بيزنس أفريقياسلايدرعالم السياسة

إمبراطورية الذهب الإفريقي.. من يسيطر على المناجم غير الشرعية؟

شبكات تهريب عابرة للحدود وجماعات مسلحة ووسطاء دوليون

كتب: محمد عمران

لم يعد الذهب في إفريقيا مجرد مورد طبيعي يمثل مصدرًا للدخل القومي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى محور صراع اقتصادي وأمني، بعدما توسعت شبكات التعدين غير الشرعي ونجحت في إنشاء اقتصاد موازٍ يدر مليارات الدولارات خارج سيطرة الحكومات.

إمبراطورية الذهب الإفريقي.. من يسيطر على المناجم غير الشرعية؟

ففي الوقت الذي تمتلك فيه القارة نحو 40% من احتياطيات الذهب العالمية، تشير تقديرات إلى أن جزءًا كبيرًا من الذهب المنتج سنويًا لا يمر عبر القنوات الرسمية، بل يدخل في شبكة معقدة من الوسطاء والمهربين والممولين، قبل أن يصل إلى الأسواق العالمية دون أن تستفيد منه الدول المنتجة بالشكل المطلوب.

التعدين غير الشرعي.. اقتصاد موازٍ

يطلق على التعدين غير الشرعي في كثير من الدول الإفريقية اسم التعدين الحرفي وغير المنظم، حيث يعمل مئات الآلاف من الأشخاص داخل مناجم غير مرخصة باستخدام معدات بدائية أو آليات ثقيلة يتم توفيرها عبر ممولين محليين وأجانب.

ورغم أن هذا النشاط يوفر مصدر دخل لآلاف الأسر، فإنه تحول في كثير من المناطق إلى اقتصاد ضخم خارج سيطرة الدولة، يعتمد على شبكات مالية ولوجستية معقدة، تشمل تجار الذهب، وشركات النقل، والمهربين، وحتى مسؤولين فاسدين في بعض الحالات.

غانا.. نموذج لأزمة تتجاوز التعدين

تعد غانا أكبر منتج للذهب في إفريقيا، لكنها تواجه واحدة من أكبر أزمات التعدين غير القانوني، المعروفة محليًا باسم “جالامسي” (Galamsey).

وتشير تقديرات حديثة إلى أن ما بين 700 و800 ألف شخص يعملون في التعدين غير القانوني، وأن 70 إلى 80% من العاملين في التعدين الحرفي يعملون دون تراخيص، بينما يمتد النشاط إلى أكثر من 120 منطقة إدارية، مخلفًا خسائر اقتصادية وبيئية كبيرة.

ولا تتوقف الأزمة عند فقدان عائدات الدولة، إذ تسببت عمليات التعدين غير الشرعي في تلوث عدد من الأنهار، وإتلاف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتهديد إنتاج الكاكاو، أحد أهم صادرات غانا. كما اضطرت بعض محطات تنقية المياه إلى تعليق عملها بسبب ارتفاع مستويات التلوث.

من يسيطر على المناجم؟

تختلف الجهات المسيطرة على المناجم غير الشرعية من دولة إلى أخرى، إلا أن نمطًا متكررًا يظهر في عدة دول إفريقية.

في بعض المناطق، يسيطر زعماء محليون أو شبكات تمويل توفر المعدات والوقود مقابل نسبة من الإنتاج، بينما تلعب شبكات تهريب منظمة دورًا رئيسيًا في نقل الذهب عبر الحدود.

 

وفي دول الساحل مثل مالي وبوركينا فاسو، استغلت جماعات مسلحة المناجم الحرفية لفرض الإتاوات أو السيطرة المباشرة على مواقع التعدين، مستفيدة من ضعف الوجود الحكومي، واستخدمت عائدات الذهب في تمويل أنشطتها المسلحة وتوسيع نفوذها.

رحلة الذهب من المنجم إلى السوق

لا يبقى الذهب داخل الدولة المنتجة لفترة طويلة، فبعد استخراجه، يُباع إلى وسطاء محليين يجمعون الكميات الصغيرة من مئات المناجم، ثم يُنقل عبر الحدود البرية أو الجوية باستخدام وثائق مزورة أو عبر منافذ غير رسمية، قبل أن يصل إلى مراكز تجارة الذهب العالمية.

ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة Swissaid، فإن أكثر من 30 مليار دولار من الذهب الإفريقي غادر القارة بطرق غير معلنة خلال عام واحد، بينما استحوذت الإمارات على النصيب الأكبر من هذه التدفقات، تلتها تركيا وسويسرا، وهو ما يعكس حجم التجارة غير الرسمية في هذا القطاع.

لماذا يصعب القضاء على الظاهرة؟

 

يرى خبراء أن المشكلة لا ترتبط بضعف القوانين فقط، بل بتشابك عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية.

 

ففي العديد من المناطق الريفية، يمثل التعدين الحرفي المصدر الوحيد للدخل، ما يجعل حملات الإزالة وحدها غير كافية، خاصة مع ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، وهو ما يزيد من إقبال الأفراد والشبكات الإجرامية على الاستثمار في التعدين غير القانوني.

 

كما تستغل شبكات التهريب الحدود المفتوحة وضعف الرقابة بين دول غرب إفريقيا لنقل الذهب بسهولة، بينما تتيح الثغرات في سلاسل التوريد الدولية إدخال كميات من الذهب مجهول المصدر إلى الأسواق العالمية.

خسائر بمليارات الدولارات

 

فالتعدين غير الشرعي يؤدي إلى تدمير الغابات، وتلوث المياه بالزئبق والمواد الكيميائية، وتراجع الإنتاج الزراعي، إضافة إلى تنامي الجريمة المنظمة وانتشار السلاح في بعض مناطق التعدين.

وفي غانا وحدها، تقدر خسائر الاقتصاد بمليارات الدولارات سنويًا نتيجة التهريب والتعدين غير القانوني، ما دفع الحكومة إلى إنشاء هيئة خاصة لتتبع تجارة الذهب وتشديد الرقابة على عمليات التصدير، مع تشكيل فرق لمكافحة التهريب وإعادة توجيه صادرات التعدين الحرفي إلى القنوات الرسمية.

هل يمكن استعادة السيطرة؟

 

يرى متخصصون أن المواجهة لن تنجح عبر الإجراءات الأمنية فقط، بل تحتاج إلى إصلاحات تشمل تقنين التعدين الحرفي، وتوفير بدائل اقتصادية للمجتمعات المحلية، وإغلاق منافذ التهريب، وتعزيز شفافية تجارة الذهب عالميًا.

وبينما تواصل الحكومات الإفريقية تشديد الرقابة على المناجم والحدود، يبقى السؤال مطروحًا: هل تستطيع القارة استعادة السيطرة على ثروتها الذهبية، أم ستظل إمبراطورية الذهب غير الشرعي أكبر من قدرة الدول على احتوائها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى