الأرض الإفريقية في مرمى العالم.. من يسيطر على غذاء القارة وثرواتها الزراعية؟
استثمارات أجنبية وصفقات ضخمة تثير صراعًا على الزراعة والمياه والأمن الغذائي

كتب: محمد عمران
لم تعد الأراضي الزراعية في إفريقيا مجرد مساحات مخصصة لزراعة المحاصيل، بل تحولت إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تتنافس عليها الحكومات والمستثمرون والشركات الزراعية، في ظل تزايد الطلب العالمي على الغذاء والمياه والمواد الخام والطاقة.
الأرض الإفريقية في مرمى العالم.. من يسيطر على غذاء القارة وثرواتها الزراعية؟
وتتجه الأنظار إلى القارة التي تمتلك مساحات زراعية واسعة وإمكانات كبيرة للتوسع في الإنتاج، بينما لا تزال أجزاء كبيرة من أراضيها تعاني ضعف الاستثمار ونقص شبكات الري والبنية التحتية وارتفاع تكلفة النقل والتخزين.

لكن الحديث عن امتلاك الأجانب لأراضي إفريقيا يحتاج إلى دقة؛ فالكثير من الصفقات لا يعني بيع الأرض بصورة نهائية، وإنما منح المستثمرين حقوق استخدام أو استغلال لفترات طويلة من خلال عقود إيجار أو امتيازات، بينما تظل الملكية القانونية في حالات عديدة للدولة أو لجهات أخرى.
وتراقب مبادرة Land Matrix صفقات الأراضي واسعة النطاق حول العالم، وتشمل عمليات البيع والإيجار والامتياز ونقل حقوق السيطرة أو الاستخدام، ولذلك فإن الأرقام المتداولة حول «الأراضي المملوكة للأجانب» لا تعني بالضرورة ملكية أجنبية مباشرة لكل هذه المساحات.
وتبرز إفريقيا كإحدى أكثر مناطق العالم تعرضًا لصفقات الأراضي واسعة النطاق، مع دخول مستثمرين محليين وأجانب في مشروعات تستهدف الزراعة التجارية وإنتاج الغذاء والمحاصيل التصديرية والأخشاب والوقود الحيوي والطاقة المتجددة.

ويأتي الغذاء في مقدمة أسباب هذا السباق، إذ يدفع النمو السكاني والتوسع العمراني وارتفاع الطلب على الحبوب والزيوت والمحاصيل الزراعية المستثمرين إلى البحث عن أراضٍ واسعة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشروعات إنتاج تجاري.
وتلعب المياه دورًا لا يقل أهمية عن الأرض نفسها، فالمشروع الزراعي الكبير يحتاج إلى مصدر مياه مستقر، ولذلك تزداد قيمة الأراضي القريبة من الأنهار ومناطق الري ومصادر المياه الجوفية، ما يجعل المنافسة على الأرض مرتبطة في أحيان كثيرة بالمنافسة على المياه.
ولا تتوقف جاذبية الأراضي الإفريقية عند الغذاء، فقد دخلت استخدامات جديدة إلى المشهد، من بينها إنتاج الوقود الحيوي ومشروعات الطاقة المتجددة ومشروعات الكربون، ما يوسع دائرة المنافسة على الأراضي الصالحة للزراعة.
وفي هذا المشهد، لا يمثل المستثمر الأجنبي الطرف الوحيد؛ فهناك شركات إفريقية ومزارعون كبار وحكومات وصناديق استثمار وشركات زراعية محلية تدخل هي الأخرى في عمليات الاستحواذ أو الإيجار طويل الأجل للأراضي.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» إلى أهمية المستثمرين المحليين في صفقات الأراضي داخل إفريقيا، موضحة أن الاستثمارات الخاصة تمثل جانبًا مهمًا من هذه العمليات، وهو ما يؤكد أن القضية لا يمكن اختزالها في مواجهة بين مستثمر أجنبي ومجتمع محلي.
وتظهر الأزمة بصورة أكبر عندما تتقاطع العقود الرسمية مع حقوق المجتمعات المحلية، فهناك ملايين المزارعين والرعاة يعتمدون على أنظمة حيازة عرفية لم تُوثق دائمًا في سجلات رسمية، ما يجعلهم أكثر عرضة للنزاعات عندما تدخل مشروعات ضخمة إلى مناطقهم.

وهنا تظهر أهمية تسجيل الأراضي وتوثيق حقوق استخدامها، لأن غياب الوثائق الرسمية لا يعني بالضرورة غياب الحق، لكنه يجعل إثبات هذا الحق أكثر صعوبة أمام الشركات أو الجهات التي تحصل على عقود رسمية من الحكومات.
ولا تخلو الاستثمارات الزراعية الكبرى من فوائد محتملة؛ فالمشروعات الناجحة يمكن أن توفر فرص عمل، وتدخل تقنيات حديثة، وتطور شبكات الري والتخزين والنقل، وتفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات الزراعية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأرض إلى مشروع تجاري منفصل عن المجتمع المحيط بها، بحيث لا يحصل السكان على عائد حقيقي من المشروع أو يفقدون مصدر رزقهم دون تعويض عادل أو بدائل اقتصادية واضحة.
وتكشف تجربة السنغال إحدى صور هذا الجدل، بعدما حصل مشروع زراعي واسع النطاق على حقوق لاستغلال نحو 20 ألف هكتار لإنتاج البرسيم وتصديره، قبل أن يواجه المشروع لاحقًا مشكلات وانقسامات محلية وانتهى إلى تعثره.
وفي المقابل، فإن نجاح الاستثمار الزراعي لا يرتبط فقط بحجم الأرض التي يحصل عليها المستثمر، وإنما بقدرته على تحويلها إلى إنتاج حقيقي يرتبط بسلاسل القيمة المحلية، من التصنيع الغذائي إلى التخزين والنقل والتصدير.
وتزداد أهمية هذه النقطة بالنسبة للحكومات الإفريقية التي تواجه معادلة صعبة؛ فهي تحتاج إلى جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بحماية الأمن الغذائي وحقوق المزارعين ومنع تحول الأراضي إلى أصول مضاربية.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن ضعف توثيق حقوق الأراضي يمثل تحديًا اقتصاديًا في عدد من الدول الإفريقية، لأن عدم وضوح الملكية أو الحيازة قد يحد من قدرة المزارعين على الاستثمار في أراضيهم أو استخدامها للحصول على التمويل.
وفي كوت ديفوار، على سبيل المثال، ينظر البنك الدولي إلى إصلاحات تسجيل الأراضي وتعزيز أمن الحيازة باعتبارها أدوات يمكن أن تساعد على زيادة الاستثمار والإنتاجية وتحويل الأرض إلى أصل اقتصادي أكثر فاعلية.
وتزداد حساسية الملف عندما تكون المحاصيل المنتجة موجهة إلى التصدير، خصوصًا إذا كانت المجتمعات المحيطة بالمشروع تعاني في الوقت نفسه من ارتفاع أسعار الغذاء أو ضعف الإنتاج المحلي.
وهنا يتحول السؤال من «هل الاستثمار قانوني؟» إلى سؤال أكبر يتعلق بمن يستفيد من الأرض: هل يذهب العائد الأكبر إلى المستثمر؟ أم يحصل المزارعون والمجتمعات المحلية والحكومة على نصيب عادل من القيمة التي تنتجها الأرض؟
كما أن دخول مشروعات الطاقة المتجددة والكربون يضيف بعدًا جديدًا للمنافسة، بعدما أصبحت الأرض مطلوبة ليس فقط لإنتاج الغذاء، ولكن أيضًا لمشروعات قد ترتبط بأسواق الطاقة أو الاعتمادات الكربونية.
وبالتالي، فإن سباق الأراضي في إفريقيا لم يعد مجرد منافسة على العقارات الزراعية، وإنما أصبح مرتبطًا بالغذاء والمياه والطاقة والتجارة والاستثمار، وهو ما يمنح الأرض قيمة استراتيجية تتجاوز قيمتها الزراعية المباشرة.
وفي السنوات المقبلة، ستواجه الحكومات الإفريقية اختبارًا حقيقيًا في قدرتها على وضع قواعد واضحة للاستثمار الزراعي، تضمن الشفافية في العقود وتحمي حقوق المجتمعات المحلية، وفي الوقت نفسه لا تغلق الباب أمام رؤوس الأموال التي تحتاج إليها القارة لتطوير قطاعها الزراعي.
وفي النهاية، فإن القضية لا تتعلق فقط بمن يملك الأرض، وإنما بمن يملك القرار في كيفية استخدامها، ومن يحصل على عائدها، وأين يذهب الإنتاج، ومن يتحمل الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمشروعات المقامة عليها.
فالأرض التي تبدو اليوم مجرد مساحة زراعية قد تصبح خلال السنوات المقبلة أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية في إفريقيا، ومع تصاعد الطلب العالمي على الغذاء والمياه والطاقة، فإن السيطرة على الأرض تعني في جانب كبير منها السيطرة على جزء من مستقبل القارة.



