ممر لوبيتو.. 255 مليون دولار من البنك الإفريقي للتنمية لإعادة رسم خريطة تجارة المعادن في إفريقيا
واشنطن وبروكسل تراهنان على لوبيتو لمواجهة النفوذ الصين

كتب: محمد عمران
وافق البنك الإفريقي للتنمية على مرحلة التمويل الأولى بقيمة 255 مليون دولار، من أصل 500 مليون دولار متوقعة، لدعم مشروع «ممر لوبيتو» في زامبيا، وهو المشروع الذي يربط بين أنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا، وصولًا إلى ميناء لوبيتو على المحيط الأطلسي ومنطقة حزام النحاس.
ويستهدف المشروع تعزيز التكامل الإقليمي ودعم التحول الاقتصادي، إلا أن أهميته تتجاوز البعد التنموي المباشر، إذ يرتبط بصورة وثيقة بإعادة تشكيل طرق تجارة المعادن الحيوية، وفي مقدمتها النحاس والكوبالت، وسط تنافس دولي متزايد على سلاسل إمداد المعادن اللازمة للتحول نحو الطاقة النظيفة.
ممر لوبيتو.. إحياء لطريق استراتيجي قديم
لا يمثل ممر لوبيتو مشروعًا جديدًا بالمعنى الكامل، بقدر ما يمثل إحياءً استراتيجيًا لخط سكة حديد بنغيلا الذي بنته الإدارة الاستعمارية البرتغالية في مطلع القرن العشرين لنقل النحاس والمعادن من الكونغو وزامبيا إلى المحيط الأطلسي.
لكن الحرب الأهلية الأنغولية، التي امتدت بين عامي 1975 و2002، أدت إلى تدمير الخط، ما دفع تجارة النحاس إلى التحول نحو موانئ المحيط الهندي، وعلى رأسها دار السلام عبر خط تازارا الذي شيدته الصين، إضافة إلى موانئ جنوب إفريقيا.
ومن هنا، فإن إحياء خط لوبيتو لا يعني مجرد تطوير بنية تحتية للنقل، وإنما يمثل إعادة توجيه لجغرافيا التجارة في حزام النحاس من الشرق نحو الغرب، وهو ما يمنح المشروع أهمية اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حدود الدول الثلاث.
المعادن الحرجة.. الدافع الحقيقي وراء الممر
رغم أن الخطاب الرسمي حول ممر لوبيتو يركز على «التكامل الإقليمي» و«خلق فرص العمل»، فإن أحد أهم المحركات الفعلية للمشروع يتمثل في تأمين سلاسل توريد المعادن الحيوية المستخدمة في البطاريات والتحول إلى الطاقة النظيفة.
ويضم حزام النحاس الممتد بين زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية احتياطيات ضخمة من النحاس والكوبالت، حيث تعد الكونغو الديمقراطية المنتج الأكبر عالميًا للكوبالت، فيما يمثل النحاس عنصرًا أساسيًا في صناعة السيارات الكهربائية وشبكات الكهرباء والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة.

وتسيطر الشركات الصينية على جانب كبير من عمليات تعدين وتكرير هذه المعادن، وهو ما يمثل مصدر قلق للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، باعتبار أن الاعتماد الكبير على مصدر واحد في سلاسل توريد المعادن الحيوية يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية في مسار التحول الطاقي الغربي.
ومن هذا المنطلق، يمنح ممر لوبيتو الدول الغربية مسارًا بديلًا لنقل وتصدير هذه المعادن من منطقة حزام النحاس، دون الاعتماد الكامل على الموانئ والبنية التحتية الواقعة تحت نفوذ صيني مباشر.
خريطة الفاعلين.. من واشنطن وبروكسل إلى روما
دخل عدد من القوى الدولية والمؤسسات المالية الكبرى على خط مشروع ممر لوبيتو، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيطاليا والبنك الإفريقي للتنمية وشركة التمويل الإفريقية، إلى جانب القطاع الخاص.
الولايات المتحدة.. منافسة الصين على المعادن
تشارك الولايات المتحدة في دعم المشروع من خلال وكالة تمويل التنمية الدولية الأمريكية DFC.
وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأنغولا وزامبيا والكونغو الديمقراطية قد وقعت مذكرة تفاهم بشأن الممر عام 2023 خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
واستمرار المشاركة الأمريكية رغم تغير الإدارات يعكس وجود توافق نادر نسبيًا داخل واشنطن حول أهمية منافسة الصين في مجال المعادن الحرجة وتأمين سلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا.
الاتحاد الأوروبي.. البوابة العالمية في مواجهة الحزام والطريق
أما الاتحاد الأوروبي، فيضع ممر لوبيتو ضمن مبادرة «البوابة العالمية» Global Gateway، التي تمثل أحد أبرز أدوات أوروبا لتعزيز حضورها الاستثماري والبنية التحتية في دول العالم، وتقدم في السياق الإفريقي بديلًا عن النفوذ المتزايد لمبادرة الحزام والطريق الصينية.
إيطاليا.. خطة ماتيي والحضور في إفريقيا
وتدخل إيطاليا على خط المشروع من خلال «خطة ماتيي»، التي مول منها جزء من المنحة الحالية، في إطار مساعي روما لتقديم نفسها بوصفها جسرًا بين أوروبا وإفريقيا.

ويأتي ذلك ضمن طموح رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لإعادة تموضع إيطاليا كفاعل أوروبي مؤثر في القارة الإفريقية.
البنك الإفريقي للتنمية وشركة التمويل الإفريقية
ويلعب البنك الإفريقي للتنمية وشركة التمويل الإفريقية AFC دورًا أساسيًا في تنسيق الجوانب الفنية والمالية للمشروع.
ويلتزم البنك الإفريقي للتنمية، وفق التصور المعلن، بنحو 500 مليون دولار ضمن حزمة تمويل إجمالية تقدر بنحو 1.6 مليار دولار.
ويأتي التمويل الجديد البالغ 255 مليون دولار باعتباره المرحلة الأولى من مساهمة البنك، في انتظار استكمال بقية التمويل المتوقع.
القطاع الخاص.. امتياز تشغيل لمدة 30 عامًا
لا يقتصر مشروع ممر لوبيتو على الحكومات والمؤسسات المالية، إذ يلعب القطاع الخاص دورًا مباشرًا في تشغيل البنية التحتية.
وحصل تحالف يضم شركات Trafigura وMota-Engil وVecturis على امتياز تشغيل خط السكك الحديدية لمدة 30 عامًا في أنغولا.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بسبب وجود شركة Trafigura، وهي واحدة من كبرى شركات تجارة السلع العالمية، ما يعني أن الشركة ستكون طرفًا رئيسيًا في حركة صادرات النحاس والكوبالت عبر الممر.
ويطرح ذلك سؤالًا سياديًا مهمًا بالنسبة إلى زامبيا والكونغو الديمقراطية، يتعلق بمن يملك فعليًا القدرة على التحكم في حركة صادرات المعادن الاستراتيجية، خصوصًا مع دخول شركات تجارية عالمية على خط تشغيل أحد أهم طرق التصدير المستقبلية في المنطقة.
زامبيا.. فرصة اقتصادية وسط هشاشة مالية
ويأتي اختيار زامبيا كأحد المستفيدين الرئيسيين من تمويل المشروع في ظل وضع اقتصادي حساس تمر به البلاد.
فقد تعثرت زامبيا عن سداد ديونها عام 2020، وخضعت منذ ذلك الحين لعملية إعادة هيكلة مطولة للديون، شارك فيها الدائنون الصينيون والغربيون.
ويعكس الاعتماد على قرض ميسر من صندوق التنمية الإفريقي، بدلًا من التمويل التجاري، حرص الجهات المانحة على عدم زيادة أعباء دولة لا تزال تعاني من هشاشة مالية.
لكن في الوقت نفسه، يكشف تمويل البنية التحتية عن جانب آخر من المعادلة، وهو تحول مشاريع النقل إلى أدوات للتأثير الاقتصادي والسياسي، إذ إن الجهة التي تمول الممر وتشارك في بنائه وتشغيله يمكن أن يكون لها تأثير كبير على مستقبل تجارة النحاس الزامبي لعقود.
ممر لوبيتو في مواجهة النفوذ الصيني
لا يمكن فصل المشروع عن استراتيجية غربية أوسع تعرف باسم «تقليل المخاطر» De-risking تجاه الصين، خاصة في قطاع المعادن الحيوية.
وتملك الصين بالفعل استثمارات ضخمة في خط تازارا الذي يربط تنزانيا بزامبيا، إضافة إلى استثمارات واسعة في موانئ وبنى تحتية بشرق إفريقيا.
وتسعى بكين إلى تحديث خط تازارا وتعزيز قدرته على المنافسة، ما يجعل ممر لوبيتو جزءًا من منافسة أوسع على طرق نقل المعادن من قلب إفريقيا إلى الأسواق العالمية.

وبالنسبة إلى الغرب، فإن كل دولار يتم ضخه في ممر لوبيتو يمثل استثمارًا اقتصاديًا ورسالة سياسية في الوقت نفسه، مفادها أن هناك بدائل غير صينية لتمويل البنية التحتية وتطوير طرق التجارة في إفريقيا.
لكن المفارقة أن الصين لا تزال لاعبًا مهيمنًا في عمليات التعدين والتكرير نفسها، وليس فقط في البنية التحتية.
وبالتالي، قد يتمكن الغرب من بناء «الطريق» الذي تمر عبره المعادن، بينما تظل «البضاعة» نفسها، إلى حد كبير، مرتبطة بشركات صينية.
وهذه النقطة تمثل إحدى أبرز نقاط الضعف البنيوية في الاستراتيجية الغربية تجاه المعادن الإفريقية.
المخاطر الأمنية.. شرق الكونغو يظل نقطة ضعف
رغم الطموحات الاقتصادية والجيوسياسية الكبيرة للمشروع، فإنه يواجه مجموعة من المخاطر، يأتي في مقدمتها العامل الأمني.
فشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يشهد نزاعًا مسلحًا مستمرًا، تشارك فيه حركة M23 وغيرها من الجماعات المسلحة.
ويعني استمرار حالة عدم الاستقرار أن أي مشروع نقل يمر عبر مناطق متأثرة بالنزاع أو بالقرب منها يظل معرضًا للاضطرابات، وهو ما قد يؤثر على انتظام حركة المعادن والبضائع.
الحوكمة في أنغولا
ويمثل ملف الحوكمة تحديًا آخر أمام المشروع، إذ تحكم أنغولا منذ استقلالها جبهة التحرير الشعبية الأنغولية MPLA، بينما تواجه البلاد انتقادات تتعلق بمستويات الشفافية والإصلاح المؤسسي.
ومن ثم، فإن نجاح ممر لوبيتو لا يعتمد فقط على بناء السكك الحديدية والموانئ، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة الدول المشاركة على ضمان بيئة مؤسسية مستقرة وشفافة وجاذبة للاستثمارات.
هل تستمر واشنطن في التمويل؟
هناك كذلك علامة استفهام حول استمرارية الالتزام الأمريكي بالمشروع.
فتغير أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصًا في ظل التقلبات المتعلقة ببرامج المساعدات والتمويل الخارجي، يمكن أن يؤدي إلى إبطاء وتيرة التمويل الموعود من خلال وكالة DFC.
وبالتالي، فإن استمرار الدعم الأمريكي يمثل أحد العوامل المهمة في تحديد سرعة تنفيذ المشروع وقدرته على الوصول إلى أهدافه الاستراتيجية.
هل يتحول لوبيتو وتازارا إلى شريكين؟
رغم أن ممر لوبيتو غالبًا ما يقدم باعتباره منافسًا للبنية التحتية الصينية في شرق إفريقيا، فإن هناك سيناريو آخر يتمثل في إمكانية تحول الممرين إلى مسارين متكاملين.
ويرى بعض المحللين أن ممر لوبيتو وممرات الصين الشرقية، وعلى رأسها تازارا، قد يصبحان مكملين بدلًا من أن يكونا متنافسين، إذا ارتفع الطلب العالمي على المعادن إلى مستويات تتجاوز قدرة أي ممر منفرد على نقلها.
وفي هذه الحالة، قد تستفيد دول حزام النحاس من تعدد طرق التصدير، بما يقلل اعتمادها على مسار واحد ويمنحها خيارات أكبر أمام الأسواق العالمية.
ممر لوبيتو.. أكثر من خط سكة حديد
في النهاية، فإن ممر لوبيتو ليس مجرد خط سكة حديد بطول 550 كيلومترًا، بل يمثل مشروعًا لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي حول المعادن الحرجة في وسط وجنوب إفريقيا.
فالممر يجمع بين احتياجات التنمية الإفريقية، ومصالح الدول المنتجة للمعادن، وأهداف المؤسسات المالية الدولية، والاستراتيجية الأمريكية والأوروبية لتقليل الاعتماد على الصين، إلى جانب المصالح التجارية للشركات العالمية.
ومن ثم، يتحول الممر إلى ساحة اختبار حقيقية لقدرة التحالف الغربي، الذي يضم الولايات المتحدة وأوروبا وإيطاليا، على منافسة النفوذ الصيني في إفريقيا باستخدام التمويل التنموي والاستثمار في البنية التحتية بدلًا من القوة الصلبة.

وفي المقابل، تظل الصين لاعبًا رئيسيًا في قطاع التعدين نفسه، ما يجعل المنافسة أكثر تعقيدًا من مجرد صراع على السكك الحديدية والموانئ.
وبين فرص التكامل الإقليمي ومخاطر الأمن والحوكمة والديون والتنافس الدولي، سيكون نجاح ممر لوبيتو أو تعثره عاملًا مهمًا في تحديد شكل المنافسة على «معادن القرن الحادي والعشرين»، ومستقبل طرق التجارة التي تربط قلب إفريقيا بالأسواق العالمية خلال العقد المقبل.



