1.5 تريليون دولار تنتظر إفريقيا.. هل تنجح القارة في تحويل القطن إلى صناعة تخلق ملايين الوظائف؟
القارة تنتج نحو 8% من القطن العالمي لكنها ما زالت تصدره خامًا

كتب: محمد عمران
لم تعد صناعة المنسوجات مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، بل أصبحت واحدة من أكبر الصناعات المولدة لفرص العمل حول العالم، إذ تتجاوز قيمتها 1.5 تريليون دولار سنويًا وتوفر أكثر من 90 مليون وظيفة.
وبينما تمتلك إفريقيا المواد الخام والقوى العاملة والأسواق الواعدة، لا تزال القارة بعيدة عن المنافسة في هذه الصناعة، مكتفية في أغلب الأحيان بتصدير القطن الخام، بينما تُحقق دول أخرى القيمة المضافة من عمليات الغزل والنسيج وتصنيع الملابس.

وتنتج إفريقيا ما بين 7 و8% من إنتاج القطن العالمي، كما تُعد من أكبر مصدري القطن الخام، إلا أن مساهمتها في سوق المنسوجات والملابس الجاهزة لا تزال محدودة للغاية، ما يحرم اقتصاداتها من مليارات الدولارات وفرص عمل كان يمكن أن تُحدث تحولًا في أسواق العمل داخل القارة.
أزمة وظائف تبحث عن صناعة قادرة على الاستيعاب
تواجه القارة تحديًا متزايدًا في خلق فرص العمل، خاصة مع الزيادة السكانية السريعة. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إفريقيا تحتاج إلى توفير نحو 25 مليون فرصة عمل سنويًا حتى عام 2050 لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، في حين لا يتجاوز عدد الوظائف الرسمية التي تُستحدث حاليًا 3 ملايين وظيفة سنويًا.
ويعد الشباب والنساء الأكثر تضررًا من هذه الفجوة، إذ ترتفع بينهم معدلات البطالة والعمل غير الرسمي، رغم أن النساء يشكلن نسبة كبيرة من القوى العاملة الزراعية ويمتلكن نحو 26% من الشركات، وهو من أعلى معدلات ريادة الأعمال النسائية في العالم.
لماذا تخسر إفريقيا القيمة المضافة؟
تعتمد معظم الدول الإفريقية على تصدير القطن في صورته الخام إلى الأسواق العالمية، حيث تتم عمليات الغزل والنسيج وتصنيع الملابس خارج القارة، قبل أن تعود المنتجات النهائية إلى الأسواق الإفريقية بأسعار أعلى.

ويرى خبراء أن هذا النموذج يحرم القارة من سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية، تشمل التصنيع والخدمات اللوجستية والتصميم والتسويق والتوزيع، وهي القطاعات التي تحقق الجزء الأكبر من أرباح صناعة المنسوجات عالميًا.
صناعة قادرة على تشغيل الملايين
يمثل قطاع المنسوجات والملابس أحد أكثر القطاعات كثافة في العمالة، إذ يتيح فرصًا للعمل في مراحل الإنتاج كافة، بدءًا من زراعة القطن، مرورًا بالغزل والنسيج والصباغة والتصميم، وصولًا إلى تصنيع الملابس والتسويق والتصدير.
وتؤكد التجارب الآسيوية أن هذه الصناعة كانت من أبرز القطاعات التي استوعبت النساء في سوق العمل الرسمي، وأسهمت في رفع معدلات التشغيل وزيادة دخول الأسر، وهو النموذج الذي يمكن لإفريقيا الاستفادة منه إذا نجحت في بناء صناعة متكاملة.
ولا تقتصر الفرص على العمل داخل المصانع، بل تمتد إلى مجالات الأزياء، والتجارة الإلكترونية، وإعادة تدوير المنسوجات، وتصنيع الألياف المستدامة، وسلاسل الإمداد، ما يفتح المجال أمام آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال الشباب.
مننقة التجارة الحرة.. فرصة لإعادة رسم خريطة الصناعة
ويرى خبراء أن اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) تمثل نقطة تحول مهمة، إذ تتيح إنشاء سلاسل إنتاج إقليمية بدلًا من الاعتماد على الأسواق الوطنية الصغيرة.
وبموجب هذا النموذج، يمكن أن يُزرع القطن في مالي، ويُغزل في كوت ديفوار، ويُنسج في غانا، ثم يُحوَّل إلى ملابس في كينيا أو إثيوبيا، قبل تسويقه داخل سوق إفريقية تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة ويصل حجم اقتصادها إلى أكثر من 3 تريليونات دولار.
ويرى متخصصون أن هذا التكامل من شأنه خفض تكاليف الإنتاج، وزيادة القدرة التنافسية، وتشجيع الاستثمارات الصناعية داخل القارة.
تحديات لا تزال قائمة
ورغم الفرص الكبيرة، تواجه الصناعة عددًا من العقبات، أبرزها ضعف البنية التحتية، وعدم استقرار إمدادات الكهرباء، وارتفاع تكاليف النقل بين الدول الإفريقية، فضلًا عن صعوبة حصول الشركات الصغيرة والمتوسطة على التمويل.
كما تعاني الصناعة من نقص الكوادر الفنية المدربة، إلى جانب المنافسة القوية من الملابس المستعملة والمنتجات المستوردة منخفضة التكلفة، وهو ما أثر على العديد من مصانع النسيج المحلية.
تحركات لدعم الصناعة
وفي ظل تنامي الاهتمام بالتصنيع، كثفت مؤسسات التمويل والتنمية الدولية دعمها لسلاسل قيمة القطن في إفريقيا.
ويضع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank) صناعة المنسوجات ضمن أولويات استراتيجيته الصناعية، فيما يواصل البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي تمويل مشروعات تطوير البنية التحتية، ودعم الشركات الصغيرة، وتوسيع برامج التدريب والتأهيل.

كما تعمل منظمة التجارة العالمية مع عدد من الشركاء على دعم دول بنين وبوركينا فاسو وتشاد ومالي، المعروفة باسم “C4″، بهدف تحويل القطن من محصول للتصدير إلى قاعدة لصناعة تحويلية تحقق قيمة مضافة داخل القارة.
من تصدير الخام إلى صناعة القيمة
ويرى محللون أن مستقبل صناعة المنسوجات في إفريقيا لن يتوقف على زيادة إنتاج القطن، بل على قدرة الحكومات على بناء منظومة صناعية متكاملة تربط بين المزارع والمصانع والأسواق.
فإذا نجحت القارة في تصنيع نسبة أكبر من إنتاجها المحلي، فإن المكاسب لن تقتصر على زيادة الصادرات، بل ستشمل خلق ملايين فرص العمل، وتعزيز مشاركة النساء والشباب في الاقتصاد الرسمي، وتحويل إفريقيا من مصدر للمواد الخام إلى مركز إقليمي لإنتاج المنسوجات والملابس، في واحدة من أكبر الصناعات نموًا على مستوى العالم.



