من الموانئ إلى الهيدروجين الأخضر.. 10 مشروعات ترسم خريطة اقتصاد إفريقيا بحلول 2035
ممرات تجارية وموانئ عملاقة ومشروعات طاقة وصناعة بمليارات الدولارات تعيد تشكيل حركة الاستثمار

كتب: محمد عمران
لم تعد المنافسة الاقتصادية في إفريقيا تقتصر على امتلاك الموارد الطبيعية أو جذب الاستثمارات الأجنبية، بل أصبحت ترتبط بشكل متزايد بقدرة الدول على بناء بنية تحتية حديثة تربط المناجم بالموانئ، وتخفض تكاليف النقل، وتدعم التصنيع المحلي.
من الموانئ إلى الهيدروجين الأخضر.. 10 مشروعات سترسم خريطة اقتصاد أفريقيا بحلول 2035
وخلال السنوات الأخيرة، أطلقت الحكومات الأفريقية وشركاؤها الدوليون عشرات المشروعات العملاقة في مجالات النقل والطاقة والموانئ والصناعة، وسط توقعات بأن تسهم هذه المشروعات في إعادة تشكيل الاقتصاد الأفريقي بحلول عام 2035، في وقت تشير فيه تقديرات بنك التنمية الأفريقي إلى أن القارة تحتاج إلى استثمارات سنوية في البنية التحتية تتراوح بين 130 و170 مليار دولار لسد فجوة التمويل.
ويأتي ممر لوبيتو في صدارة هذه المشروعات، باعتباره أحد أهم الممرات الاقتصادية الجديدة في القارة. ويبدأ الممر من ميناء لوبيتو على ساحل أنجولا، ويمتد عبر شبكة السكك الحديدية إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، وصولًا إلى زامبيا، بهدف تسهيل نقل النحاس والقنوات والمعادن الإستراتيجية إلى الأسواق العالمية.

ويحظى المشروع بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومؤسسات تمويل دولية، كما أُعلن خلال عام 2026 عن تمويل جديد لتطوير خطوط السكك الحديدية والبنية اللوجستية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الممر سيخفض زمن نقل البضائع من مناطق التعدين إلى الموانئ بصورة كبيرة، وسيعزز تنافسية صادرات الدول الثلاث، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على المعادن المستخدمة في صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات.
وفي غرب إفريقيا ، يمثل مشروع سيماندو في غينيا نقطة تحول في سوق خام الحديد العالمي، فالمنطقة تضم أحد أكبر احتياطيات خام الحديد عالي الجودة غير المستغلة في العالم، ويشمل المشروع إنشاء مناجم ضخمة، وخط سكة حديد يمتد لأكثر من 600 كيلومتر، إضافة إلى ميناء جديد على ساحل المحيط الأطلسي لتصدير الخام.
وتقدر الاستثمارات المرتبطة بالمشروع بنحو 20 مليار دولار، ومن المتوقع أن يحول غينيا خلال السنوات المقبلة إلى أحد أكبر مصدري خام الحديد، مع ما يصاحب ذلك من توسع في الصناعات والخدمات اللوجستية وخلق آلاف فرص العمل.

أما في جنوب شرق القارة، فتراهن موزمبيق على احتياطياتها الضخمة من الغاز الطبيعي لتصبح لاعبًا رئيسيًا في سوق الطاقة العالمية.
وبعد سنوات من التوقف بسبب التحديات الأمنية، استؤنف تنفيذ مشروع الغاز الطبيعي المسال في حوض روفوما، والذي يعد من أكبر مشروعات الطاقة في أفريقيا باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار.
ومن المنتظر أن يؤدي تشغيل المشروع إلى مضاعفة صادرات موزمبيق، وزيادة إيرادات الدولة، مع تعزيز مكانتها بين كبار مصدري الغاز الطبيعي المسال.
وفي شمال أفريقيا، تبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها أحد أهم المشروعات الصناعية واللوجستية في القارة.
فالمشروع لا يقتصر على استغلال الموقع الإستراتيجي لقناة السويس، التي يمر عبرها جزء كبير من التجارة العالمية، بل يهدف إلى جذب استثمارات صناعية في مجالات الطاقة المتجددة، والصناعات الهندسية، ومكونات السيارات، والصناعات البحرية.
وشهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة توقيع عشرات الاتفاقيات مع شركات دولية لإنشاء مصانع جديدة، بما يعزز دور مصر كمركز إقليمي للإنتاج وإعادة التصدير.
كما يمثل مشروع رأس الحكمة في مصر أحد أكبر المشروعات العمرانية والاستثمارية في أفريقيا خلال العقد الحالي، حيث يستهدف إنشاء مدينة سياحية واستثمارية متكاملة على ساحل البحر المتوسط، مع تطوير مرافق حديثة ومناطق تجارية وسياحية وسكنية.
ويراهن المشروع على جذب استثمارات أجنبية ضخمة، وتحفيز قطاعات البناء والخدمات والسياحة، إلى جانب خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
وفي شرق أفريقيا، تواصل دول المنطقة تنفيذ مشروع السكك الحديدية القياسية (SGR) الذي يربط كينيا وأوغندا، مع خطط لامتداده مستقبلًا إلى رواندا وجنوب السودان.
ويهدف المشروع إلى خفض تكاليف نقل البضائع بين ميناء مومباسا والدول الحبيسة، وتقليل زمن الشحن، بما يدعم التجارة البينية ويزيد من تنافسية اقتصادات شرق أفريقيا.
وتشهد الموانئ الإفريقية أيضًا طفرة كبيرة، مع تنفيذ مشروعات توسعة وتطوير في عدد من الموانئ الرئيسية، من بينها ميناء ندايان في السنغال، وميناء باغامويو في تنزانيا، إلى جانب تطوير موانئ في أنجولا ومصر والمغرب.
وتستهدف هذه المشروعات زيادة الطاقة الاستيعابية للحاويات، وتحويل الدول الساحلية إلى مراكز لوجستية تخدم التجارة الإقليمية والدولية، خاصة في ظل النمو المتوقع لحجم التجارة الأفريقية خلال العقد المقبل.
وفي قطاع الطاقة النظيفة، تتسابق عدة دول أفريقية، من بينها مصر وناميبيا وموريتانيا وجنوب إفريقيا، لتنفيذ مشروعات ضخمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر اعتمادًا على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ويأتي ذلك استجابة للطلب العالمي المتزايد على الوقود منخفض الانبعاثات، خاصة من الأسواق الأوروبية، وهو ما قد يمنح أفريقيا فرصة لتصبح أحد أكبر موردي الطاقة النظيفة في العالم خلال السنوات المقبلة.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل الاقتصاد الأفريقي دون التوقف عند اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)، التي تمثل أكبر مشروع للتكامل الاقتصادي في تاريخ القارة.
وتضم الاتفاقية 54 دولة، وتستهدف إزالة الرسوم الجمركية تدريجيًا، وتسهيل حركة السلع والخدمات والاستثمارات، بما يعزز التجارة البينية التي لا تزال أقل من مستوياتها في مناطق اقتصادية أخرى حول العالم.

ويرى خبراء أن نجاح الاتفاقية سيضاعف الاستفادة من مشروعات البنية التحتية، ويخلق سوقًا موحدة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن مستقبل أفريقيا الاقتصادي لن يعتمد فقط على حجم الموارد الطبيعية، وإنما على قدرة الدول على تحويل تلك الموارد إلى قيمة مضافة من خلال التصنيع، وربطها بموانئ حديثة، وشبكات نقل متطورة، وأسواق إقليمية مفتوحة.
وإذا اكتملت هذه المشروعات وفق الجداول الزمنية المعلنة، فإن إفريقيا ستكون بحلول عام 2035 أمام مرحلة اقتصادية جديدة، تتسم بزيادة معدلات الاستثمار، وتحسن حركة التجارة، وتعزيز مكانة القارة في سلاسل الإمداد العالمية.



