إفريقيا تستعيد إرثها القضائي.. العدالة التصالحية من تقليد اجتماعي إلى محرك للتنمية الاقتصادية
حين يصبح الحوار أساس العدالة

كتبت أمنية حسن
في الوقت الذي تتجه فيه دول العالم، إلى البحث عن بدائل فعالة للتقاضي التقليدي، تؤكد التجربة الإفريقية أن ما يُعرف اليوم بـ”آليات العدالة البديلة”، ليس جديدًا على القارة السمراء.
فالحوار والمصالحة وتسوية النزاعات بالتراضي، كانت لعقود طويلة جزءا أصيلا من الثقافة القانونية والاجتماعية الأفريقية، قبل أن تصبح نموذجًا تتطلع إليه العديد من الدول.
ويرى قادة وخبراء العدالة في أفريقيا، أن التقاضي الرسمي، الذي استُورد عبر النظم القانونية الحديثة، لا يمثل سوى جانب من منظومة العدالة، بينما تبقى المصالحة والتوافق المجتمعي، الإرث الحقيقي الذي حافظت عليه المجتمعات الأفريقية عبر الأجيال.
العدالة السريعة ركيزة للنمو والازدهار
لم تعد العدالة السريعة والمتاحة للجميع مجرد خدمة اجتماعية، بل أصبحت عنصرا أساسيًا في دعم الاقتصاد وتعزيز بيئة الأعمال ومع تسارع خطوات التكامل الاقتصادي في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، تزداد الحاجة إلى مؤسسات تحكيم وتسوية منازعات قادرة على التعامل مع العدد المتنامي من القضايا التجارية العابرة للحدود.

ويؤكد المختصون، أن نجاح التجارة والاستثمار يعتمد بدرجة كبيرة على وجود أنظمة فعالة لحل النزاعات بسرعة وكفاءة، بما يحافظ على ثقة المستثمرين ويعزز استقرار الأسواق.
لماذا تُصدر العدالة خارج القارة؟
رغم النمو الاقتصادي الذي تشهده إفريقيا، لا تزال معظم مؤسسات التحكيم الدولية الكبرى تقع خارج حدود القارة، كما يشكل الأفارقة أقل من 8%، من المحكمين المهنيين على المستوى العالمي، ويطرح هذا الواقع تحديًا كبيرًا يتمثل في ضرورة بناء مؤسسات أفريقية قوية قادرة على إدارة النزاعات التجارية، وفقًا لخصوصية البيئات المحلية.
وتتعالى الدعوات، إلى الفصل في القضايا داخل أفريقيا، بواسطة مؤسسات قانونية وخبراء يفهمون السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للقارة، بدلاً من الاعتماد المستمر على مراكز خارجية.
كينيا نموذجًا للاستثمار في القضاء
وخلال القمة الثالثة لرؤساء القضاة الأفارقة حول تسوية المنازعات البديلة في نيروبي، استعرضت كينيا تجربتها في دعم استقلال القضاء عبر زيادة موازنته بصورة مستمرة.
وأثمرت هذه الجهود، عن تعيين 92 قاضيًا خلال السنوات الثلاث الماضية، ما ساهم في خفض تراكم القضايا أمام المحاكم بنحو الثلث.
وتعكس هذه الخطوات، توجها أفريقيًا متناميًا نحو بناء منظومة عدالة أكثر كفاءة واستقلالا، تكون قادرة على مواكبة طموحات القارة الاقتصادية والتنموية في العقود المقبلة.



