمستوى العلاقات الاقتصادية لآفاق أرحب تتناسب مع الطبيعة المتميزة للعلاقات السياسية.

وقد مثل انعقاد الدورة الثامنة عشرة للجنة العليا المشتركة بالقاهرة في أواخر عام 2025 برئاسة رئيس مجلس الوزراء المصري ورئيسة الحكومة التونسية، وبمشاركة عدد من الوزراء وكبار المسئولين المعنيين من الجانبين، فرصة مثالية لتعزيز ومضاعفة التعاون  في شتى المجالات، ولعل حفاظ البلدين على دورية انعقاد اللجنة على هذا المستوى الرفيع وبمشاركة فعالة من كافة مؤسسات الدولة يمثل رسالة مهمة في حد ذاته.

وقد تمخضت أعمال تلك الدورة للجنة العليا عن عدد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم لتعزيز التعاون في العديد من المجالات مثل تنمية الصادرات وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وحماية المستهلك والتدريب الدبلوماسي والشباب والرياضة والصحة والعلوم الطبية.

كما شهدت هذه الدورة حدثاً مهماً وهو تنظيم منتدى أعمال بمشاركة كبار ممثلي القطاع الخاص والمستثمرين من البلدين، ومناقشات مثمرة بشأن استثمارات متبادلة ومشتركة في عدد من القطاعات الواعدة بشكل يعكس اقتناع الجانبين بضرورة تفعيل دور القطاع الخاص في الارتقاء بمستوى العلاقات التجارية والاستثمارية والدخول في شراكات وتحالفات بين كبريات الشركات من البلدين لتنفيذ مشروعات مشتركة في محيطهما العربي والأفريقي.

كما يشهد التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين زخماً ملموساً من خلال تكثيف الزيارات رفيعة المستوى وتعزيز قنوات التنسيق الثنائي في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، وذلك فضلًا عن انعقاد اللجنة العسكرية المشتركة لأول مرة هذا العام على مستوى وزيري دفاع البلدين في بادرة تعكس مدى عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين والثقة المتبادلة بينهما.

كيف تقيمون التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين؟

فيما يتعلق بالتجارة، فقد بلغ مجمل التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي حوالي 508 مليون دولار، وهو مازال رقماً لا يتناسب مع الإمكانات الحقيقية للبلدين.

وقد اتفق رئيسا وزراء ووزيرا تجارة البلدين على إجراءات مهمة بهدف مضاعفة حجم التبادل التجاري ليصل – كبداية – إلى مليار دولار خلال عامين، وهي خطة طموحة تستهدف تحرير القدرات التجارية الكامنة بين البلدين وتفعيل الأطر التعاهدية الثرية التي تجمعهما مثل اتفاقية أغادير والكوميسا واتفاقيتي التجارة الحرة العربية والأفريقية.

وتتمثل أبرز الصادرات المصرية لتونس في المنتجات الكيميائية والأجهزة والمعدات، والحديد، ومنتجات زراعية من خضر وفاكهة، والسكر ومنتجات الزجاج والأسمدة، بينما تتمثل أبرز الصادرات التونسية لمصر في الأجهزة الكهربائية، والزيوت، ومنتجات الصناعات الغذائية.

وبالإضافة إلى وجود عدد من المشروعات الاستثمارية الناجحة من جانب مستثمري البلدين في كل منهما، فإن هناك مقترحات مهمة وصلت لمرحلة متقدمة من النضج بشأن إقامة استثمارات زراعية وإقامة مصانع لبعض الصناعات الغذائية التي يتميز البلدان في انتاجها.

وتمثل تلك المشروعات المهمة المطروحة في هذا المجال نموذجاً مثالياً للتكامل والاستفادة المتبادلة من الخبرات الكبيرة المتراكمة لدى البلدين في هذه المجالات التي تأتي في مقدمة الأنشطة التي تسهم في تحقيق الأمن الغذائي والزراعي المستدام وتنمية الصادرات عالية القيمة في ظل الأزمات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية.

كما تعد مشروعات التنمية العمرانية، والطرق والكباري، والطاقة المتجددة والنظيفة، والحديد والصلب، وإنشاء المراكز اللوجيستية، من أبرز المجالات التي نلمس اهتماماً متزايداً وربما يكون غير مسبوق من جانب كبريات الشركات المصرية لاستعادة وتعزيز تواجدها في السوق التونسية فيها.

وقد شهدت الشهور القليلة الماضية توافداً مكثفاً من جانب رؤساء وممثلي كبريات الشركات المصرية على تونس؛ لإجراء مناقشات حول عدد من المشروعات الكبرى التي نتطلع لتفعيلها قريباً.

كما أعادت شركة المقاولون العرب افتتاح مكتبها في تونس ليعمل إلى جانب مكاتب بعض الشركات المصرية الكبرى المتواجدة في السوق التونسي.

ولعل عدم وجود خط ملاحي مباشر يمثل أحد أبرز عقبات التبادل التجاري، حيث ترفع تكلفة النقل من قيمة المبادلات التجارية، إلا أن هناك دراسات جادة بشأن إنشاء خط ملاحي مباشر بين البلدين بما قد يحقق طفرات ملموسة في حركة التجارة والسياحة وغيرها.

وفي التقدير، فإن النمو التدريجي لحركة التجارة بموجب الخطة المشار إليها التي تم الاتفاق عليها سيمثل في حد ذاته دفعة لتعزيز الجدوى الاقتصادية لإنشاء هذا الخط.

وإجمالًا فإن رسالة قادتي البلدين لشعبيهما واضحة، وهي أن الأيادي ممدودة والأبواب مفتوحة في كافة المجالات بلا استثناء، وأن التكامل واللحمة والتكاتف بين الدول العربية، وخاصةً في حالة دولتين مثل مصر وتونس، أصبحت تمثل ضرورة ملحة بشكل ربما يكون غير مسبوق، حيث أن تفعيل التكامل العربي لم يعد رفاهية أو مسألة يمكن تأجيلها في ظل الظروف الحالية، وعلينا جميعاً أن نستفيد من دروس تجارب التكامل الناجحة التي قامت بها عدة تكتلات جغرافية على مستوى العالم.

كيف يمكن للدولتين الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية لتعزيز الاستثمارات والتبادل التجاري؟

يمكنني القول أن البلدين تحرصان بشكل بارز على توظيف الاستفادة المثلى من مختلف اتفاقيات التجارة الحرة التي تتمتعان بعضويتهما مثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية والكوميسا واتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى، وتضطلع حكومتا البلدين بدور قيادي نشط في جميع أجهزة هذه المحافل.

وربما تتمثل العقبة الرئيسية التي تحول أحياناً دون تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الأطر التعاقدية الإقليمية بشكل عام في مجال التجارة في ارتفاع تكلفة النقل.

أما في مجال الاستثمار فقد يعد عدم توافر التمويل اللازم للمشروعات الكبرى أبرز عقبات تعزيز الاستثمارات البينية، الأمر الذي يحتم من تعزيز دور مؤسسات التمويل الدولية وكبار المانحين الدوليين وشركاء التنمية في تمويل المشروعات التنموية ذات الأولوية مع افساح المجال ومنح الأولوية لشركات دول المنطقة لتنفيذ هذه المشروعات.

وتدرك مصر وتونس بشكل تام محورية دوريهما في محيطهما الأفريقي والعربي والفرص الكامنة للدخول في شراكات اقتصادية وتحالفات استثمارية فيما بين شركات القطاع الخاص من البلدين في هذه الأسواق لتنفيذ المشروعات الكبرى في مختلف الدول الأفريقية والعربية على ضوء ما تملكه شركاتهما من خبرات طويلة وعلاقات متميزة في هذه الدول.

ماذا عن التنسيق بشأن القضايا الإقليمية خاصةً الأزمة الليبية؟

هناك توافق وتطابق متميزان في الرؤى والمواقف بين البلدين تجاه كافة هذه الملفات والأزمات، وإدراك متبادل لكونها جميعاً تمثل تهديدات مشتركة للأمن القومي العربي بما يقتضي عملًا جماعياً منسقاً وجاداً.

ويلتقي وزيرا خارجية البلدين وكبار مسئوليهما بوتيرة مكثفة خلال الزيارات الثنائية وعلى هامش المؤتمرات والاجتماعات التي تجمعهما، بما في ذلك آلية التنسيق الثلاثي بين وزراء خارجية مصر وتونس والجزائر بصفتها دول الجوار العربي الليبي التي كان أحدث اجتماعاتها الدورية بالقاهرة في شهر مايو 2025 واعتمد بياناً يؤكد مواقف الدول الثلاث تجاه سبل حل الأزمة الليبية على أيدي الليبيين أنفسهم.

كما استضافت القاهرة الدورة الثامنة عشرة للجنة العليا المشتركة بين البلدين وتضمنت مخرجاتها توافقات بارزة بشأن مختلف القضايا والأزمات العربية.

ولا يفوتني في هذا السياق أن أشيد بالتعاون والتنسيق الوثيقين بين البلدين في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي وغيرها من المنظمات الدولية والمحافل متعددة الأطراف، وزيادة عدد المبادرات التي يتم تقديمها في إطار هذه المحافل برعاية مشتركة من البلدين، فضلًا عن تبادل التأييد لترشيحات ممثلي البلدين للمناصب الدولية، مما كان له أثر بالغ في تحقيق نجاحات تاريخية مهمة خلال الفترة الماضية.

ماذا عن التعاون الثقافي والفني بين مصر وتونس؟

يعد التعاون والتبادل الثقافي أحد أبرز وأهم محاور العلاقات الثنائية بسبب أوجه التشابه والتقارب المشار إليها عاليه.

ونفخر بما شهدته الفترة الماضية من مشاركات متميزة من جانب فناني ومبدعي الجانبين في أهم المهرجانات الثقافية التي يتم استضافتها وتكريم عدد من النجوم ورموز الفن من البلدين في هذه المهرجانات.

ولعل الحفل التاريخي الذي شهده مهرجان قرطاج في أغسطس 2025 للاحتفاء بالذكرى الخمسين لرحيل كوكب الشرق، وافتتاح مهرجان قرطاج المسرحي في نوفمبر 2025 بالعمل المسرحي البديع الملك لير من انتاج المسرح القومي المصري، وحصول أفلام وفناني مصر على جوائز وتكريم في كل من مهرجاني قرطاج السينمائي والمسرحي، والتكريمات التي حصل عليها فنانون تونسيون في مهرجانات مصرية متعددة على مدار العام الماضي، والاحتفالية الكبيرة التي أقامته السفارة المصرية بالتعاون مع وزارة الثقافة التونسية في شهر مايو 2026 للاحتفاء بأعمال المخرج الكبير يوسف شاهين، وغيرها من التبادلات والمشاركات المتميزة، خير دليل على ازدهار هذا التعاون وأفق تطويره، خاصةً وأن التنمية الثقافية تعد أحد أبرز وسائل مجابهة الفكر المتطرف والارتقاء بالفكر والذوق العام.

ويجري حالياً الانتهاء من صياغة برنامج تنفيذي تفصيلي بهدف تحقيق المزيد من تعزيز التعاون والتبادل الثقافي بين البلدين خلال السنوات المقبلة بحيث يتم التوقيع عليه بين وزارتي الثقافة للبلدين في أقرب فرصة ممكنة، وقد أصبحت وثيقة البرنامج شبه جاهزة للتوقيع.

ولعل الشعبين المصري والتونسي من أكثر الشعوب العربية قرباً وتشابهاً من حيث التوجهات الثقافية، وأسلوب الحياة، والعادات والتقاليد، حيث يندر أن تجد هذا القدر من التقارب في الذوق الثقافي، وفي مستوى التقدير البالغ للطرب الأصيل والإنتاج الفني المتميز في مجالات السينما والمسرح والأدب بين أي دولتين في المنطقة مثلما هو الحال في مصر وتونس.

وهو أمر ربما يرجع لوحدة تاريخ الشعبين وانضوائهما لعدة قرون تحت مظلة دول وامبراطوريات واحدة، وسيادة فكر وتوجهات دينية معتدلة ومستنيرة، وانفتاح الشعبين المستمر على مختلف ثقافات العالم.

ماذا عن الجالية المصرية في تونس وأبرز الخدمات المقدمة لهم؟

تولي القيادة المصرية اهتماماً بالغاً بهذا الملف وبضرورة الارتقاء بسبل التواصل مع الجاليات المصرية وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم، وتفعيل دورهم في تعزيز العلاقات الثنائية مع دولة الاعتماد، وهو ما انعكس على اهتمام متزايد وملموس من جانب السفارات المصرية بالخارج ومن بينها السفارة المصرية في تونس بتكثيف التواصل مع الجالية، وطرح العديد من المبادرات لخدمة المصريين بالخارج وإشراكهم في الجهود التنموية في مصر، وفي مساعي تطوير العلاقات الثنائية، والاستفادة من أفكارهم لإقامة فعاليات متنوعة، وتنظيم عدد كبير من اللقاءات السياسية والثقافية، ناهيك عن العمل على تطوير الخدمات القنصلية.

وفيما يتعلق بالجالية المصرية في تونس، فإنها تعد محدودة العدد نسبياً، ومعظم أعضائها مستقرون في تونس منذ عقود ومندمجون بشكل تام في المجتمع التونسي من خلال زيجات مختلطة ومصاهرة، إلا أنها رغم محدودية عدد أعضائها تعد جالية نشطة وبالغة التأثير في العديد من المجالات وبها نماذج عديدة تدعو للفخر.

وتحرص السفارة على التواصل المكثف وبشكل دوري مع أعضاء ورموز الجالية لمتابعة أوضاعهم والتعرف على أفكارهم ومقترحاتهم وإشراك أكبر عدد ممكن منهم في أبرز الأنشطة والاحتفاليات التي يتم إقامتها بما في ذلك الفعاليات الثقافية.

وأحرص دائماً منذ تولي مهام منصبي في تونس قبل عام ونصف تقريباً على التأكيد على أن أعضاء الجالية المصرية يمثلون جسراً شديد الأهمية لتعميق التعاون الثنائي المتميز بين البلدين في كافة المجالات، ونبحث في لقاءاتنا الدورية بالسفارة مع رموز وأعضاء الجالية مختلف الأفكار التي من شأنها تعزيز هذا الدور الهام للجالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى