
كتب: محمد عمران
في لحظة استثنائية هزت أروقة مهرجان كان السينمائي، لم يكن الفوز مجرد تتويج لفيلم جديد، بل إعلانًا عن ميلاد اسم سينمائي إفريقي يفرض حضوره بقوة على الساحة العالمية.
المخرجة الرواندية ماري كليمنتين دوسابيجامبو، القادمة من قلب كيغالي المثقل بذاكرة التاريخ، خطفت الأنظار بفيلمها الروائي الأول «بن إيمانا»، لتصنع إنجازًا غير مسبوق بحصدها جائزة الكاميرا الذهبية، في سابقة هي الأولى من نوعها لرواندا ولإفريقيا.
من هي ماري كليمنتين دوسابيجامبو.. المخرجة الرواندية التي حركت العصي حتى البكاء
ولدت في كيغالي عام 1987، ولم تكن تخطط يومًا لدخول عالم السينما، وهي عالمة رياضيات بالأساس، درست الإلكترونيات والاتصالات، وكانت تملك مسارًا مهنيًا مستقرًا في مجال الاتصالات، قبل أن تقودها الصدفة إلى عالم مختلف تمامًا.

حصدت لاحقًا جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي يوم 23 مايو 2026 عن فيلمها الروائي الأول «بن إيمانا»، في إنجاز تاريخي غير مسبوق لرواندا وإفريقيا، لتتحول من مهندسة اتصالات إلى واحدة من أبرز الأسماء الصاعدة في السينما العالمية، بعد رحلة امتدت لعشر سنوات في سرد أعمق جراح بلدها.
نشأت ماري كليمنتين في كيغالي برواندا ما بعد الإبادة الجماعية، في بلد كان يعيد بناء نفسه ويتعلم التعايش مع آثار الماضي الثقيلة.
لم تكن السينما جزءًا من عالمها المبكر، وتقول إنها لم تعرف الفن السابع إلا عبر أفلام محدودة مثل الدبلجة الرديئة للأفلام الصينية إلى الكينيارواندية أو أفلام بوليوود، ما جعل السينما بعيدة عن وعيها المهني آنذاك.
لكن مسارها تغيّر تمامًا حين جاء المخرج الكوري الأمريكي لي إسحاق تشونغ إلى حيّها لتصوير فيلمه «مونيورانجابو»، الذي عُرض لاحقًا في قسم «نظرة ما» بمهرجان كان عام 2007، وهو القسم نفسه الذي شهد لاحقًا تتويج «بن إيمانا».
لم يبتعد تشونغ عن حياتها بعد ذلك، إذ أسس «مجموعة أفلام شجرة اللوز» بالقرب من كيغالي، وهي منصة لتوفير التدريب والمعدات لصناع الأفلام، وانضمت ماري كليمنتين إلى المجموعة عام 2008، وتعلمت صناعة السينما عمليًا دون دراسة أكاديمية، عبر الانخراط المباشر في مواقع التصوير.

وبينما كانت تستعد للانتقال إلى مجال الاتصالات، تلقت رسالة من تشونغ تتضمن رابطًا لمسابقة كتابة سيناريو في مهرجان تريبيكا السينمائي، فشاركت وفازت، لكنها في البداية لم تفكر في الإخراج، واعتقدت أن شخصًا آخر يمكنه تنفيذ العمل.
صمود رواندا وذاكرة الإبادة والنساء في قلب الحكاية
مع الوقت، اتجهت ماري كليمنتين إلى الإخراج، لتبدأ سلسلة أعمال تحمل بصمة واضحة صمود رواندا، وذاكرة الإبادة الجماعية، ودور النساء في إعادة البناء.
جاء فيلمها القصير «ليزا» (2011) ليبدأ هذا المسار بعد اختياره في مهرجان تريبيكا، ثم تبعه «مكان لي» و«إيسياشا» (2018)، اللذان شاركا في مهرجانات دولية عديدة.
وحصد فيلمها القصير «إيسياشا» جائزة “زيبو الذهبية” في مهرجان رينكونتر دو فيلم كورت في مدغشقر عام 2019، وجائزة “تانيت البرونزية” في مهرجان قرطاج السينمائي عام 2016، كما عملت مشرفة على السيناريو وباحثة في مسلسل «لماذا نكره؟» الذي شارك في إنتاجه ستيفن سبيلبرغ، في تراكم هادئ للاعتراف الدولي.
وخلال تلك الفترة، التقت بالمخرج الإثيوبي هيلي جيريما، صاحب فيلمي «سانكوفا» و«تيزا»، والذي قدم لها دعمًا حاسمًا في مسيرتها بعد أن طلب منها إرسال السيناريو باللغة الإنجليزية، ثم أرسل لها أعماله كاملة لتتعمق في تجربته.
مشروع «بن إيمانا».. عقد من الحلم

استغرق فيلم «بن إيمانا» أكثر من عشر سنوات ليكتمل. ويعني اسمه «أبناء الله» أو «المحظوظون» بلغة الكينيارواندية، وهو عنوان يحمل دلالات روحية عن الوحدة والتكافل والروابط الإنسانية.
الفيلم يمتد لمدة ساعة و41 دقيقة، وصوّر بالكامل في رواندا باللغة الكينيارواندية، وهو إنتاج مشترك بين رواندا والغابون وفرنسا والنرويج وساحل العاج، وتتولى توزيعه شركة MK2 Films.

تدور أحداثه في أوائل الألفية الثانية، خلال فترة محاكم “غاكاكا” المجتمعية التي أعيد تفعيلها بعد الإبادة الجماعية للنظر في مئات الآلاف من القضايا.
وتتمحور القصة حول “فينيراندا”، ناجية من التوتسي أعادت بناء حياتها على فكرة المصالحة، وتقوم بتنظيم جلسات حوار بين الضحايا وعائلات الجناة رغم الضغوط المتصاعدة.
وتوضح المخرجة أن هدفها كان فهم بلدها بكل تعقيداته: «كيف تستمع، كيف تشعر، وكيف تفسر أو تتحدث أيضًا؟»، ولهذا اختارت الفيلم الروائي بدل الوثائقي، معتبرة أن الثقافة الرواندية المتجذرة في الصمت والحياء لا تسمح دائمًا بكشف الألم علنًا، فجاء الأداء عبر الممثلات ليعكس عمقًا لا تصل إليه الكاميرا الوثائقية.
إنجاز تاريخي في كان
وصف المدير الفني لمهرجان كان، تيري فريمو، فيلم «بن إيمانا» بأنه عمل “مذهل” بالنسبة لفيلم أول، وهو أول فيلم رواندي يدخل الاختيار الرسمي للمهرجان.
وفي 23 مايو 2026، تسلّمت ماري كليمنتين دوسابيجامبو جائزة الكاميرا الذهبية، كأول مخرجة أفريقية تفوز بها منذ تأسيسها عام 1978.
وفي خطابها، أهدت الجائزة إلى نساء بلدها، قائلة: «أردت أن أشيد بنساء بلدي الأمهات اللواتي امتلكن القوة للوقوف شامخات، وللتسامح، وللمضي قدمًا رغم الألم».
كما حصد الفيلم جائزة فيبريسكي من النقاد الدوليين في قسم «نظرة ما»، في تتويج مزدوج لمخرجة وصفت صباح الحفل بأنه لحظة “ارتياح” بعد عقد كامل من العمل.
السينما الإفريقية في أوج نهضتها
يأتي هذا الفوز في سياق صعود واضح للسينما الأفريقية عالميًا، حيث تزامن مع فوز الممثلة الرئيسية في الفيلم الكونغولي «فتى الكونغو» بجائزة أفضل أداء في الليلة نفسها، في إنجاز غير مسبوق للقارة.
وتعد نوليوود ثالث أكبر صناعة سينمائية في العالم من حيث حجم الإنتاج، فيما تشير تقديرات بنك التنمية الإفريقي إلى أن الصن



