من الاستغلال إلى قيادة البحيرات.. كيف غيرت نساء ملاوي قواعد الصيد؟
امتلاك القوارب وشباك الصيد يمنح النساء فرصة لكسر الهيمنة
كتب:محمد عمران
هيمن الرجال على قطاع صيد الأسماك في ملاوي لعقود طويلة، بينما انحصرت أدوار النساء في الأعمال المنزلية أو تجهيز الأسماك وإصلاح الشباك وتسويقها، إلا أن هذا الواقع بدأ يشهد تحولًا لافتًا، مع دخول النساء بقوة إلى مهنة الصيد وامتلاكهن القوارب والشباك، في خطوة تهدف إلى تحقيق المساواة بين الجنسين والقضاء على ظاهرة “الجنس مقابل السمك” التي ظلت لسنوات من أخطر صور الاستغلال داخل المجتمعات الساحلية.
من الاستغلال إلى قيادة البحيرات.. كيف غيرت نساء ملاوي قواعد الصيد؟
وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن النساء يمثلن 28% من القوى العاملة في قطاع تربية الأحياء المائية عالميًا، و18% في مصايد الأسماك، ونحو نصف العاملين في أنشطة ما قبل الحصاد وما بعده ضمن سلسلة القيمة، أما في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فتتجاوز نسبة النساء العاملات في تجهيز وتجارة الأسماك 80%، بينما لا يزال الرجال يسيطرون على عمليات الصيد وملكية القوارب ومعدات الصيد.
لقد نهضت النساء لمواجهة التحديات في التقرير المنشور بموقع “أفريكان أرجومنتس”، مؤكدات أنهن تعرضن للاضطهاد لفترة طويلة، وأن الوقت قد حان لتغيير هذا الواقع. وأصبحن اليوم يمتلكن القوارب والزوارق وشباك الصيد، ويعملن جنبًا إلى جنب مع الرجال على قدم المساواة.
وتمتلك زايا، البالغة من العمر 53 عامًا، قاربين وشباك صيد، وتقول إنها قررت شراء معدات الصيد بعدما لاحظت حجم الأرباح التي يحققها هذا النشاط، وأصبحت اليوم توظف رجالًا للقيام بأعمال الصيد نيابة عنها.
امتلاك القوارب وشباك الصيد يمنح النساء فرصة لكسر الهيمنة
وأضافت: ” تقول إيلين زايا: “لقد أعاقت الثقافة تقدم المرأة لفترة طويلة جدًا، ونريد وضع حد لهذا الأمر”.لم يكن من السهل على الرجال تقبل وجودنا معهم في المياه وممارسة الصيد، فقد قاوموا في البداية، لكنهم اليوم أصبحوا يعتبروننا جزءًا منهم”.
وأكدت زايا، إلى جانب العديد من النساء الأخريات في موقع إنزال الأسماك بمدينة ليوالازي في مقاطعة نكوتا كوتا بوسط ملاوي، أنهن عازمات على إنهاء ما يُعرف بـ”تجارة الجنس مقابل الأسماك”، والتي يرين أنها ساهمت في ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية وهددت حياة الكثيرين.
نساء ملاوي يقتحمن بحيرات الصيد ويكسرن احتكار الرجال
وأنشأ لحماية العائلات من الأمراض المنقولة جنسيًا داخل مواقع إنزال الأسماك، الصيادون لجان القرى الشاطئية والتعاونيات.
كما جرى تعيين عدد أكبر من النساء عمدًا في هذه اللجان، بهدف تمكينهن من المشاركة في صنع القرارات التي تخدم مصالحهن.
وقال ستانفورد ماسينا، رئيس جمعية توكومبو التعاونية لمصايد الأسماك في مقاطعة نكاتا باي: “حرصنا على إشراك المزيد من النساء في مواقع صنع القرار، لأننا نريد تشجيعهن على ممارسة الأعمال التجارية وتمكينهن من اتخاذ القرارات التي تصب في مصلحتهن”.
وتعد لجان مراقبة الأسماك والتعاونيات منظمات محلية أنشئت في معظم مواقع إنزال الأسماك، بهدف حماية الموارد السمكية، والقضاء على ظاهرة الجنس مقابل الأسماك، وتعزيز التمكين الاقتصادي لتجار الأسماك المحليين.
وقالت ماغي تشيوميا، وهي صيادة تمتلك قاربًا وشبكة صيد في موقع إنزال الأسماك بمدينة توكومبو في مقاطعة نكاتا باي: “اعتمدنا نظامًا يمنع بيع الأسماك سرًا، إذ تُباع جميع الأسماك بالمزاد العلني لمن يقدم أعلى سعر”.
وأضافت أن اعتماد المزادات العلنية حدّ من استغلال النساء وإجبارهن على ممارسة الجنس مقابل الحصول على الأسماك، كما منحهن الثقة في قدرتهن على شراء الأسماك دون التعرض لأي استغلال.
وبالنسبة للنساء، تعد ظاهرة الجنس مقابل الأسماك شكلًا من أشكال الإساءة والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وقد تعهدن بالقضاء عليها نهائيًا في جميع مواقع إنزال الأسماك بمختلف أنحاء البلاد.
وقال ليفيجن كوندوي، عضو لجنة القرى الشاطئية في نكوتا كوتا: “لقد كانت النساء ضحايا لهذه الممارسة لفترة طويلة، لكن بيع الأسماك بالمزاد لا يحميهن فحسب، بل يساهم أيضًا في حماية الرجال من فيروس نقص المناعة البشرية وغيره من الأمراض المنقولة جنسيًا”.
من جانبه، قال هربرت موالوكومو، المدير التنفيذي لمركز السياسات البيئية والدعوة (CEPA)، إن ظاهرة الجنس مقابل الأسماك تمثل مشكلة خطيرة في قطاع الصيد، ويمكن الحد منها عبر نظام تجاري يتسم بالشفافية.
وأضاف: “من الواضح أن هذه الظاهرة، التي تُعد من المشكلات الشائعة في مواقع إنزال الأسماك، يمكن الحد منها من خلال نظام تجاري شفاف يتيح فرصًا متساوية للجميع في شراء الأسماك، وهو ما سيسهم أيضًا في الحد من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية، مع زيادة مشاركة النساء في مختلف مراحل سلسلة القيمة بقطاع الصيد”.
بدوره، قال جورج جوب، المدير التنفيذي لشبكة المساواة الصحية في ملاوي (MHEN)، إن ظاهرة الجنس مقابل الأسماك لا تزال تمثل مصدر قلق كبيرًا للصحة العامة وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين وجهود الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية.
وأشار إلى أنه، رغم التقدم الذي تحقق من خلال حملات التوعية، وإنشاء لجان القرى الشاطئية والتعاونيات السمكية، ومبادرات تمكين المرأة، فإن حالات متفرقة لا تزال تسجل في بعض مجتمعات الصيد.
وأضاف: “إن ظاهرة الجنس مقابل الأسماك ليست مجرد قضية مرتبطة بقطاع الصيد، بل هي أيضًا قضية تتعلق بالصحة العامة والعدالة الاجتماعية، ويتطلب القضاء عليها استثمارات مستدامة في التمكين الاقتصادي للمرأة، والوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية، وتعزيز المساءلة المجتمعية، وحماية حقوق الإنسان”.
التمكين الاقتصادي للمرأة
تدرك العديد من النساء العاملات في قطاع صيد الأسماك أن تحقيق المساواة بين الجنسين لا يمكن أن يتم دون تمكين اقتصادي حقيقي. وترى الكثيرات منهن أن توسيع أعمالهن يتطلب استثمارات رأسمالية، وهو ما يؤكدن أنه يمثل احتياجًا أساسيًا.
وقالت زايا: “لا يكفي أن نقول للنساء كُنَّ قويات. فهن يحتجن إلى استثمارات رأسمالية. وعندما تصبح المرأة مستقرة ماليًا، سيدرك زوجها أن التخلي عنها ليس أمرًا سهلًا، لأنها أصبحت تمتلك الموارد الكافية لإعالة نفسها”.
وقال ليفيسون كوندوي، البالغ من العمر 45 عامًا، والذي يعمل في الصيد منذ عام 2010: “إذا أردنا تطوير أعمالنا، فنحن بحاجة إلى التمويل. فقواربنا تحتاج إلى الوقود، كما تحتاج النساء العاملات في تجهيز الأسماك وتجارتها إلى أفران حديثة لتجفيف الأسماك”.
وأوضح موالوكومو أن النساء ما زلن يعانين من ضعف الاستثمارات الرأسمالية، ومحدودية الوصول إلى المعلومات المتعلقة بقطاع الصيد، فضلًا عن استمرار العادات والتقاليد التي تعيق مشاركتهن، إلى جانب ضعف تمثيلهن في مواقع صنع القرار.
لكنه أشاد بالخطوات الجريئة التي اتخذتها بعض النساء للاستثمار في قطاع الصيد، مؤكدًا أن ذلك يثبت قدرة المرأة على تغيير الواقع.
وأشارت دراسة نُشرت عام 2021 إلى أن النساء اللاتي يحققن دخلًا من سلسلة القيمة في قطاع مصايد الأسماك يمتلكن فرصًا أكبر للحصول على المدخرات والائتمان، كما يتمتعن بقوة تفاوضية أكبر داخل الأسرة.
كما ساهمت المشاركة في مشروعات قطاع الصيد على مدار السنوات الماضية في انتقال العديد من النساء من العمل كتاجرات صغيرات إلى امتلاك القوارب وشباك الصيد، من خلال التعاونيات المحلية.
وأتاحت هذه المشروعات الفرصة لعدد أكبر من النساء في ملاوي لامتلاك معدات الصيد، إذ تشير بعض الإحصاءات إلى أن 5% من النساء يمتلكن معدات الصيد، فيما تؤكد إدارة مصايد الأسماك أن النسبة الفعلية أعلى من ذلك.
وساهم مشروع ممول من بنك التنمية الإفريقي، استمر خمس سنوات وانتهى في ديسمبر 2025، في تحسين الأوضاع الاقتصادية لنحو 20 ألف صيادة ورائدة أعمال، شكّلت النساء نصف المستفيدين منه.
وقالت أغنيس مكاندوير، المقيمة في موقع إنزال الأسماك بمدينة توكومبو: “استفدت كثيرًا من هذا المشروع. واليوم أمتلك قاربين وشباك صيد، وبنيت منزلًا، وأصبحت قادرة على سداد الرسوم الدراسية لأطفالي”.
وأضافت مكاندوير، التي تعمل في قطاع الصيد منذ عام 2012، أن النساء العاملات في هذا القطاع “تحررن من كثير من أشكال الإساءة، خاصة العنف القائم على النوع الاجتماعي”.
وقال باتريك زاكيو، مسؤول مصايد الأسماك في مقاطعة ساليما: “أدرك المجتمع أن بعض المعتقدات الثقافية كانت تعرقل التنمية”.
وأضاف أن العديد من النساء أصبحن يستثمرن في الصيد وتصنيع الأسماك والتجارة، وهو ما أسهم في تهيئة بيئة أكثر عدالة تتيح للجميع فرصًا وحقوقًا ومسؤوليات متساوية.
وأكد زاكيو أن “الجنس لم يعد عاملًا في تحديد من يشارك في أنشطة الصيد أو الأعمال المرتبطة بها”.
كما يساهم تمكين المرأة اقتصاديًا في الحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل الأسر والمجتمعات. وتشير تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن نحو 46% من النساء في ملاوي تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي، فيما تتزوج 38% من الفتيات قبل بلوغهن سن الثامنة عشرة.
وقالت تامالا مويندا: “إذا أصبحت المرأة مستقلة اقتصاديًا، فلن يجرؤ أي زوج على الاعتداء عليها. فنحن لم نحصل فقط على احترام الرجال، بل على دعمهم أيضًا، لأننا أصبحنا نمتلك مقومات الحياة الكريمة، وهو ما ينعكس في انخفاض معدلات العنف المنزلي والعنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال الجنسي”.
وتمتلك مويندا قاربًا وشبكة صيد، وأوضحت أنها شعرت بالخوف عندما بدأت لأول مرة الصيد في المياه العميقة برفقة طاقم من الرجال، لكنها تجاوزت تلك المخاوف.
واختتم موالوكومو قائلًا: “إن ما تحققه النساء اليوم دليل واضح على إصرارهن على تحسين سبل عيشهن. فرغم أن صيد الأسماك كان ينظر إليه تقليديًا باعتباره قطاعًا يهيمن عليه الرجال، فإن النساء أثبتن قدرتهن على كسر الحواجز الثقافية وتحقيق المساواة بين الجنسين في سبل العيش والفرص الاقتصادية”.



