أحمد سيكو توري.. قائد الاستقلال الغيني ورائد الوحدة الإفريقية
كتب- زياد عبدالفتاح:
يُعد أحمد سيكو توري واحدًا من أبرز القادة الذين تركوا بصمة عميقة في التاريخ السياسي لإفريقيا خلال القرن العشرين. فقد جمع بين أدوار متعددة؛ كان زعيمًا وطنيًا قاد بلاده إلى الاستقلال، ونقابيًا دافع عن حقوق العمال، ومفكرًا سياسيًا تبنى مشروعًا للتحرر الوطني والوحدة الإفريقية، فضلًا عن كونه أول رئيس لجمهورية غينيا بعد استقلالها عن فرنسا عام 1958.
النشأة والبدايات

وُلد أحمد سيكو توري في 29 يناير 1922 بمدينة فارانة في غينيا، وسط أسرة مسلمة تنتمي إلى قبيلة المالينكي، إحدى أكبر المجموعات العرقية في غرب إفريقيا. وكان يعتز بانتمائه إلى القائد التاريخي ساموري توري، الذي قاد مقاومة شرسة ضد الاستعمار الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر.
تلقى تعليمه الأول في الكُتّاب، حيث حفظ القرآن الكريم وتشرب القيم الإسلامية، قبل أن ينتقل إلى المدارس الفرنسية. إلا أن روحه المتمردة ظهرت مبكرًا، إذ فُصل من المدرسة الفنية في كوناكري بعد مشاركته في إضراب طلابي وهو في الخامسة عشرة من عمره. ولم يمنعه ذلك من استكمال تعليمه ذاتيًا، فأتقن الفرنسية ولغة السوسو إلى جانب لغته الأم المالينكي، ليصبح لاحقًا أحد أبرز الخطباء في غرب إفريقيا.
من العمل النقابي إلى قيادة الحركة الوطنية
بدأ سيكو توري حياته العملية موظفًا في مصلحة البريد والبرق، لكن نشاطه النقابي سرعان ما جعله أحد أبرز قادة العمال في غرب إفريقيا الفرنسية. وقاد أول إضراب ناجح لعمال البريد استمر نحو 80 يومًا، وهو ما أكسبه مكانة واسعة داخل الأوساط العمالية.
تدرج في المناصب النقابية حتى أصبح أمينًا عامًا لنقابة عمال البريد، ثم انضم إلى التجمع الديمقراطي الإفريقي، وأسهم في تأسيس الحزب الديمقراطي الغيني الذي أصبح لاحقًا القوة السياسية الرئيسية في البلاد.
كما انتُخب عضوًا في الجمعية الوطنية الفرنسية، ثم تولى رئاسة بلدية كوناكري، قبل أن يصبح نائبًا لرئيس المجلس التنفيذي لغينيا قبيل الاستقلال.
مهندس استقلال غينيا
شكّل عام 1958 نقطة التحول الأبرز في مسيرة سيكو توري، عندما رفض المشروع الفرنسي الخاص بإنشاء “الجماعة الفرنسية”، وقاد حملة شعبية للتصويت بـ”لا” في الاستفتاء الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي شارل ديجول.
وفي تلك المناسبة أطلق عبارته التي أصبحت رمزًا لحركات التحرر في إفريقيا: “نفضل الفقر في ظل الحرية على الغنى في ظل العبودية.”
وجاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الاستقلال بنسبة تجاوزت 95%، لتصبح غينيا أول مستعمرة فرنسية في إفريقيا تنال استقلالها الكامل، ويتولى سيكو توري رئاسة الجمهورية في الثاني من أكتوبر 1958.
وردت فرنسا على القرار بسحب موظفيها وخبرائها ومعداتها من البلاد، في محاولة لإرباك الدولة الوليدة، إلا أن غينيا تمكنت من تجاوز تلك المرحلة بدعم عدد من الدول الإفريقية والعربية، وفي مقدمتها مصر، إضافة إلى الاتحاد السوفيتي.
مشروع اقتصادي قائم على الاشتراكية
تبنى سيكو توري نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على التخطيط المركزي، معتمدًا على تأميم قطاعات واسعة من الاقتصاد، خاصة التجارة الخارجية والداخلية، وإطلاق برامج للإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الأراضي.
كما اتخذ خطوة مهمة بإصدار العملة الوطنية “السيلي” بعد الانسحاب من منطقة الفرنك الإفريقي، في محاولة لتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
ورغم تحقيق بعض النجاحات في استغلال الثروات المعدنية، خاصة البوكسيت، فإن الاقتصاد واجه تحديات كبيرة، دفعت توري منذ أواخر السبعينيات إلى تبني سياسات أكثر انفتاحًا وتشجيع الاستثمار الأجنبي.
أحد أبرز منظري الوحدة الإفريقية
ارتبط اسم سيكو توري ارتباطًا وثيقًا بفكرة الوحدة الإفريقية، إذ كان من أوائل القادة الذين دعوا إلى تجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار وبناء كيان إفريقي موحد.
وشارك في تأسيس اتحاد ضم غينيا وغانا ومالي، كما لعب دورًا في التقريب بين التكتلات السياسية الإفريقية المختلفة، وهي الجهود التي مهدت لاحقًا لإنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، والتي تطورت فيما بعد إلى الاتحاد الإفريقي.
كما قدم دعمًا سياسيًا وماديًا لحركات التحرر الوطني في جنوب إفريقيا وأنجولا وموزمبيق، واستضاف الزعيم الغاني كوامي نكروما بعد الإطاحة به، ومنحه منصب نائب رئيس غينيا الفخري.
رؤيته للإسلام والسياسة
انطلقت رؤية سيكو توري من قناعة بعدم وجود تعارض بين الإسلام والعمل السياسي، معتبرًا أن القيم الإسلامية تمثل إطارًا أخلاقيًا للحكم، مع رفض استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.
كما كان من أوائل الداعمين لفكرة إنشاء منظمة تجمع الدول الإسلامية، وهي المبادرة التي ساهمت لاحقًا في تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1969.
وعلى الصعيد الدولي، اتخذ موقفًا داعمًا للقضية الفلسطينية، فقطع العلاقات مع إسرائيل عقب حريق المسجد الأقصى، ودعا عدداً من الدول الإفريقية إلى اتخاذ الموقف نفسه.
الثقافة والهوية الوطنية
اعتبر سيكو توري أن التحرر السياسي لا يكتمل دون التحرر الثقافي، لذلك أولى اهتمامًا كبيرًا بالهوية الوطنية واللغات الإفريقية، ودعا إلى استعادة الاعتبار للغات المحلية بوصفها أدوات للمعرفة والإبداع، بدلًا من استمرار الاعتماد على اللغات الأوروبية.
كما رأى أن الثقافة تمثل ركيزة أساسية لبناء الدولة الوطنية، وأن الفن والأدب يجب أن يعكسا تطلعات الشعوب الإفريقية وقضاياها.
إرث سياسي
ظل أحمد سيكو توري رئيسًا لغينيا حتى وفاته في 26 مارس 1984، بعد نحو 26 عامًا في الحكم.
ورغم استمرار الجدل حول تجربته السياسية، وما ارتبط بها من انتقادات تتعلق بالحريات الداخلية، فإن مكانته كأحد أبرز رموز التحرر الوطني في إفريقيا لا تزال حاضرة، إذ يُنظر إليه بوصفه قائدًا أسهم في إنهاء الاستعمار الفرنسي عن غينيا، وأحد أهم المدافعين عن الوحدة الإفريقية والاستقلال السياسي والاقتصادي للقارة.



