لماذا تدفع إفريقيا مليارات الدولارات لشراء سيارات العالم المستعملة؟.. اقتصاد كامل خلف الظاهرة
الأسعار المرتفعة وضعف التصنيع المحلي يدفعان المستهلكين للاعتماد على الاستيراد

كتب: محمد عمران
أصبحت السيارات المستعملة عنصرًا رئيسيًا في أسواق السيارات داخل عدد كبير من الدول الإفريقية، في ظل ارتفاع أسعار السيارات الجديدة مقارنة بقدرة قطاعات واسعة من المستهلكين على الشراء إلى جانب محدودية التصنيع المحلي واعتماد معظم دول القارة على الاستيراد لتلبية احتياجات النقل.
لماذا تدفع دول إفريقية مليارات الدولارات لاستيراد السيارات المستعملة؟.. سوق تفرضه الأسعار وتحديات الصناعة
وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن السيارات المستعملة تمثل جزءًا كبيرًا من نمو أسطول المركبات في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، فيما تتوقع المنظمة أن يأتي الجزء الأكبر من الزيادة المستقبلية في عدد السيارات بإفريقيا من المركبات المستعملة المستوردة.

وتكشف هذه الظاهرة عن معادلة اقتصادية معقدة؛ فالمستهلك الإفريقي يبحث عن وسيلة نقل بسعر يمكنه تحمله، بينما تجد الحكومات نفسها أمام ضرورة توفير السيارات من جهة، وحماية الصناعات المحلية وتحسين معايير السلامة والبيئة من جهة أخرى.
ويأتي السعر في مقدمة أسباب انتشار السيارات المستعملة، فارتفاع تكلفة السيارات الجديدة، إلى جانب ارتفاع أسعار التمويل والتأمين والصيانة في بعض الأسواق، يجعل شراء سيارة مستعملة خيارًا أكثر واقعية بالنسبة إلى كثير من الأسر والأفراد.
وتزداد أهمية العامل السعري في الدول التي لا تمتلك صناعة سيارات متطورة، فاستيراد سيارة مستعملة من الخارج قد يكون أقل تكلفة من شراء سيارة جديدة مستوردة بالكامل، حتى بعد إضافة مصاريف الشحن والجمارك والتخليص والتسجيل.
وتختلف تكلفة السيارة بصورة كبيرة من دولة إفريقية إلى أخرى بسبب اختلاف الرسوم الجمركية والضرائب وقواعد الاستيراد، وقد تتحول سيارة رخيصة نسبيًا في بلد المنشأ إلى مركبة مرتفعة التكلفة بعد وصولها إلى الميناء وإضافة الرسوم والمصروفات المختلفة.
وتلعب محدودية الإنتاج المحلي دورًا أساسيًا في استمرار الاعتماد على السيارات المستعملة، فصناعة السيارات في القارة تتركز بصورة كبيرة في عدد محدود من الدول، أبرزها جنوب إفريقيا والمغرب ومصر، بينما تعتمد دول أخرى على استيراد معظم احتياجاتها من السيارات.
وتقدم جنوب إفريقيا نموذجًا واضحًا للتحديات التي تواجه صناعة السيارات المحلية، رغم امتلاكها واحدة من أكبر الصناعات في القارة، فقد تعرض القطاع لضغوط مرتبطة بالمنافسة وتكاليف الإنتاج والطلب على السيارات المستوردة، ما يوضح صعوبة تحقيق التوازن بين حماية الإنتاج المحلي وتوفير سيارات بأسعار مناسبة للمستهلكين.

وفي المقابل، فإن السيارات المستعملة لا تمثل مجرد تجارة استيراد، وإنما نشأت حولها منظومة اقتصادية كاملة تضم المستوردين وتجار السيارات وشركات الشحن والتخليص الجمركي وورش الصيانة وبائعي قطع الغيار والإطارات والبطاريات وشركات التأمين والتمويل.
ويعني ذلك أن السيارة المستعملة بعد دخولها الدولة تتحول إلى مصدر نشاط اقتصادي لعدد كبير من القطاعات، بداية من الميناء وحتى عمليات الصيانة والإصلاح وإعادة البيع.
وتأتي اليابان وأوروبا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة ضمن أهم مصادر السيارات المستعملة المتداولة عالميًا، بينما تستقبل الأسواق النامية نسبة كبيرة من هذه المركبات.
ووفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة، جرى تصدير نحو 14 مليون سيارة مستعملة عالميًا خلال الفترة من 2015 إلى 2018، وكان نحو 70% منها متجهًا إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، مع حصول الدول الإفريقية على حصة كبيرة من هذه التدفقات.
لكن انتشار السيارات المستعملة يفرض تحديات تتعلق بالسلامة والبيئة، خصوصًا عندما تكون المركبات قديمة أو تفتقر إلى أنظمة السلامة الحديثة أو تتجاوز الحدود المقبولة للانبعاثات.
ولهذا بدأت بعض الدول الإفريقية في تشديد قواعد استيراد السيارات المستعملة، من خلال تحديد عمر المركبة أو فرض اختبارات فنية ومعايير للانبعاثات قبل السماح بدخولها إلى السوق المحلية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن وضع قواعد أكثر صرامة لاستيراد السيارات المستعملة يمكن أن يساعد الدول النامية على الحد من دخول المركبات الأكثر تلويثًا وخطورة، مع توجيه السوق تدريجيًا نحو سيارات أكثر كفاءة وأمانًا.
وفي غرب إفريقيا، تمثل السيارات المستعملة جزءًا مهمًا من حركة التجارة الإقليمية، خصوصًا في الدول التي ترتبط بموانئ رئيسية وتعمل كمراكز لإعادة تصدير المركبات إلى دول أخرى لا تمتلك منافذ بحرية.
وتساهم هذه التجارة في توفير السيارات بأسعار أقل نسبيًا، لكنها في الوقت نفسه تجعل بعض الاقتصادات الإفريقية تعتمد بصورة كبيرة على الأسواق الخارجية بدلًا من تطوير صناعة محلية قادرة على إنتاج السيارات أو تجميعها.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت الصين في تغيير شكل سوق السيارات الإفريقية، مع زيادة صادرات شركاتها إلى القارة، وارتفاع حضور السيارات الكهربائية والهجينة، وهو ما يفتح الباب أمام تحول تدريجي من الاعتماد على السيارات التقليدية المستعملة إلى أنواع جديدة من المركبات.
وتظهر إثيوبيا نموذجًا مختلفًا، بعدما اتجهت إلى دعم السيارات الكهربائية بهدف تقليل فاتورة استيراد الوقود، في محاولة لتحويل سوق السيارات من مصدر للطلب على الوقود المستورد إلى جزء من استراتيجية أوسع للطاقة والنقل.
لكن التحول إلى السيارات الكهربائية يواجه تحديات كبيرة في إفريقيا، أبرزها محدودية محطات الشحن، وضعف شبكات الكهرباء في بعض الدول، وارتفاع سعر السيارات الكهربائية مقارنة بدخل المستهلك، فضلًا عن الحاجة إلى تطوير خدمات الصيانة وقطع الغيار.
وفي المقابل، يمكن أن يمثل انتشار السيارات فرصة لتطوير صناعة قطع الغيار والصيانة والتجميع المحلي. فارتفاع عدد المركبات يؤدي إلى زيادة الطلب على الميكانيكيين ومراكز الخدمة وقطع الغيار والإطارات والبطاريات، وهي قطاعات قادرة على توفير وظائف وتحقيق قيمة مضافة داخل الاقتصاد المحلي.
وتواجه الحكومات الإفريقية معادلة صعبة؛ فمن ناحية، تمنح السيارات المستعملة المواطنين وسيلة نقل بأسعار أقل من السيارات الجديدة، وتوفر للحكومات إيرادات من الجمارك والضرائب، ومن ناحية أخرى يمكن أن تؤثر زيادة الواردات على محاولات بناء صناعة سيارات محلية.
ولهذا اتجهت بعض الدول إلى فرض قيود على عمر السيارات المستوردة أو زيادة الرسوم على المركبات القديمة، بينما اختارت دول أخرى تشجيع التصنيع والتجميع المحلي بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد على المدى الطويل.
ولا يمكن فصل انتشار السيارات المستعملة عن أزمة النقل العام في بعض المدن الإفريقية، فضعف شبكات النقل الجماعي يدفع المواطنين إلى البحث عن وسائل نقل خاصة، وهو ما يزيد الطلب على السيارات، سواء الجديدة أو المستعملة.
ومع استمرار النمو السكاني والتوسع العمراني، من المتوقع أن يرتفع الطلب على وسائل النقل خلال السنوات المقبلة، وهو ما سيجعل سوق السيارات واحدًا من القطاعات المهمة في الاقتصاد الإفريقي.
لكن السؤال الرئيسي بالنسبة للحكومات لن يكون فقط: كيف نستورد سيارات أكثر؟ وإنما: كيف نحول الطلب الضخم على السيارات إلى صناعة محلية توفر فرص العمل وتنتج السيارات وقطع الغيار بدلًا من إنفاق مليارات الدولارات على الاستيراد؟

وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن مستقبل سوق السيارات في إفريقيا قد يشهد منافسة بين ثلاثة نماذج؛ استمرار استيراد السيارات المستعملة، والتوسع في تجميع السيارات الجديدة داخل القارة، والنمو التدريجي للسيارات الكهربائية والهجينة.
وبالتالي، فإن السيارات المستعملة ليست مجرد نتيجة لضعف القدرة الشرائية، وإنما انعكاس لمجموعة من المشكلات الاقتصادية والصناعية واللوجستية في القارة، بداية من محدودية الإنتاج المحلي، مرورًا بتكاليف النقل والجمارك، وصولًا إلى ضعف البنية التحتية للنقل العام.
وبحلول السنوات المقبلة، ستحدد السياسات الحكومية شكل هذا السوق؛ فالدول التي تنجح في ربط الاستيراد بالتصنيع المحلي وتطوير قطع الغيار والصيانة والطاقة والنقل العام قد تحول سوق السيارات من عبء على فاتورة الاستيراد إلى قطاع صناعي قادر على خلق وظائف وزيادة القيمة المضافة داخل إفريقيا.



