تحديات تواجه واشنطن في معادن الكونغو: ضغوط السلام على رواندا وعقبة الصين

أحمد سالم
تتصاعد المنافسة الدولية على الموارد الطبيعية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تمتلك أحد أكبر احتياطات العالم من المعادن الاستراتيجية، على رأسها الكوبالت المستخدم في صناعة البطاريات والتكنولوجيا الحديثة.
وفي إطار المنافسة الشرسة، تسعى الولايات المتحدة لتعزيز حضورها في قطاع التعدين الكونغولي، في محاولة لتقليل اعتمادها على سلاسل الإمداد التي تسيطر عليها الصين، ضمن صراع أوسع على تأمين الموارد الحيوية، حيث لم يعد التنافس يقتصر على الاقتصاد فقط، بل امتد ليشمل أدوات سياسية وأمنية.
لكن تحديات أكبر تحول بين أمريكا ونفوذها في قطاع التعدين الكونغولي، لارتباط ذلك بالصراع المستمر في شرق الكونغو، حيث تتداخل مصالح القوى الدولية مع النزاعات المحلية المعقدة.

فمحاولات تحقيق الاستقرار أو دعم عمليات السلام غالبًا ما تتداخل مع السعي للسيطرة على مناطق غنية بالمعادن، ما يجعل النزاع أكثر تعقيدًا واستمرارًا.
في هذا السياق، كشف تقرير تحليلي نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية أن الاستراتيجية التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والقائمة على ربط إنهاء الحرب في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية بتأمين وصول الولايات المتحدة إلى المعادن الحرجة، تواجه تحديات متزايدة قد تقود إلى تعثر عملية السلام، وتعزيز النزعة السلطوية في كينشاسا، من دون تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة في مواجهة النفوذ الصيني في سلاسل إمداد المعادن.
صراع يمتد لثلاثة عقود
يستعرض التقرير جذور الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، والتي تعود إلى نحو ثلاثة عقود، عندما تدخل الجيش الرواندي لأول مرة عام 1996 بذريعة ملاحقة الجماعات المسلحة المتورطة في الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. ومنذ ذلك الحين، دعمت كيغالي أربع حركات تمرد متعاقبة، كان أبرزها حركة الثالث والعشرين من مارس (إم 23).
ويرى التقرير أنه، رغم تراجع التهديد العسكري الذي تمثله تلك الجماعات بالنسبة لرواندا، فإن كيغالي واصلت تدخلها في شرق الكونغو بدوافع متعددة، تشمل إنشاء منطقة عازلة على حدودها، والاستفادة من الموارد الطبيعية الغنية، إلى جانب توظيف الصراع لمعالجة تحدياتها الداخلية وتبرير تشديد قبضتها الأمنية.
عودة «إم 23» وتصاعد الحرب
بحسب التقرير، استأنفت حركة «إم 23» عملياتها العسكرية أواخر عام 2021 بعد سنوات من الهدوء، ما أدى إلى نزوح ملايين المدنيين، في وقت أخفقت فيه المبادرات الإقليمية التي قادتها مجموعة شرق أفريقيا، والاتحاد الأفريقي عبر الوساطة الأنغولية، إضافة إلى مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي، في تحقيق اختراق حقيقي بسبب ضعف الجيش الكونغولي وتمسك كل من كينشاسا وكيغالي بمواقف متشددة.

ويشير التقرير، إلى أن سقوط مدينة غوما في يد الحركة بعد أسبوع واحد فقط من بدء الولاية الثانية للرئيس ترامب كشف عن استغلال رواندا وحركة «إم 23» لحالة الفراغ الانتقالي داخل الإدارة الأمريكية قبل اكتمال تشكيل فريقها الجديد.
مقاربة ترامب: السلام مقابل المعادن
يؤكد التقرير، أن إدارة ترامب تبنت نهجاً قائماً على الربط بين التسوية السياسية والمصالح الاقتصادية، حيث جعلت الدعم الأمريكي للكونغو مرتبطاً بمنح الشركات الأمريكية أولوية الاستثمار في مشاريع الكوبالت والنحاس والليثيوم، مع استخدام العقوبات والتهديد بوقف المساعدات كأدوات ضغط على أطراف الصراع.
وفي ديسمبر 2025، رعت واشنطن توقيع اتفاق سلام بين الكونغو ورواندا، بالتزامن مع اتفاق للتكامل الاقتصادي الإقليمي تضمن تمويل مشروع للطاقة الكهرومائية، وإنشاء حدائق وطنية مشتركة، وتطوير سلسلة إقليمية لتوريد المعادن، إلى جانب شراكة استراتيجية تمنح الشركات الأمريكية وحلفاءها أولوية في بعض مشاريع المعادن الحرجة.

دبلوماسية خارج الأطر التقليدية
يلفت التقرير إلى أن ترامب كلف مستشاره لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، بقيادة الوساطة بين كينشاسا وكيغالي، بالتوازي مع المفاوضات التي استضافتها قطر بين الحكومة الكونغولية وحركة «إم 23».
ويرى التقرير، أن بولس تجاوز الآليات التقليدية لصنع القرار داخل مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، مستفيداً من قربه المباشر من الرئيس، وهو ما سمح بفرض عقوبات سريعة على شخصيات رواندية بارزة، وكذلك على الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا، قبل التوصل إلى إعلان مشترك في يونيو 2025، ثم اتفاق إطاري مع حركة «إم 23» في نوفمبر من العام نفسه.
السلام مقابل الامتيازات الاقتصادية
ويشير التقرير إلى أن حكومة كينشاسا قدمت لواشنطن عرضاً واضحاً يقوم على معادلة بسيطة: المساعدة في وقف الضغوط العسكرية الرواندية مقابل منح الشركات الأمريكية امتيازات واسعة في قطاع التعدين.
وتُرجم ذلك إلى سلسلة من الاتفاقيات بين شركة التعدين الحكومية الكونغولية «جيكماينز» وعدد من الشركات الدولية، بدعم من مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية.
ويضع التقرير هذه الخطوات ضمن استراتيجية «أمريكا أولًا» في أفريقيا، التي تعتمد على توسيع دور مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية بعد رفع سقف رأسمالها إلى 205 مليارات دولار، لتمويل مشاريع استراتيجية في أنغولا ورواندا وزامبيا والكونغو.
ويأتي على رأسها مشروع «ممر لوبيتو»، الذي يهدف إلى ربط أحزمة النحاس والكوبالت في الكونغو وزامبيا بالمحيط الأطلسي وتقليل الاعتماد على البنية التحتية الصينية.
ضغوط غير مسبوقة على رواندا
ويؤكد التقرير أن واشنطن مارست ضغوطاً غير مسبوقة على رواندا عبر فرض عقوبات على مسؤولين في الجيش الرواندي وشركات مرتبطة بتجارة الذهب، الأمر الذي دفع قوات «إم 23» والجيش الرواندي إلى الانسحاب من بعض المناطق.
إلا أن التقرير، يوضح أن هذه الانسحابات كانت تكتيكية أكثر منها استراتيجية، إذ استمرت العمليات العسكرية، مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة من الجانبين وسقوط ضحايا مدنيين، بينهم أحد موظفي منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) الذي قُتل في غارة قرب مدينة غوما.
اختلال في ميزان الضغوط
ومن أبرز الانتقادات التي يطرحها التقرير أن واشنطن ركزت ضغوطها على رواندا، بينما أظهرت تسامحاً أكبر مع تشدد الحكومة الكونغولية، التي لا تزال تشترط نزع سلاح رواندا وحركة «إم 23» بالكامل قبل تقديم أي تنازلات سياسية، رغم تفوق الحركة عسكرياً في عدد من الجبهات.

ويرى التقرير، أن هذا النهج يشجع كينشاسا على رفض الحلول الوسط، ويعرقل فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة.
مخاوف من ترسيخ النزعة السلطوية
يحذر التقرير أيضاً من أن السياسة الأمريكية قد تسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز النزعة السلطوية للرئيس فيليكس تشيسيكيدي، الذي بدأ منذ أكتوبر 2024 التمهيد لتعديل الدستور أو استبداله بما يسمح له بالترشح لولاية رئاسية ثالثة.
وينقل التقرير عن مسؤولين كونغوليين، اعتقادهم بأن إدارة ترامب قد تتسامح مع استمرار تشيسيكيدي في السلطة مقابل الحفاظ على الامتيازات الأمريكية في قطاع المعادن، إلى جانب تعاون كينشاسا في استقبال مهاجرين مرحلين من الولايات المتحدة، وهي العملية التي وصلت أولى دفعاتها إلى العاصمة كينشاسا في أبريل الماضي.
الصين.. العقبة الأكبر
ورغم توسع الحضور الأمريكي، يؤكد التقرير أن الصين لا تزال تهيمن على سلاسل القيمة الخاصة بالمعادن الأفريقية، إذ تستحوذ على أكثر من ثلثي صادرات الكونغو من النحاس والكوبالت، وأكثر من نصف صادرات القارة من البوكسيت والمنغنيز والتنتالوم والتنغستن، فضلاً عن سيطرتها على قدرات التكرير والتصنيع.
ويرى التقرير أن زيادة الاستثمارات الأمريكية، مهما بلغت، لن تكون كافية في المدى القريب لإزاحة الصين عن موقعها المهيمن، ما يجعل الرهان الأمريكي جزءاً من منافسة استراتيجية طويلة الأمد، وليس تحولاً سريعاً في ميزان القوى.
ضعف الأدوات الدبلوماسية الأمريكية
كما يلفت التقرير إلى أن استمرار شغور 39 سفارة أمريكية في أفريقيا، بينها سفارتا الولايات المتحدة في الكونغو ورواندا، يحد من قدرة واشنطن على إدارة ملف معقد مثل أزمة شرق الكونغو.
ويضيف أن السياسة الأمريكية تبدو متناقضة، إذ تواصل واشنطن تقديم مساعدات صحية لرواندا، وتوقع معها اتفاقات للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، في الوقت الذي تفرض فيه عقوبات على الجيش الرواندي، وهو ما يضعف فاعلية أدوات الضغط الأمريكية.
وفي ظل هذا الواقع، يخشى مراقبون من أن يؤدي ربط إنهاء الحرب بالمصالح الاقتصادية، إلى إطالة أمد الصراع، بدلًا من حله، مع تحويل الموارد الطبيعية إلى أحد محركات النزاع بدل أن تكون مدخلًا للتنمية والاستقرار.



