شعب الدان.. مجتمع إفريقي يحافظ على تقاليده ويروي قصة هجرة من إسرائيل
يحافظ على موروث شفهي يروي رحلة هجرة طويلة من إسرائيل

كتب:محمد عمران
يعد شعب الدان، المعروف أيضًا باسم الياكوبا، أحد أبرز المجموعات العرقية التي تقطن المناطق الجبلية غرب كوت ديفوار، وهي المنطقة التاريخية التي تعد الموطن الأصلي لهذا الشعب، ويحافظ الدان على تقليد شفهي متوارث يؤكد أن أصول أجدادهم تعود إلى إسرائيل، وأنهم وصلوا إلى غرب إفريقيا بعد رحلة هجرة طويلة امتدت عبر أجيال متعاقبة وعبرت العديد من الحدود.
اكتشف شعب الدان في كوت ديفوار.. جماعة إفريقية تتمسك برواية تعود بأصولها إلى إسرائيل
وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، استقر أبناء شعب الدان في جبال مان، قبل أن ينتقلوا إلى منطقتي داناني وتوليبلو، ثم عبروا الحدود الحالية إلى ليبيريا، حيث يُعرفون هناك باسم غيو أو غيه.

ومع استقرارهم في الغابات الكثيفة، طور الدان نظامًا اجتماعيًا متماسكًا يهدف إلى حماية المجتمع والحفاظ على وحدته وتماسكه. ويقوم هذا النظام على تسلسل هرمي واضح يبدأ بالأسرة، ثم العشيرة، فالسلالة، فالقبيلة، ثم اتحاد التحالفات، وصولًا إلى الكونفدرالية الحربية.
ويتمتع كل مستوى بقيادة معترف بها تستند إلى معايير محددة، مثل التقدم في السن، والحكمة، والشجاعة في القتال، أو المكانة الاقتصادية. ويُعد كبير الأسرة ورئيس القرية الشخصيتين الأكثر أهمية، باعتبارهما الضامنين للنظام والتماسك الاجتماعي داخل المجتمع.

ولا تقتصر السلطة لدى شعب الدان على القيادات البشرية فقط، بل تمتد أيضًا إلى العالم الروحي، حيث تحظى الأقنعة التقليدية بمكانة استثنائية، إذ يُعتقد أنها تجسد أرواحًا أو قوى غير مرئية. ولا تقتصر وظيفة هذه الأقنعة على الطقوس الدينية، بل تؤدي أدوارًا متعددة، فبعضها يتولى إقرار العدالة أو توقيع العقوبات، وبعضها يرافق المحاربين خلال الحروب، فيما تُستخدم أقنعة أخرى للترفيه أو للمساهمة في حفظ النظام العام.
وتتنوع الأقنعة بين القصيرة والطويلة، إلى جانب أقنعة تصدر أصواتًا مميزة ولا يُسمح بمشاهدتها إلا للمبتدئين في الطقوس التقليدية، ولكل منها وظيفة محددة، بينما يُنظر إلى ظهورها باعتباره لحظة مهيبة يلتقي فيها العالم المرئي بالعالم غير المرئي.
ويشرف على هذا النظام التقليدي مجتمع “جو” (Go)، وهو كيان ذكوري يتولى إدارة عالم الأقنعة والحفاظ على أسراره، كما يمارس دور الوسيط بين السلطة البشرية والسلطة الروحية، ويحرص على تطبيق العدالة التقليدية وضمان انسجام المجتمع دون اللجوء إلى العنف.

ويتميز نظام الحكم لدى الدان بعدم احتكار السلطة في جهة واحدة، إذ تتوزع الأدوار بين الزعماء الذين يجسدون السلطة البشرية، والأقنعة التي تمثل صوت الأرواح أو القوى غير المرئية، وهيئة “جو” التي تتولى التنسيق والوساطة بين الجانبين.
ويؤكد هذا التنوع في مراكز السلطة، بحسب الموروث الثقافي لشعب الدان، أن قوة المجتمع لا تقوم على الانقسام، بل على التكامل بين السلطة التقليدية والتنظيم الاجتماعي والبعد الروحي، وهو ما أسهم في الحفاظ على هوية هذا الشعب واستقراره عبر الأجيال.

وتعكس قصة شعب الدان جانبًا من الثراء الثقافي الذي تتميز به كوت ديفوار، حيث تمتلك كل جماعة عرقية منظومتها الخاصة التي تجمع بين السلطة، والروحانية، والتنظيم المجتمعي، بما يعزز الهوية الثقافية ويحافظ على التقاليد المتوارثة.



