التحليلات والتقاريرسلايدر

بين الإرهاب والكوارث الطبيعية.. علماء الآثار يخوضون تحديات لإنقاذ كنوز ليبيا

تحذيرات من التآكل البحري تهدد أحد أهم مواقع التراث العالمي بليبيا

كتب: محمد عمران

يواصل علماء الآثار في ليبيا، جهودًا مكثفة للحفاظ على مدينتي قورينا وأبولونيا الأثريتين، المدرجتين على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.

يأتي ذلك، بعد أن واجهتا خلال السنوات الماضية سلسلة من التهديدات، بدأت باستهداف الجماعات الجهادية للموقعين في أعقاب سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2011، قبل أن يتعرضا لأضرار جديدة نتيجة إعصار دانيال الذي ضرب شرق البلاد عام 2023.

ويؤكد إسماعيل دخيل، المشرف على متحف قورينا، أن الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2016، كانت من أصعب المراحل التي مرت بها المدينة الأثرية، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وغياب مؤسسات الدولة، موضحًا أن العاملين في مجال الآثار عاشوا حالة دائمة من القلق والخوف على التراث الحضاري والقطع الأثرية النادرة.

تحذيرات من التآكل البحري تهدد أحد أهم مواقع التراث العالمي بليبيا

ويحتضن متحف قورينا تماثيل للإلهين أبولو وزيوس، إلى جانب مخزن يضم أكثر من 40 ألف قطعة أثرية نادرة جرى إنقاذها من المدينة القديمة.

ويشير “دخيل”، إلى أن فريق العمل وضع خلال سنوات الفوضى خطة لحماية المقتنيات الأكثر قيمة، تمثلت في إخفاء التماثيل الصغيرة والعملات الذهبية والمحفوظات داخل منازلهم، خشية تعرضها للنهب أو السرقة.

أما المنحوتات الضخمة التي تعذر نقلها، ومن بينها تمثال أبو الهول الأنثوي النادر، فقد تكفل علماء الآثار المتطوعون وسكان المنطقة بحمايتها، حيث تولوا مراقبة المواقع الأثرية على مدار الساعة، وهو ما حال دون تسجيل أي حالات سرقة داخل مدينة قورينا، بحسب دخيل.

وتُعد قورينا واحدة من أبرز المدن في العالم الهيليني، إذ تأسست عام 631 قبل الميلاد على يد مستوطنين قدموا من جزيرة ثيرا اليونانية، المعروفة حاليًا باسم سانتوريني، إلى جانب تأسيس أربع مستعمرات أخرى هي أبولونيا، وبطليموس، وأرسينوي، وبيرينيس، على امتداد الساحل الشرقي لليبيا الحالية.

وأصبحت قورينا، إلى جانب مينائها البحري أبولونيا، واحدة من أغنى وأهم المدن في الحضارة اليونانية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى عاصمة رومانية. وفي ذروة ازدهارها، بلغ عدد سكانها نحو 100 ألف نسمة، وشهدت نهضة فكرية وثقافية كبيرة ارتكزت على الفنون والموسيقى والعلوم، كما ضمت مسارح ومدرسة فلسفية مرموقة.

لكن الزلازل والحروب أسهمت مع مرور الزمن في تحويل تلك المدن إلى أطلال، قبل أن يعاد اكتشافها خلال القرن الثامن عشر.

ويقول المرشد السياحي حمدي الكيلاني إن الموقعين الأثريين لا يزالان غير معروفين بالشكل الكافي لدى كثيرين، رغم أن مدينة قورينا تتمتع بجمال استثنائي يجعلها “تخطف الأنفاس”، معربًا عن أمله في أن تستقطب المنطقة أعدادًا كبيرة من السياح مستقبلًا، مشيرًا إلى أن عدد الزوار حاليًا لا يزال محدودًا، ويقتصر على مجموعات صغيرة تزور المنطقة بين الحين والآخر، إضافة إلى عدد قليل من السياح.

وعندما ضرب إعصار دانيال شرق ليبيا عام 2023، اجتاحت الفيضانات مدينة درنة الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر شرق قورينا، متسببة في مقتل آلاف الأشخاص، كما امتدت آثار الكارثة إلى المواقع الأثرية.

ويقول أنيس حامد يونس، المشرف على أعمال الترميم في الممر المقدس الذي يربط بين مرتفعات قورينا ومعبد أبولو، إن جميع المهتمين بالموقع حضروا في اليوم التالي للإعصار للمشاركة في جهود الإنقاذ. ويقود يونس فريقًا عمل لأشهر على إزالة الكتل الصخرية والأنقاض، وإنقاذ القطع الأثرية، وإعادة بناء أحد المزارات ونحو 60 مترًا من جدار أثري تعرض للانهيار.

ورغم الاعتماد على معدات قديمة، إلى جانب نقص الإمكانيات والموارد، أعرب يونس عن أمله في إعادة فتح المنطقة أمام الزوار خلال شهر سبتمبر المقبل.

وفي الوقت الذي خلف فيه إعصار دانيال دمارًا واسعًا وخسائر بشرية كبيرة، أسهم أيضًا في الكشف عن اكتشافات أثرية جديدة، حيث عثر علماء الآثار على نقوش وقرابين جنائزية كانت مدفونة بين آلاف المقابر اليونانية والرومانية المنتشرة في المنطقة.

وفي المقابل، تتزايد المخاوف بشأن مدينة أبولونيا الأثرية، التي تبعد نحو 20 كيلومترًا عن قورينا، بعدما غمرت مياه البحر نحو ثلث الموقع عبر القرون. ويؤكد طلال الحسي، المسؤول المحلي بدائرة الآثار، أن تقديرات خطر فقدان الموقع ارتفعت من 50% قبل إعصار دانيال إلى نحو 80% بعده، محذرًا من أن بعض الهياكل الأثرية أصبحت معرضة بشكل مباشر للتآكل البحري، الأمر الذي يستدعي تدخلًا عاجلًا لإنقاذها.

ومن جانبه، دعا أحمد عيسى عبد الكريم، أحد كبار مسؤولي دائرة الآثار، إلى إنشاء متحف وطني يليق بقيمة هذه المواقع التاريخية، مؤكدًا أن القطع الأثرية الموجودة لا تخص الليبيين وحدهم، بل تمثل تراثًا إنسانيًا يخص العالم بأسره، ولا ينبغي أن تبقى حبيسة المخازن.

وأعرب عبد الكريم عن أمله في أن تدرك السلطات الليبية، سواء الحكومة المعترف بها دوليًا ومقرها طرابلس أو السلطة المنافسة في شرق البلاد، أهمية الحفاظ على هذه المواقع للأجيال المقبلة، في ظل استمرار الانقسام السياسي الذي تعيشه ليبيا.

واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة منح حماية التراث الأولوية، قائلًا إن النفط قد ينفد يومًا ما، أما هذه المواقع الأثرية فستظل شاهدة على التاريخ، ما يستوجب الحفاظ عليها وصونها باعتبارها إرثًا إنسانيًا خالدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى