تنزانيا الموحدة.. ستة عقود من التماسك وبناء الدولة
تاريخ نشأة جمهورية تنزانيا المتحدة
تُعد قارة إفريقيا شاهدة على العديد من محاولات التكتل والوحدة السياسية التي سرعان ما تبددت أدراج الرياح، إلا أن جمهورية تنزانيا المتحدة تقف اليوم كاستثناء تاريخي نادر.
فمنذ اندماج دولتي تنجانيقا وزنجبار قبل نحو ستة عقود وبضع سنين، نجح هذا الكيان في الصمود وتشكيل هوية وطنية متماسكة، رغم العواصف السياسية والمطالب المتزايدة بإعادة هيكلة هذا الاتحاد ليتواكب مع متغيرات العصر.
النشأة التاريخية
في السادس والعشرين من أبريل عام 1964، اتجهت أنظار العالم نحو ولادة جمهورية تنزانيا المتحدة، إثر دمج جمهورية تنجانيقا التي استقلت عن بريطانيا عام 1961، وجمهورية زنجبار الشعبية.
وقد تجسدت هذه الوحدة في الصورة التاريخية الشهيرة التي ظهر فيها أول رئيس لتنجانيقا، الراحل جوليوس نيريري، وهو يخلط رمال البلدين في مشهد رمزي يعبّر عن التلاحم.

ولم يكن هذا الاتحاد مجرد التقاء عاطفي، بل فرضته ظروف جيوسياسية معقدة، ففي خضم الحرب الباردة، وعقب انقلاب زنجبار في يناير 1964 للإطاحة بالحكم العربي وتأسيس حكومة الأغلبية، وصفت القوى الغربية زنجبار بأنها “كوبا أفريقيا”.
هذا التخوف الغربي، وتوجس نيريري من التهديدات الأمنية التي قد تشكلها الجزيرة، بالإضافة إلى الروابط الثقافية العميقة بين الشعبين، عجلت بصياغة مواد الاتحاد التي شملت مجالات سيادية للتعاون، أبرزها الخارجية والدفاع والتجارة.
استثناء أفريقي صامد
يشير الباحثون في الشأن التنزاني إلى أن ما يميز هذا الاتحاد هو قدرته على البقاء والاستمرار، في وقت انهارت فيه تجارب وحدوية أفريقية أخرى.


وبينما عانت دول أخرى من انقسامات حادة أدت إلى انفصال أراضيها كحالة السودان وجنوب السودان، ظل اتحاد تنجانيقا وزنجبار قائماً، ليُحتفى به كنموذج عملي للرؤية الأفريقية الجامعة.
سامية حسن وقيادة المرحلة
ومع تولي الرئيسة الحالية سامية سولوهو حسن مقاليد الحكم، هدأت بعض التوترات الانفصالية.
منذ تولي الرئيسة سامية سولوهو حسن الحكم في مارس 2021 عقب وفاة جون ماغوفولي، شهدت تنزانيا تحولاً اقتصادياً ملحوظاً، فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من 69.7 مليار دولار عام 2021 إلى 85.42 مليار دولار عام 2023، بفضل إصلاحات شملت تحديث الزراعة، تحرير التجارة، وتسهيل حصول الشركات الصغيرة والمتوسطة على التمويل.
كما أولت اهتماماً كبيراً بالتعليم باعتباره حجر الزاوية في رؤيتها، فأطلقت مبادرات لتعليم الفتيات، وزادت الإنفاق على البنية التحتية التعليمية، مع خطط لإنشاء 11 جامعة للعلوم والتكنولوجيا لتعزيز اقتصاد قائم على المعرفة.
إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية، اتخذت سامية خطوات سياسية ودبلوماسية أعادت تنزانيا إلى الساحة الدولية. فقد سمحت بعودة المعارضة لممارسة نشاطها، أفرجت عن سجناء سياسيين، وتعاملت مع جائحة كوفيد-19 بجدية عبر توفير اللقاحات لنحو 30 مليون مواطن.
كما أعادت فتح العلاقات الدبلوماسية مع دول عدة، ما ساهم في جذب استثمارات ضخمة مثل مشروع خط السكة الحديد الممول من بنك التنمية الأفريقي بقيمة 2.7 مليار دولار. هذه السياسات جعلت تنزانيا واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا، ورسخت مكانة سامية كقائدة أحدثت نقلة نوعية في مسار البلاد الاقتصادي والسياسي



