انحسار تاريخي للنيل في السودان.. ما علاقة سد النهضة؟
تراجع مفاجئ في تدفقات النيل الأزرق يعطل محطات مياه الشرب

كتب:محمد عمران
في مشهد لم يألفه السودانيون في مثل هذا الوقت من العام، انكشفت مساحات واسعة من ضفاف نهر النيل، وظهرت تكوينات رملية في قلب المجرى، بينما ابتعدت المياه عن مآخذ عدد من محطات الشرب، لتتحول الظاهرة خلال أيام قليلة من مشهد لافت إلى قضية تمس الأمن المائي والخدمي في البلاد.
انحسار تاريخي للنيل في السودان.. هل بدأ سد النهضة يغير قواعد اللعبة؟
وفي الوقت الذي يتوقع فيه السودانيون عادة بدء الارتفاع التدريجي لمناسيب النيل مع اقتراب موسم الفيضان، سجلت عدة محطات هذا العام انخفاضا في المناسيب، ما انعكس على تشغيل عدد من محطات مياه الشرب وبعض مشروعات الري، خاصة في العاصمة الخرطوم.
ورغم تطمينات وزارة الزراعة والري بالسودان بأن الوضع المائي العام لا يزال مستقرا وأن الانخفاض مؤقت، فإن الظاهرة أعادت إلى الواجهة النقاش حول تأثيرات التشغيل المستمر لسد النهضة الإثيوبي على النظام الهيدرولوجي للنيل الأزرق.
وأرجعت الوزارة الانخفاض الذي تم رصده خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو الجاري إلى تراجع التصريفات الواردة من النيل الأزرق، نتيجة انخفاض كميات المياه المنطلقة من سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة.
وقالت الوزارة، في بيان صحفي أمس إن هذا التراجع أدى إلى انخفاض التصريفات من خزاني الروصيرص وسنار، قبل أن ينعكس على مناسيب النهر في عدد من المحطات الواقعة على امتداد مجرى النيل.
وأوضح البيان أن الوارد اليومي إلى بحيرة خزان الروصيرص انخفض مؤقتا خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو 2026 من 207 ملايين متر مكعب يوميا إلى 129 مليون متر مكعب، بنسبة نقص بلغت 76 مليون متر مكعب.
وأكدت الوزارة في الوقت ذاته أن الصورة العامة لا تعكس أزمة مائية شاملة، مشيرة إلى أن النيل الأبيض يسجل إيرادات أعلى من معدلاته المعتادة.
وكانت محطات مياه الشرب من أولى القطاعات التي تأثرت بانخفاض المناسيب، حيث تراجع مستوى المياه في ولاية الخرطوم إلى درجة ابتعاد مجرى النهر عن مداخل المضخات في بعض المحطات، ما أدى إلى توقف محطات رئيسية وانخفاض إنتاج أخرى، وانعكس على إمدادات المياه في عدد من الأحياء المكتظة بالسكان.
وأعلنت هيئة المياه بولاية الخرطوم خروج محطتي “مياه الصالحة” و”شمال بحري” عن الخدمة مؤقتا، بسبب ابتعاد المجرى المائي عن مضخات السحب، مشيرة إلى الاستعانة بحفارات لشق مجار مائية جديدة.
وأوضحت الهيئة، في بيان صحفي إنها نفذت معالجات عاجلة شملت إزالة الترسبات وشق قنوات جديدة، إلى جانب دراسة حلول دائمة، بينها تعديل مواقع المآخذ وإنشاء مصادر بديلة للإمداد.
تحول في سلوك النهر
وقال الخبير السوداني في الموارد المائية المهندس محمد علي سليمان، في تصريح لوكالة أنباء ((شينخوا))، إن ما يشهده السودان يمثل نتيجة للتحول الذي طرأ على نظام تدفقات النيل الأزرق بعد دخول سد النهضة مرحلة التشغيل الكامل.
وأوضح سليمان أن النهر لم يعد يتصرف وفق إيقاعه الطبيعي الذي اعتاده السودان لعشرات السنين، إذ أصبحت كميات المياه وتوقيت وصولها مرتبطين بدرجة كبيرة ببرامج تشغيل السد الإثيوبي.
وأضاف أن السنوات الماضية لم تظهر التأثير بصورة واضحة بسبب الارتفاع الاستثنائي في إيرادات النيل الأبيض، الذي ساعد في تعويض جزء كبير من التراجع في واردات النيل الأزرق، إلا أن انخفاض مساهمة النيل الأبيض هذا العام بالتزامن مع تراجع تصريفات النيل الأزرق كشف حجم التغير بصورة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص المياه، وإنما في التذبذب المفاجئ للمناسيب، ما يصعب على مشغلي السدود ومحطات المياه التخطيط المسبق لإدارة الموارد المائية بكفاءة.
من جانبه، قال أستاذ هندسة الموارد المائية بالسودان عبد الرحيم طلب، في تصريح لـ شينخوا، إن أحد أبرز التحديات يتمثل في غياب تبادل البيانات اليومية الخاصة بتشغيل سد النهضة.
وأوضح طلب أن إدارة أي منظومة نهرية مشتركة تتطلب معرفة مسبقة بحجم التصريفات المتوقعة، حتى تتمكن دول المصب من ضبط تشغيل السدود المحلية وإدارة محطات المياه ومشروعات الري.
وأضاف أن نقص المعلومات يجعل الجهات السودانية تتعامل مع المتغيرات بعد وقوعها بدلا من الاستعداد لها مسبقا، الأمر الذي يزيد من كلفة المعالجات الفنية ويؤثر على استقرار الخدمات.
وأشار إلى أن التغيرات الحالية تؤكد الحاجة إلى تطوير أنظمة الإنذار المبكر والرصد الهيدرولوجي.
تداعيات اقتصادية وزراعية
ولم تقتصر آثار انخفاض مناسيب النيل على مياه الشرب، إذ امتدت إلى القطاع الزراعي، حيث واجهت بعض محطات الري صعوبة في تشغيل المضخات نتيجة ابتعاد المياه عن مآخذها.
وحذر خبراء من أن استمرار التقلبات في مناسيب النيل قد يفرض أعباء مالية إضافية على مشروعات الري، سواء من خلال تعديل البنية التحتية أو زيادة تكاليف التشغيل والصيانة.
وقال الخبير المائي عبدالقادر عبدون إن التعامل مع هذه المتغيرات يتطلب رؤية طويلة الأجل تتجاوز الحلول الإسعافية.
واقترح عبدون، إعادة تصميم مآخذ محطات المياه بما يتلاءم مع التذبذب في المناسيب، وزيادة الاعتماد على الآبار الجوفية كمصدر احتياطي في المدن الكبرى، وتطوير أنظمة مراقبة لحظية للمناسيب والتصريفات، إلى جانب تحديث قواعد تشغيل السدود السودانية بما يتوافق مع المتغيرات الجديدة.
ويرى عبدون أن ما حدث خلال يوليو الجاري قد يكون مؤشرا على مرحلة جديدة في إدارة الموارد المائية بالسودان، حيث لم تعد التحديات مرتبطة فقط بحجم المياه المتاحة، وإنما أيضا بسرعة تغير المناسيب وعدم انتظام التدفقات.
وفيما تؤكد السلطات السودانية أن الوضع الحالي لا يهدد الأمن المائي للبلاد، يرى خبراء أن الظاهرة تمثل اختبارا لقدرة السودان على التكيف مع المتغيرات التي فرضها سد النهضة.
ويأتي الجدل الحالي حول تراجع مناسيب النيل في ظل استمرار الخلاف بين السودان ومصر وإثيوبيا بشأن قواعد تشغيل سد النهضة، منذ توقيع “إعلان المبادئ” في الخرطوم عام 2015، الذي نص على التعاون وعدم الإضرار بدول المصب والتنسيق في ملء وتشغيل السد.
وفي سبتمبر 2025 أعلنت إثيوبيا دخول السد مرحلة التشغيل الكامل، في حين لا تزال الخرطوم والقاهرة تطالبان بآلية ملزمة لتبادل البيانات والتنسيق بشأن تشغيله، لتجنب التقلبات المفاجئة في تدفقات المياه.
وتبلغ السعة التصميمية لسد النهضة 74 مليار متر مكعب، بينما تقدر كمية المياه المخزنة حاليا بنحو 42 مليار متر مكعب.


