SliderEgypt

محمد التونسي لـ”زوم أفريكا نيوز”: الأفروسنتريك بلا سند علمي.. وكل الأدلة تؤكد أن المصريين هم بناة حضارتهم

أستاذ الآثار المصرية: وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في نشر روايات غير موثقة.. وأدعو إلى مخاطبة إفريقيا بالحقائق العلمية عن الحضارة المصرية

Written by: Mohammed Omran

في السنوات الأخيرة، عاد الجدل حول حركة “الأفروسنتريك” إلى الواجهة بقوة، بعد تصاعد النقاشات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما صاحبها من ادعاءات بشأن الحضارة المصرية القديمة وهوية المصريين القدماء، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الجدل بين الباحثين والمتخصصين في التاريخ والآثار.

الدكتور محمد التونسي : الأفروسنتريك بلا دليل علمي والحضارة المصرية ثابتة

وفي ظل هذا الجدل، أجرى “زوم أفريكا نيوز” حوارًا مع أ.د. محمد التونسي،  أستاذ الآثار المصرية القديمة ووكيل كلية الآداب لشؤون التعليم والطلاب بجامعة العاصمةللحديث عن نشأة حركة الأفروسنتريك، وأبرز ادعاءاتها، والموقف العلمي منها، ودور البحث الأكاديمي في مواجهة الروايات التاريخية غير الموثقة، إلى جانب تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والأعمال الفنية في تشكيل الوعي التاريخي والهوية الحضارية.

بداية.. ما المقصود بحركة “الأفروسنتريك”، وكيف نشأت تاريخيًا؟

الحقيقة أن هذه الحركة بدأت تتشكل منذ فترة طويلة في القرن العشرين، وتسعى إلى إظهار المركزية الأفريقية في الثقافة والهوية والتراث للأفارقة الذين يعيشون خارج إفريقيا، وهنا نقطة مفصلية في الموضوع، لأنها تسلط الضوء على الثقافة الأفريقية بمجالاتها العديدة لهؤلاء الأفارقة الذين يعيشون خارج القارة.

لماذا عادت قضية الأفروسنتريك إلى الواجهة بقوة خلال الفترة الأخيرة خاصة على منصات التواصل الاجتماعي؟

قضية المركزية الإفريقية عادت للظهور، وتم استغلالها سياسيًا، وهو أمر مؤسف، نحن نؤمن بأن الحضارة قاسم مشترك بين جميع دول العالم، وإفريقيا جزء رئيسي من هذا العالم، ونحن نعيش إخوة مع بعضنا البعض، الغريب والمريب أن مقر تلك الحركة ليس في إفريقيا، فهم يتحدثون عن إفريقيا وهم يعيشون في مكان آخر في هذا العالم، أليست تلك مفارقة كبيرة؟ إن تلك المعطيات تشير إلى أمور خفية عديدة تستهدفها تلك الحركة في سياقات متعددة.

ما أبرز الادعاءات التي يروج لها أنصار الأفروسنتريك بشأن الحضارة المصرية القديمة؟

من أهم ما يروج له بعض أعضاء تلك الحركة أن الحضارة المصرية القديمة هي حضارة سوداء، وأن المصريين لم يقيموا صروح تلك الحضارة العريقة من معابد ومقابر وآثار ثابتة أو منقولة، أو حتى تلك العلوم الطبية والهندسية وغيرها التي وصل إليها المصريون القدماء طوال تاريخهم القديم.

من منظور تاريخي وأثري، ما الأدلة التي يستند إليها الباحثون عند دراسة هوية المصريين القدماء؟

البحث في علم الآثار يعتمد على أدلة ثابتة قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، من خلال الآثار ودراسات اللغة المصرية القديمة بخطوطها المختلفة (الهيروغليفية، والهيراطيقية، والديموطيقية)، وكلها تتحدث عن أن المصريين وحدهم هم من شيدوا تلك الآثار المنتشرة في ربوع الوادي شمالًا وجنوبًا، وقد ثبت تاريخيًا وآثريًا أن المصريين هم الذين شيدوا حضارتهم بأيديهم طوال آلاف السنين. وجميع علماء العالم من الأثريين في دول أوروبا وغيرهم في بقاع العالم المختلفة يؤكدون، من خلال العلم المبني على القواعد العلمية الأصيلة، أن المصريين وحدهم هم من شيدوا حضارتهم دون تدخل من أي جنس أفريقي آخر.

 

وإذا كان للأفارقة من ذوي البشرة السوداء والملامح الأفريقية المعروفة دور في الحضارة المصرية القديمة، فلماذا لم نجد حضارة مثل الحضارة المصرية في أي بلد أفريقي آخر غير مصر؟ بل لماذا لم نجد أدلة أثرية من معابد أو مقابر أو نصوص لغوية كُتبت باللغة المصرية القديمة أو بأحد خطوطها؟

هل توجد أي دراسات أكاديمية موثقة تدعم الادعاءات التي تربط الحضارة المصرية القديمة بأطروحات الأفروسنتريك، أم أن غالبية الأبحاث ترفضها؟

لا توجد أي دراسات علمية توثق تلك الادعاءات، بل العكس هو الصحيح، فجميع الدراسات والبحوث الأثرية تدعم فكرة المركزية المصرية للحضارة المصرية، وترفض بشكل قاطع تلك النظريات المتطرفة التي تحمل أهدافًا خفية فيما بين السطور، من أهمها إحداث شقاق بين الشعب المصري وحاضنته الأفريقية، ومن هنا أدعو إلى تفويت الفرصة على أولئك المغرضين، فمصر امتدادها الطبيعي الجغرافي والإنساني في إفريقيا منذ آلاف السنين، وإفريقيا لمصر، ومصر لإفريقيا.

كيف يفرق المؤرخ بين البحث العلمي الجاد، وبين الطرح الأيديولوجي أو السياسي عند قراءة التاريخ؟

نعرف نحن، كباحثين، المنهج العلمي المتبع في البحث الأثري بين الباحثين والعلماء في علم الآثار المصرية القديمة، والمؤسف أن الحضارة المصرية القديمة، منذ نحو نصف قرن، تتعرض لهجمات من فئات مغرضة، من بعض المؤدلجين سياسيًا وأصحاب المصلحة في إحداث شقاق بين الشعوب على المستوى الاجتماعي. وأدعو الجميع إلى تحكيم العقل لتجنب ذلك الخلاف، كما أدعو إلى الاحتكام إلى العلم في مثل هذه الأمور، دون الانسياق وراء المضللين المغرضين أصحاب الأجندات والمصالح الضيقة.

لماذا أصبحت الحضارة المصرية القديمة هدفًا لهذا الجدل أكثر من غيرها من الحضارات؟

الحضارة المصرية حضارة عريقة تمتد لأكثر من 13 ألف سنة، ولا توجد في هذا العالم حضارة أخرى تضاهيها من حيث تطور العلوم والفنون والأصالة والابتكار، في وقت كان فيه العالم يهيم على وجهه بين مظاهر الحياة البدائية الأولى، لذلك تجد دائمًا من يحاول، دون وجه حق، سلب تلك المقومات الحضارية من مصر، رغم أن تلك الموروثات الحضارية هي التي شكلت القاعدة الرئيسية التي استندت إليها دعائم الهوية المصرية الأصلية وثقافتنا المعاصرة.

إلى أي مدى ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار هذه الأفكار مقارنة بالدراسات الأكاديمية؟

بالطبع، لوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة أثر بالغ في نشر وترويج كثير من الأفكار دون تمييز، لأنها تعتمد على آراء أصحابها دون التقيد بأبجديات البحث العلمي وقواعده، بل أحيانًا تجد البعض يعتمد على جهل الآخرين للترويج لأفكار متطرفة دون توثيق أو بحث في مصداقيتها، بهدف تسجيل عدد أكبر من المشاهدات أو الإعجابات والمشاركات عبر تلك الوسائل.

كيف تقيم رد فعل المصريين والمؤسسات الرسمية تجاه هذه القضية؟ وهل كان كافيًا؟

الشعب المصري شعب محب لوطنه كثيرًا، ويعلم القاصي والداني أننا نحن المصريين نضحي بكل شيء في سبيل الوطن، ولا نقبل التعدي على قيمنا الحضارية. لذلك يحاول المغرضون بكل الطرق إحداث شقاق بين الشعب المصري والشعوب الأفريقية، لأنهم يعلمون تمامًا أن المصريين لا يقبلون مثل هذه الأكاذيب عن حضارتهم وتاريخهم القديم.

أنا أنصح، في الحقيقة، بالردود العملية دون الاكتفاء بالردود البروتوكولية الرسمية في بيانات أو غيرها. ومن وجهة نظري، تكون الردود من خلال عمل دعاية غير مسبوقة للآثار المصرية في إفريقيا، باللغتين الفرنسية والإنجليزية، تخاطب أشقاءنا في إفريقيا بالحقائق العلمية عن آثارنا وحضارتنا المصرية القديمة.

ما الدور الذي يجب أن تقوم به الجامعات والمتخصصون في التاريخ والآثار لمواجهة المعلومات التاريخية غير الدقيقة؟

للجامعات والمتخصصين دور بارز في توضيح الحقائق دون تحيز، باستخدام الحجج العلمية والأبجديات البحثية، لدحض تلك المعلومات المغلوطة والمضللة التي تستهدف إحداث الفتنة بين الشعوب.

هل تعتقد أن المناهج التعليمية الحالية تقدم التاريخ المصري القديم بصورة كافية تحصن الشباب من المعلومات المضللة؟

لا شك أن المناهج التعليمية المصرية مناسبة، وتحصن الشباب من تقبل المعلومات المغلوطة، إلا أنه يجب علينا مخاطبة الشباب بطرق علمية جديدة تواكب توجهاتهم وأفكارهم، دون التقوقع في قوالب علمية نمطية وتقليدية عفا عليها الزمن.

كيف يمكن للشباب التحقق من صحة المعلومات التاريخية المنتشرة على الإنترنت، وما المصادر التي تنصح بالاعتماد عليها؟

يأتي ذلك فقط من خلال الكتب العلمية الأصيلة التي يكتبها المتخصصون من علماء الآثار، وهم كثيرون بحمد الله في مصر ومختلف دول العالم، وجميعهم ينفون قطعيًا كل تلك الافتراءات.


هل ترى أن الجدل حول الأفروسنتريك هو خلاف تاريخي بحت أم أنه يرتبط أيضًا بقضايا الهوية والسياسة والثقافة؟

بالطبع، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقضايا الهوية والثقافة والسياسة أيضًا، لأن منشأ تلك الحركة في الأصل منشأ سياسي بحت، لأغراض بعيدة عن العلم ومفرداته وأبجدياته المعروفة.

برأيك، ما أخطر الآثار التي قد تترتب على انتشار روايات تاريخية غير موثقة عن الحضارة المصرية؟

من بين أهم الآثار السلبية والهدامة في المجتمع التشكيك في الهوية، ونشر بيئة من عدم الثقة في الوعي الجمعي للمصريين. ولا شك أن ذلك السلاح من أخطر الأسلحة التي يفقد بها الإنسان انتماءه وولاءه لوطنه وثقافته، التي تشكلت على مر آلاف السنين، ليصبح المواطن بلا هوية، وبالتالي بلا ضمير حضاري يحصنه من الوقوع فريسة سهلة للأعداء والمتربصين.

أثار فيلم “أسد” جدلًا واسعًا بعد اتهامه بالترويج لأفكار الأفروسنتريك.. من وجهة نظرك كمتخصص في التاريخ، هل يتضمن الفيلم بالفعل ما يدعم هذه الأطروحات، أم أن الاتهامات مبالغ فيها؟

ليس عندي، في الواقع، ما أقوله عن هذا العمل الفني، إلا أن موضوعه بعيد عن فكرة الأفروسنتريك، فيما أعتقد.

إلى أي مدى يمكن أن تؤثر الأعمال السينمائية التي تتناول التاريخ على تشكيل وعي الجمهور بقضايا الهوية والحضارة المصرية، وهل يجب إخضاعها لمراجعة تاريخية قبل عرضها؟

استخدام الأعمال السينمائية المبنية على حقائق علمية موثقة يفيد جدًا في تسليط الضوء على أحداث التاريخ والحضارة المصرية، ويصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة التي انتشرت بين الناس بطريقة أو بأخرى، ولكن بشرط أن تكون تحت إشراف مباشر من المتخصصين في الآثار والحضارة المصرية القديمة، ونتمنى عمل الكثير من تلك الأفلام، خاصة أن أحداث حضارتنا المصرية القديمة كثيرة جدًا، ويوجد بها الكثير مما يمكن أن يتحول إلى موضوعات سينمائية ستلقى نجاحًا كبيرًا إذا ما أُجيد توظيفها من خلال علماء الآثار المصريين.

في الختام.. ما الرسالة التي توجهها للمصريين والعرب بشأن أهمية الاعتماد على البحث العلمي في قراءة التاريخ، والحفاظ على الهوية الحضارية بعيدًا عن المبالغات أو التزييف؟

النصيحة هي الاعتماد على العلم والبحث العلمي، والاستماع إلى العلماء المتخصصين في الآثار المصرية فقط دون غيرهم. كما أدعو الجميع إلى الاعتماد على الكتب والمراجع المتخصصة التي كتبها باحثون متخصصون في الآثار، والابتعاد عن كتب الهواة وأولئك الذين يتاجرون في الشائعات والأكاذيب من أجل الترويج لأفكارهم الهدامة الكاذبة، وجني الأموال على حساب الحقيقة والعلم والعقل.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button