Narratives of African peoplesSliderCustoms and traditions

شعوب الدنكا: عروش الرعي وصهر الحديد

Prepared by Dr. Alia Amer
خبير ديموغرافي متخصص في دراسات الجندرية
ممثل دول شمال أفريقيا – الاتحاد الأفريقي للدراسات السكانية

الدنكا ملوك النيل وصناع الحراب

تتربع قبيلة الدنكا على عرش المجموعات النيلية في جنوب السودان كأكثرها عددًا وأوسعها انتشارًا، حيث تمتد مواطنهم الشاسعة من مياه السوباط الأدنى مرورًا ببحر الجبل وحتى أعماق بحر الغزال، لتشغل جغرافيا حيوية تبدأ طولًا من دائرة العرض السادسة شمالًا وتتسامى حتى الخط الثاني عشر الشمالي.

ورغم هذا الامتداد العظيم، فإن جبهتهم الشمالية تتسم بالضيق والانعزال، إذ تلتزم الجانب الشرقي لنهر النيل الأبيض بعرض لا يتجاوز ثلاثين كيلومترًا، لتنفصل تمامًا عن موطنهم الجنوبي الفسيح والأعظم اتساعًا، وسط تداخل جغرافي تفصل فيه قبائل النوير بين هذه الأقاليم المتباعدة.

وعلى الرغم من الوحدة الثقافية المتمثلة في وحدة اللغة والدين والعادات والتقاليد المشتركة، فإن ملامح حياتهم الاقتصادية والاجتماعية تتباين بشدة، مدفوعة بقسوة الظروف الطبيعية والمحلية التي فرضت على كل عشيرة نمط عيش فريد.

ويظهر هذا التباين البيئي بوضوح في الجزء الأوسط من موطن الدنكا، حيث تنتشر المستنقعات الشاسعة وتغمر المياه مساحات هائلة، مما يعوق الانتقال ويدفع جماعات المون ثان إلى التمسك بالبقاء فوق قطع الأراضي الجافة المعزولة وسط المياه، ليتخذوا من صيد الأسماك حرفة أساسية تعوضهم عن قلة الماشية وضآلة النشاط الزراعي.
وهو ذات المصير المائي الذي تتقاسمه معهم قبيلة بور القابعة جوار مياه بحر الجبل، والتي يحمل اسمها في طياته معنى المغمور.

قبيلة سيك

وفي المقابل، قادت هذه التحديات الطبيعية قبيلة سيك المستقرة في سهول غرب بحر الجبل إلى التخلي تمامًا عن اقتناء الماشية، لتصنع لنفسها هوية اقتصادية فريدة ارتكزت على صيد الأسماك واحتراف استخراج وصهر الحديد، لتتحول عشائرهم إلى قلاع صناعية تغذي القبائل الأخرى بالأسلحة والمعدات.

وتتم عملية صهر الحديد لديهم ببراعة تقليدية موروثة عبر بناء موقد طيني شامخ يصل ارتفاعه إلى مئة وخمسة وسبعين سنتيمترًا، وبعرض ستين سنتيمترًا، يشتمل أسفله على ثقوب دقيقة لتدفق الهواء، حيث يوضع الحطب الكثيف، وفوقه طبقة من الفحم النباتي يتجاوز سمكها المتر، ليعلوها معدن الخام الذي يحتوي على خمسين بالمئة من الحديد، ثم يغطى المزيج بطبقة فحم أخرى.

وفي عملية صهر شاقة تستغرق أربع وعشرين ساعة متواصلة، تثمر في النهاية عن ترسب كتلة حديدية مستديرة بقطر عشرين سنتيمترًا، لتصبح هذه الأقراص المعدنية بمثابة العملة الرسمية ووحدة المبادلة التجارية والمقايضة التي يشترون بها الماشية الصغيرة والأواني المنزلية.

بل إنها تشكل المكون الأساسي لصناعة الحراب والأسنة، وتدفع كمهر للزواج بواقع خمسين أو ستين قرصًا، وهو مهر يعد بخسًا وأرخص بكثير مقارنة بمهور قبائل الدنكا الرعوية، مما جعل عشائر الحدادين تميل إلى التزاوج فيما بينها لصعوبة مصاهرتهم للقبائل الرعوية التي تزن قيمة المرء بامتلاك القطعان.

ثقافة دخيلة

ويرجح المؤرخون والباحثون أن هذه الحرفة المعدنية وصناعة صهر الحديد تعد غريبة ودخيلة على ثقافة الدنكا الأساسية، مرجعين أصلها إلى مؤثرات ثقافية وافدة من جماعات سابقة استوطنت الإقليم أو من شعوب مهاجرة من جهة الجنوب، حيث تزدهر صناعات الحديد.

ويدعم هذا الرأي كون أسماء عشائر الحدادين المشتغلة بالصهر ليست أسماء دنكاوية الأصل.

وعلى النقيض تمامًا من حياة الحدادين وسكان المستنقعات، فإن سائر قبائل الدنكا الرعوية تجعل من اقتناء الماشية، وبخاصة البقر، عماد اقتصادها ورمز جاهها وروح فخرها الاجتماعي والقبلي.

حيث يربط الدنكاوي الرعوي حياته كليًا بقطيعه، فيرتحل الرجال مع مواشيهم ليعيشوا سويًا في أكواخ مؤقتة أو يلتحفوا العراء في سبيل حمايتها.

إشعال النيران

وعند حلول الليل، توقد نيران عظيمة يحرق فيها روث الماشية ليتصاعد منها دخان كثيف يطرد أسراب البعوض المؤذي عن القطعان، وتشد الحيوانات بحرص وثبات إلى أوتاد خشبية مغروزة في الأرض لتأمينها من خطر السرقة وإبقائها قريبة من دفء الموقد.

ويبدي الفرد الدنكاوي بسالة منقطعة النظير وجرأة وشجاعة فائقة في الذود عن مواشيه وحمايتها، مستخدمًا في دفاعه الرمح الطويل ذي الأسنة المتنوعة وحراب الرماية المصنوعة من الخشب المتين المصقول، والتي تنتهي ببكرة خشبية دائرية.

بينما تخلو ثقافة الدنكا الحربية من استخدام السيوف أو القسي والسهام، باستثناء جماعات محدودة وقبائل بعينها تعيش في حوض بحر الغزال، مثل قبيلة آجار التي تأثرت بشكل مباشر جراء اتصالها الطويل بالشعوب والقبائل الجنوبية المجاورة.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button