عودة الحصبة في إفريقيا.. مرض يهدد ملايين الأطفال
انخفاض التطعيم وانتشار النزاعات يعيدان الحصبة إلى واجهة الخطر في إفريقيا

Written by: Mohammed Omran
رغم أن Measles تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة من خلال اللقاحات، فإنها عادت لتشكل تهديدًا صحيًا عالميًا، خاصة في إفريقيا، مع ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات بصورة مقلقة نتيجة تراجع معدلات التطعيم، واتساع فجوات التحصين، وتأثير النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية على الخدمات الصحية.
عودة الحصبة في إفريقيا.. لماذا يعود المرض الذي يمكن الوقاية منه ليهدد ملايين الأطفال؟
وأظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكية أن العالم سجل أكثر من 10 ملايين إصابة بالحصبة و107 آلاف و500 حالة وفاة، معظمها بين الأطفال الصغار، في وقت تواصل فيه معدلات التطعيم تراجعها رغم توافر لقاحات تتمتع بفعالية مرتفعة تصل إلى 97% بعد الحصول على الجرعتين الموصى بهما، كما أن أكثر من 22 مليون طفل حول العالم لم يحصلوا على الجرعة الأولى من اللقاح خلال عام 2023، وهو ما أدى إلى اتساع دائرة الخطر وعودة تفشي المرض.
فيروس شديد العدوى
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحصبة من أكثر الأمراض الفيروسية قدرة على الانتشار، إذ تنتقل بسرعة عبر الجهاز التنفسي، وتبدأ أعراضها بالحمى وسيلان الأنف واحمرار العينين والطفح الجلدي، إلا أن مضاعفاتها قد تكون أكثر خطورة، إذ قد تؤدي إلى الالتهاب الرئوي، والتهاب الدماغ، والعمى، بل والوفاة، خاصة بين الأطفال دون الخامسة، والنساء الحوامل، والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة.
انخفاض التطعيم وراء الأزمة
يرى خبراء الصحة أن السبب الرئيسي لعودة الحصبة يتمثل في انخفاض معدلات التحصين. فالحماية المجتمعية تتطلب تطعيم ما لا يقل عن 95% من الأطفال، بينما لا تزال نسب التغطية أقل من ذلك في العديد من الدول، ما يسمح بعودة الفيروس وانتشاره سريعًا بمجرد ظهور حالة واحدة.
وقالت ريبيكا كيسي، رئيسة قسم الحصبة والحصبة الألمانية في تحالف جافي للقاحات، إن فجوات التطعيم تعرض ملايين الأطفال لمرض يمكن الوقاية منه، لكنها في الوقت نفسه تزيد من احتمالات تفشي الأوبئة وإرهاق الأنظمة الصحية، مشيرة إلى أن الدول الإفريقية نجحت رغم التحديات في رفع تغطية التطعيم بنسبة 2% لتصل إلى 70% خلال عام 2023، إلا أن هذه النسبة لا تزال أقل من المستوى المطلوب لتحقيق المناعة المجتمعية.

إفريقيا في مواجهة التحديات
ورغم التحسن النسبي في بعض الدول الإفريقية، فإن القارة لا تزال تواجه تحديات كبيرة في إيصال اللقاحات إلى المناطق النائية والريفية، فضلًا عن المناطق المتضررة من النزاعات المسلحة، حيث يصعب الوصول إلى الأطفال وتنفيذ برامج التحصين الروتينية.
ولهذا تعمل منظمة جافي وشركاؤها على تطوير حلول مبتكرة، من بينها استخدام تقنيات جديدة لتوصيل اللقاحات، وإطلاق برامج تستهدف الأطفال الذين لم يحصلوا على أي جرعة من اللقاحات، خاصة في دول الساحل والقرن الإفريقي، مع استثمارات تجاوزت 100 مليون دولار للوصول إلى الفئات الأكثر حرمانًا.
النزاعات تعرقل حملات التطعيم
وتعد مناطق النزاعات من أكثر المناطق عرضة لتفشي الحصبة، إذ يعيش نحو ربع سكان العالم في مناطق هشة أو متأثرة بالصراعات، بينما تقع أكثر من 70% من الأوبئة في هذه المناطق، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
وتنفذ منظمة جافي، بالتعاون مع الحكومات والمنظمات الإنسانية، حملات تطعيم في مناطق النزاعات، من بينها السودان، كما خصصت 20 مليون دولار لدعم حملات التطعيم في قطاع غزة والضفة الغربية ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، إضافة إلى أكثر من 11 مليون دولار لدعم الاستجابة لتفشي الحصبة في ست دول منخفضة الدخل خلال عام 2024.
المعلومات المضللة تزيد الخطر
ولا تقتصر أسباب تراجع التطعيم على ضعف الخدمات الصحية فقط، بل تمتد إلى انتشار المعلومات المضللة بشأن اللقاحات، وهو ما أدى إلى زيادة التردد في تلقيها.
وأكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية أن لقاح الحصبة أنقذ أرواحًا أكثر من أي لقاح آخر خلال العقود الخمسة الماضية، مشددًا على ضرورة الاستثمار في برامج التحصين وضمان وصول اللقاحات إلى جميع الأطفال، بينما تعمل جافي مع وزارات الصحة واليونيسف ومنظمة الصحة العالمية وقادة المجتمعات المحلية لتعزيز الثقة في اللقاحات ومواجهة الشائعات.
آثار جائحة كورونا
كما ساهمت جائحة كوفيد-19 في تراجع برامج التحصين حول العالم، بعد توقف العديد من حملات التطعيم وانخفاض معدلات المراقبة الصحية، الأمر الذي أدى إلى اتساع فجوات المناعة وارتفاع أعداد الأطفال غير المطعمين.

وبحلول عام 2023، حصل 83% من الأطفال على الجرعة الأولى من لقاح الحصبة، بينما تلقى 74% فقط الجرعتين، وهي نسب لا تزال أقل من مستويات ما قبل الجائحة، ما دفع منظمة جافي إلى تنفيذ برامج لتعويض الأطفال الذين فاتتهم اللقاحات وتعزيز أنظمة التحصين الوطنية.
استثمارات بمئات الملايين لمواجهة المرض
وتواصل جافي استثماراتها في مكافحة الحصبة، إذ بلغ إجمالي الإنفاق خلال الفترة 2021-2025 نحو 604 ملايين دولار لدعم شراء اللقاحات، وتنفيذ حملات التطعيم، والاستجابة السريعة لتفشي المرض، كما تستهدف خلال الفترة 2026-2030 توسيع نطاق الحماية والوصول إلى مزيد من الأطفال في المناطق النائية والهشة، مع تطوير وسائل جديدة لإيصال اللقاحات وضمان استمرار برامج التحصين.
وتؤكد المنظمات الدولية أن القضاء على الحصبة لا يتطلب اكتشاف علاج جديد، بل يعتمد بالدرجة الأولى على رفع معدلات التطعيم، وسد فجوات المناعة، والوصول إلى الأطفال في المناطق النائية والمتضررة من النزاعات، باعتبار أن اللقاحات تظل الوسيلة الأكثر فعالية لإنقاذ الأرواح ومنع عودة أحد أخطر الأمراض التي يمكن الوقاية منها.



